القول الفصل في مسألة عذاب القبر

القول الفصل في مسألة عذاب القبر

استطاع الإنسان منذ بداية وجوده على هذه الأرض أن يصنع حضارات عظيمة قوية بما أنعم الله عليه من عقل، ومن هذه الحضارات العظيمة هي الحضارة الفرعونية القديمة، لنعود إلى البدايات كي نستطيع أن نرى الصورة كاملة وواضحة، قبل أن نسترسل في الحديث عن موضوعنا الرئيسي.

نقلت إلينا البرديات المُكتشفة بعضاً من سمات وخصائص هذه الحضارة العظيمة، كما أفادتنا بعض الكتابات المرسومة على جدران المعابد بما كان يحدث في ذلك العصر الغابر من الزمان، لكن ما نود التركيز عليه هنا هي تلك الفترة التي تواجد فيها بني إسرائيل تحت حكم تلك الحضارة في عصر نبي الله موسى، فعلى الرغم من معرفتنا الضئيلة نوعاً ما بالحضارة الفرعونية فيما يخص وجود بني إسرائيل من عدمه، إلا أننا لن نستخدم سوى مرجع وحيد هو القرآن الكريم.

عاش بني إسرائيل تحت وطأة فرعون مصر، ولن ندخل في تفاصيل إذا كان هذا الفرعون مصري بالفعل، أو من الهكسوس الذين احتلوا مصر في هذا الوقت كما تقول بردية أيبور، فليس هذا موضوعنا.

كانت المعتقدات السائدة في مصر القديمة تقوم على عبادة العديد من الإلهة، وكان المصريون يصنعون تماثيلاً وأصناماً لتلك الآلهة كي تُوضع في المعابد والأسواق والبيوت وغيرها ليتضرع الناس إليها، ولم يكن الأمر يقتصر على المصريين فحسب، بل كان هذا الأمر دأب شعوب العالم حينها إلا من رحم ربي.

جاء موسى يطلب من فرعون أن يُرسل معه بني إسرائيل الذين عاشوا فترة طويلة تحت حكم الاستبداد، تلك الفترة كانت كفيلة بتأثرهم بالحياة الدينية المصرية القديمة، لكن فرعون رفض طلب موسى حتى بعد أن رأى الآيات البينات التي منحها الله لنبيه، والجميع يعرف القصة، فلا داعى للاستطراد فيها، حتى إذا ما تجاوز موسى ببني إسرائيل البحر، وأُغرق فرعون وجنوده، إلى هنا تنتهي قصة الفرعون وقومه، ومن هنا تبدأ قصتنا.

بعد أن تجاوز موسى بهم البحر شاهد بني إسرائيل بعض المصريين العاكفين على إلههم، وهذا الإله كان العجل أبيس المقدس، يقول الله تعالى في قرآنه الكريم ﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾. الأعراف 138.

وبعد أن تركهم موسى ليذهب إلى لقائه ربه صنع لهم السامري من حليهم عجلاً ليعبدوه ﴿ وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ ﴾. الأعراف 148.

إلى هنا تنتهي القصة التي أردنا أن نستوضحها، ومن هذه القصة نجد أن اليهود قد تأثروا بأفكار الحضارة المصرية القديمة، ومن هنا جاءت الخرافات والأساطير التي كانت تؤمن بها الشعوب القديمة، وحفظها اليهود فيما بعد، بل وتناقلوها عبر الأجيال، لكن ما علاقة كل ذلك بموضوعنا.

أحاديث عذاب القبر

إننا نتحدث عن عذاب القبر في الإسلام ولم يذكر القرآن شيئاً بخصوص هذا الأمر، لكن جل ما ذُكر بشأن هذا الموضوع كان من خلال الأحاديث التي تمت نسبتها إلى الرسول، ولنستعرض بعضاً منها:

  • حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَمْرَةَ أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتْ عَائِشَةَ تَسْأَلُهَا فَقَالَتْ أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ يُعَذَّبُ النَّاسُ فِي الْقُبُورِ قَالَتْ عَمْرَةُ فَقَالَتْ عَائِشَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِذًا بِاللَّهِ ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا فَخَسَفَتْ الشَّمْسُ قَالَتْ عَائِشَةُ فَخَرَجْتُ فِي نِسْوَةٍ بَيْنَ ظَهْرَيْ الْحُجَرِ فِي الْمَسْجِدِ فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَرْكَبِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مُصَلَّاهُ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ فَقَامَ وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ قَالَتْ عَائِشَةُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ثُمَّ رَكَعَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ ذَلِكَ الرُّكُوعِ ثُمَّ رَفَعَ وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ فَقَالَ إِنِّي قَدْ رَأَيْتُكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ كَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ قَالَتْ عَمْرَةُ فَسَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ فَكُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ النَّارِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ و حَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ح و حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ…. صحيح مُسلم 1506
  • حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ فَقَالَتَا إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ قَالَتْ فَكَذَّبْتُهُمَا وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا فَخَرَجَتَا وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَجُوزَيْنِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ دَخَلَتَا عَلَيَّ فَزَعَمَتَا أَنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ فَقَالَ صَدَقَتَا إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ قَالَتْ فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلَاةٍ إِلَّا يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَفِيهِ قَالَتْ وَمَا صَلَّى صَلَاةً بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا سَمِعْتُهُ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ…. صحيح مُسلم 922 
  • حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَ هَارُونُ حَدَّثَنَا وَقَالَ حَرْمَلَةُ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ الْيَهُودِ وَهِيَ تَقُولُ هَلْ شَعَرْتِ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ قَالَتْ فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ إِنَّمَا تُفْتَنُ يَهُودُ قَالَتْ عَائِشَةُ فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ شَعَرْتِ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ قَالَتْ عَائِشَةُ فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدُ يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ…. صحيح مُسلم 920

 

  • حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ فَقَالَتَا لِي إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ فَكَذَّبْتُهُمَا وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا فَخَرَجَتَا وَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَجُوزَيْنِ وَذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ صَدَقَتَا إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ كُلُّهَا فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلَاةٍ إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ… صحيح البخاري 5889 

هذا غيض من فيض فالأحاديث التي تتحدث عن عذاب القبر كثيرة، لكن ما يسترعنا هنا هو اليهود، فمن الجلي أن اليهود كانوا يعتقدون بمثل هذه الأمور التي تتحدث عن عذاب القبر ولم تسمع بها السيدة عائشة بل والرسول نفسه، فما كان من الرسول إلا أن تعوذ بالله من عذاب القبر بعد ذكر السيدة اليهودية له، فهل هذا منطقي وهل هذا الأمر يتقبله العقل.

الأمر الثاني هو كيف يسمع الموتى، والله تعالى قال في كتابه الكريم
﴿ وَمَا يَسْتَوِي الأحْيَاءُ وَلا الأمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾. فاطر 22

ويقول أيضاً ﴿ فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾. النمل 80

أما بخصوص الحديث التالي الذي يُنسب إلى رسول الله والذي يقول
” حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا قَالَ لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ مُجَاهِدًا مِثْلَهُ يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِصحيح البخاري 311

وبما أن ما يحدث بعد الموت من الغيبيات التي يختص بها الله تعالى فكيف للرسول أن يعلم بها، ولسوف يستشهد البعض بالآية التي تقول ﴿  وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. آل عمران 179

أو الآية التي تقول ﴿  عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾. الجن 26/27

نعم الله لا يُطلع أحداً على غيبه إلا من ارتضى من رسول، وقد أعلمنا الله بعض الرسل الذي أطلعهم على غيبه، لكن البعض الآخر لم يعلم الغيب، فمَن هم الأنبياء أو الرسل الذي أراد الله اطلاعهم على الغيب، نجد أن هناك النبي يوسف الذي اطلعه الله على بعض الغيوب من خلال تأويل الأحلام، وكان هذا الأمر من دلائل نبوته، أما النبي الأخر كان عيسى بن مريم، وهذا الأمر كذلك من دلائل نبوته، فهل كان النبي محمد من أولئك الأنبياء الذين اطلعهم الله على بعض غيبه، لنرى ما يقوله القرآن بشأن هذا الأمر ﴿ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾. الأنعام 50

كما كان يقول الله تعالى لرسوله حينما تم سؤاله عن الساعة ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾. الأعراف 187

لنرى قول الله فيم أنت من ذكراها، فهو لا يعلمها، وكذلك قوله يسألونك كأنك حفي عنها.

وقد قال الرسول أيضا ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾. الأعراف 188

ولم يكن الرسول بدعاً من الرسل الذين لم يُطلعهم الله على بعض غيبه، بل قالها قبله نوح ﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ﴾. الأنعام 50

منكر ونكير

أما بخصوص حديث الملاكين في القبر الذي أخرجه الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذَا قُبِرَ الْمَيّتُ – أوْ قالَ أَحَدُكُمْ – أتَاهُ مَلَكانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ. يُقَالُ لأحَدِهِما الْمُنْكَرُ وَالآخَرُ النّكيرُ. فَيَقُولاَنِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ في هذَا الرّجُلِ؟ فَيَقُولُ مَا كانَ يَقُولُ: هُوَ عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ. أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله وَأَنّ مُحَمّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَيَقُولاَنِ: قَدْ كُنّا نَعْلَمُ أَنّكَ تَقُولُ هذَا. ثمّ يُفْسَحُ لَهُ في قَبْرِهِ سبْعُونَ ذرَاعاً في سَبْعِينَ. ثُمّ يُنَوّرُ لَهُ فِيهِ. ثُمّ يُقَالُ لَهُ: نَمْ. فَيَقُولُ أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فأُخْبِرُهُمْ؟ فَيَقُولاَنِ: نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوس الّذِي لاَ يُوقِظُهُ إلا أَحَبّ أَهْلِهِ إلَيْهِ، حَتّى يَبْعَثَهُ الله مِنْ مَضْجَعِهِ ذلِك. وَإِنْ كانَ مُنَافِقاً قالَ: سَمِعْتُ النّاسَ يَقُولُونَ فَقُلْتُ مِثْلَهُ. لاَ أدْرِي. فيَقُولاَنِ: قَدْ كُنّا نَعْلَمُ أنّكَ تَقُولُ ذلِكَ. فيُقَالُ لِلأرْضِ: الْتَئِمِي عَلَيْهِ. فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ. فَتَخْتَلِفُ فيها أضْلاَعُهُ. فَلاَ يَزَالُ فِيهَا مُعَذّباً حتّى يَبْعَثَهُ الله مِنْ مَضْجَعِهِ ذلِكَ. وقد صححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة.

لننظر سوياً إلى هذا الحديث ونتأمل فيه ملياً، أما الأمر الأول الذي سنتحدث عنه هو تسمية الملاكين بمنكر ونكير، إن الله سبحانه وتعالى لم يذكر في القرآن أسماء للملائكة سوى جبريل وميكال فمن أين أتت تلك المسميات المشينة لملائكة الله، ولماذا هذه المسميات إلا إذا كانت من قبيل الإرهاب والتخويف.

أما الأمر الثاني وهذا هو المهم ماذا عن البعض الذين لم يعرفوا الإسلام، فهل سيصيبهم عذاب القبر الأبدي، ومن ثم يوم الحساب يتجرعون مرارة العذاب مرة أخرى، وماذا عن قول الله تعالى في كتابه الكريم ” ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.البقرة 62

الموت والزمن

يحيا الإنسان في هذه الحياة في ظل قوانين الزمان والمكان، تلك القوانين التي من العسير جداً على أي إنسان أن يتخيل غيرها، فلا يستطع التصور مثلاً عدم وجود زمن، والأبدية بالنسبة إليه هي الزمن الممتد، ففكرة عدم وجود الزمان لا يستسيغها عقله القاصر، لكن بعد أن تنقضي حياته على هذه الأرض يخرج من إطار الزمان والمكان إلى اللازمان وهنا يتوقف الزمن به، وهذا ما أشار القرآن إليه غير ذات مرة حينما قال عن الرجل الذي أماته الله مائة عام ثم أحياه ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾. البقرة 259

إذن هذا الرجل الذي أماته الله مائة عام حينما بُعث من جديد، تم سؤاله عن المدة أو الزمن فقال إنه ما لبث سوى يوماً أو بعض يوم.

وقد حدث ذلك مع أهل الكهف أيضاً فحينما بعثهم الله من موتهم لم يعلموا أنهم كانوا في الكهف قرابة الثلاثة قرون، بل قالوا كذلك لبثنا يوماً أو بعض يوم، وهذا بالنسبة لأهل الإيمان، أما بالنسبة لأهل الكفر فقال الله عنهم ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾. الروم 55

من هنا نعلم أن الزمن في هذه الحياة غير ذات الزمن بعد الموت.

لننظر للقضية بشكل مغاير، فإذا كان هناك عذاباً في القبر بالفعل، والزمان فيه كزمان الحياة لدينا، ولنتفق أن أحد عتاة المجرمين كفرعون الذي أغرقه الله في البحر، مازال يُعذب في قبره منذ موته وحتى وقتنا الحالي، وأن أحد عتاة المجرمين في عصرنا الحالي قد مات البارحة وهو يُعذب في قبره الآن، لنفترض أن القيامة سوف تقوم غداً، ولننظر فنجد أن الشخصيتين قد ارتكبتا نفس الإثم، ومع ذلك نالت أحدهما عذاباً أطول من الأخرى حيث تعذب فرعون لألاف السنوات، والأخر لم يُعذب في قبره سوى ليوم واحد، فهل هذا من عدل الله.

القرآن وعذاب القبر

في البداية لابد أن نوضح أن القرآن الكريم لم يذكر كلمة عذاب القبر أو نعيمه في أية واحدة من آياته، ولكن هناك بعض الآيات التي يمكن أن نستنبط منها هذا المفهوم، وهذا ما استخدمه مؤيدي فكرة عذاب القبر ومنكريه، بعيداً عن الاستشهاد بالأحاديث المنسوبة للرسول، فلننظر سوياً إلى هذه الآية التي تقول ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ، قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾. يس 51/52

هنا يصحو الأموات من قبورهم على المفاجأة بأمر القيامة، ويعلموا أن المرسلين قد صدقوهم القول، فلو كان هناك عذاب في القبر لعلموا صدق المرسلين قبل البعث، أما بالنسبة للآية التي تقول ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. غافر 46

ففي هذه الآية وطبقاً لحديثنا عن الموت والزمن، فإنه ينتفي وجود عذاب القبر حيث أن الآية تذكر أن النار يُعرضون عليها غدواً وعشياً، وبما أن الغدو والعشي مواقيت فهي تدخل ضمن إطار الحياة الدنيا، وهذه الآية تختص بقوم فرعون، والعرض في هذه الآية واضح أنه ليس العذاب، فالعرض على النار ليس العذاب فيها، كما لم تذكر هذه الآية أي شيء عن القبر، ويُحتمل أن يكون العذاب الذي يناله فرعون وجنوده في الحياة ما هو إلا عذاب نفسي.

وفي الآية التي تقول ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾. التوبة 101
هذه الآية هي الأخرى لا تتعلق بعذاب القبر من قريب أو بعيد، بل هي تدل على تنوع العذاب في الدنيا بدليل نهاية الآية، ثم يردون إلى عذاب عظيم وهو عذاب الآخرة، لكن ما هو الدليل أن هذا العذاب هو في الدنيا وليس الآخرة، أقول لكم لنتأمل في آية أخرى ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. السجدة 21
هنا تم ذكر العذاب كذلك، أليس كذلك، لكن في نهاية الآية يقول الله تعالى لعلهم يرجعون، فمتى يرجعون في الدنيا أم الآخرة ، لابد أن يكون الرجوع عن أفعالهم في الدنيا، لذا فإن العذاب حادث لا محالة في الدنيا.

البرزخ في القرآن

ذُكرت كلمة البرزخ في القرآن في عدة مواقع لا تعني في جميع مواقعها إلا بمعنى الحاجز يقول الله ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا ﴾. الفرقان 53

﴿ مَرَجَ البَحرَينِ يَلتقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾. الرحمن20

﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾. المؤمنون 99/100

وتعني البرزخ هنا كذلك الحاجز الفاصل بين الموت والنشور هذا الحاجز الذي تنعدم فيه قوانين الزمان والمكان. فلو أراد الله أن يكون هناك عذاباً للقبر لقال ومن ورائهم عذاب قبر إلى يوم يبعثون، لذا فهذه الآية ليست لها أية علاقة كذلك بفكرة عذاب القبر.

كلمة أخيرة

في نهاية حديثنا نود أن نوضح أن الدين الإسلامي يخلو تمام من ذلك التصور الميثولوجي، ولم يتحدث مُطلقاً بشأن عذاب القبر أو نعيمه، ولم يذكر ما يحدث في تلك الفترة التي تقع بين الموت والبعث مجدداً، فبعد الموت يتخلص الإنسان من إحساسه بالزمان والمكان، وجسد الإنسان يُبلى ونفسه تموت كما الجسد بالضبط، حيث يقول الله تعالى ” كل نفس ذائقة الموت” فهي مثل الجسد تفنى، أما الروح فهي نفخة الإله الباقية التي لا تموت.

وإذا كانت مسألة عذاب القبر ونعيمه ليس لها وجود في دين الإسلامي، نجد أن هذا يتوافق مع عدل الله الكلي بل ورحمته الواسعة بالبشر.

حان الآن لنتخلى عن تلك الأفكار الأسطورية التي تمتلئ بها كتب التراث والتي يستخدمها البعض لإثارة الفزع والخوف، من أجل السيطرة على عقول المسلمين، كذلك يجب علينا التخلي عن تلك الأحاديث المنسوبة لرسول الله، تلك الاحاديث المشهورة وليست المتواترة، أما القول بالإجماع فليس هنالك بدعة أشد سوءً من هذا القول، فالقول بالإجماع يكاد يكون مستحيل، كما أنه ليس من العلم في شيء، أو كما قال ابن حنبل ” من ادعى الإجماع فقد كذب”.

لقد آن الأوان للمسلمين أن يتخلصوا من أسر الخرافات القائمة على الخوف والترهيب وكراهية الموت، فليس ثمة طريق أمام المسلمين لكي يصبحوا أحراراً إلا أن يقتحموا عقبة تحرير ذواتهم من إصر الماضي وأغلاله ليغدو قيومين على واقعهم بدون وعي مزيف وتناقضات مشينة.

 

وائل الشيمي

كاتب وأديب مصري

اترك تعليقاً