المنفلوطي.. الكاتب الذي لم يتقاضى أجراً عن أدبه

المنفلوطي.. الكاتب الذي لم يتقاضى أجراً عن أدبه

يعتبر تاريخ البشرية حافل بالكثير من الشخصيات التي أثرت العقول والقلوب بالعديد من الأقوال المأثورة التي مازالت محفورة في وجدان الجميع، هذه الشخصيات التي انعم الله عليهم بنعمة العقل والتفكير، ورؤية وبصيرة قلما تتسنى لغيرهم.

فكان من الطبيعي أن تُخلد أقوالهم ويحفظها الناس عن ظهر قلب، لما لها من أهمية كبرى في مساعدتهم على التفكير بصورة سليمة والسير على الدرب الصحيح، ولم يكن حفظ الناس لهذه الأقوال المأثورة سوى للاستعانة بها على الحياة ومواجهة ريب المنون.

في هذا القسم سنتناول نبذة قصيرة عن كل شخصية من الشخصيات موضوع المقال، ومن ثم بعضاً من الأقوال المأثورة لهذه الشخصية، ولسوف تتباين هذه الشخصيات في كل مقال ما بين شخصيات دينية أو أدباء أو فلاسفة وعلماء ومفكرين، سنحمل كلماتهم المأثورة على كاهلنا لنحفظها ونعمل وفقاً لما جاء بها، لعلها تكون لنا خير عون، وكل ذلك بغض النظر عن خلفيات هذه الشخصيات.

مصطفى لطفي المنفلوطي

ليست هنالك عبارات أو أقوال تكفي للحديث عن روعة وعذوبة ونقاء أسلوب ذلك الأديب الورع التقي مصطفى لطفي المنفلوطي، فهو واحد من أصحاب الأقلام الفذة، وعلى الرغم من قلة إنتاجه الأدبي مقارنةً بالكثير من أدباء عصره إلا أنه قد أثرى الحياة الأدبية بما يمتلكه من موهبة قلما تتسنى لأحد الأدباء، فهو بحق أحد فطاحل الأدب والترجمة الذين لن يتكرروا أبداً.

وُلد المنفلوطي بقرية منفلوط والتحق بكتاب القرية، ثم درس في الجامع الأزهر اللغة العربية وعلوم القرآن، هذا بالإضافة إلى اطلاعه على علوم الحديث والفقه والأدب العربي بشكل عام، ولم يقتصر الأمر على الدراسة فحسب بل قرأ دواوين الشعر الجاهلي بالإضافة إلى كتب التراث.

ذاع صيت المنفلوطي بعد كتابته لعموده نظرات في جريدة المؤيد التي كانت أحد أكبر الصحف المصرية انتشاراً في ذلك الوقت، كما إنه ترجم من الفرنسية إلى العربية العديد من الأعمال الخاصة بالشعراء والأدباء الفرنسيين أمثال فرانسوا كوبيه، وبرناردين دي سان بيير، وادموند روستان.

يعتبر المنفلوطي واحد من أفضل الأدباء أسلوباً في القرن العشرين، فأسلوبه يتميز بالسلاسة وحسن الصياغة وجمال الإيقاع، إضافة إلى قوة الأسلوب والمتانة والرقة والعذوبة، كما إنه واحد من المترجمين للأدب الذين فاقت قدراتهم على الابتكار في ترجمة الأعمال الأدبية العديد من المترجمين الأخرين.

ومن الجدير بالذكر أن المنفلوطي أحد الأدباء الذين لم يتكسبوا من أدبهم على الإطلاق، فهو لم يتقاضى أجراً يوماً ما على أدبه، ولم يستخدم شعره وكتاباته من أجل مصلحة شخصية أو منفعة مادية، كما أنه كان يتورع عن مجالسة البعض ممَن لا يرض عن أخلاقهم أو سلوكياتهم، فهو الكاتب الوقور الذي يتمتع برزانة كبيرة، وهو الكاتب النقي الورع الذي أثرى الحياة الأدبية بالقليل فقط من الأعمال.

أهم أعماله

  • النظرات
  • العبرات
  • في سبيل التاج
  • مجدولين
  • بول وفرجيني
  • الشاعر
  • الفضيلة

 أقواله المأثورة

  • إن الله قد خلق لكل روح من الأرواح روحاً أخرى تماثلها وتقابلها .. وتسعد بلقائها .. وتشقى بفراقها .. ولكنه قدّر أن تضل كل روح عن أختها في الحياة الأولى، فذلك شقاء الدنيا .. وإن تهتدي إليها في الحياة الثانية ، فتلك سعادة الآخرة .
  • لا خير في حياة يحياها المرء بغير قلب، ولا خير في قلب يخفق بغير حب.
  • هذبوا رجالكم قبل أن تهذبوا نسائكم، فإن عجزتم عن الرجال فأنتم عن النساء أعجز.
  • إن العظيم عظيم في كل شيء حتى في أحزانه وآلامه.
  • ما المرأة إلا الأفق الذي تشرق منه شمس السعادة على هذا الكون فتنير ظلمته، والبريد الذي يحمل على يده نعمة الخالق إلى المخلوق، والهواء المتردد الذي يهب الإنسان حياته وقوّته، والمعراج الذي تعرج عليه النفوس من الملأ الأدنى إلى الملأ الأعلى، والرسول الإلهي الذي يطالع المؤمن في وجهه جمال الله وجلاله.
  • الأشقياء في الدنيا كثير، وأعظمهم شقاء ذلك الحزين الصابر الذي قضت عليه ضرورة من ضروريات الحياة أن يهبط بآلامه وأحزانه إلى قرارة نفسه فيودعها هناك، ثم يغلق دونها باباً من الصمت والكتمان، ثم يصعد إلى الناس باش الوجه باسم الثغر متطلقاً متهللاً، كأنه لا يحمل بين جنبيه هماً ولا كمداً!
  • إن الفقير يعيش في دنياه في أرض شائكة قد ألفها واعتادها، فهو لا يتألم لوخزاتها ولذعاتها، ولكنه إذا وجد يوماً من الأيام بين هذه الأشواك وردة ناضرة طار بها فرحاً وسروراً، وأن الغني يعيش منها في روضة مملوءة بالورود والأزهار قد سئمها وبرم بها، فهو لا يشعر بجمالها ولا يتلذذ بطيب رائحتها، ولكنه عثر في طريقه بشوكة تألم لها ألماً شديداً لا يشعر بمثله سواه، وخير للمرء أن يعيش فقيراً مؤملاً كل شيء، من أن يعيش غنياً خائفاً من كل شيء.
  • إنني لا أعرف سعادة في الحياة غير سعادة النفس، ولا أفهم من المال إلا أنه وسيلة من وسائل تلك السعادة، فإن تمت بدونه فلا حاجة إليه، وإن جاءت بقليله فلا حاجة إلى كثيره.
  • كن الناطق الذي تحمل الريح صوته إلى مشارق الأرض ومغاربها، ولا تكن الريح التي تختلف إلى آذان الناس بصوت الناطقين من حيث لا يأبهون لها ولا يعرفون لها يدها.
  • سيكون مقامي هناك في ذلك الكوكب الجميل مع تلك النفوس العظيمة، التي أحبها وأجلها: سقراط، وأفلاطون، وغاليلي، وجميع الذين ماتوا ضحايا صدقهم وإخلاصهم.
  • وكل نباتٍ يُزرع في أرضٍ غير أرضه، أو في ساعةٍ غير ساعته، إمَّا أن تأباه الأرض فتلفظه، وإمَّا أن ينشب فيها فيفسدها.
  • الحقيقة موجودة ثابتة لا سبيل للباطل إليها، فهي تختفي حيناً، أو تتنكر، أو تتراءى في ثوب غير ثوبها، ولكنها لا تنمحي ولا تزول.
  • الحب كالطائر لا حياة له إلا في الغدو والرواح، والتغريد والتنقير، فإذا طال سجنه في قفص القلب تضعضع وتهالك، وأضحى رأسه يائسًا، ثم قضى.
  • الغيرة دخان الحب، فإذا انطفأت ناره انقطع دخانه.

وائل الشيمي

كاتب وأديب مصري

اترك تعليقاً