صندوق الأسرار

لكل منا صندوق الأسرار الخاص به. يحمل بداخله ما يخشى عليه من تقلبات الزمن. لا يحتوي صندوق الأسرار على أشياء مادية غالية الثمن. لكن ما يحمله أكثر بكثير من قيمته. إنها أشياء لا تشترى بالمال. ولا يمكن بيعها. فهي جزء من تاريخ الإنسان. لكن هذه الأشياء تحمل بداخلها ذكريات ورسائل وروائح من الماضي.

بعد أن بلغت من الكبر عتياً. نظرت حولي فلم أجد أحد. أو بالمعنى الأدق لم يعد هناك أحد. فالكل رحل بكل بساطة. رحل وتركني أعاني في غياهب الوحدة القاتلة. سنوات طويلة مرت كلمح البصر. لم أشعر بمرورها إلا اليوم. عندما أدركت أنني على مشارف النهاية. ورأيت الشعر الأشهب يكسو رأسي. لم يعد لي إلا بعض  الذكريات التي أبت أن ترحل مع الجميع.

صندوق الأسرار

تقدمت بخطاي ناحية صندوق الأسرار الخاص بي. لم أفتحه منذ سنوات عريضات. اليوم جاء موعده. فتحته بصمت وأنا أتساءل، هل مازال يكتظ بالأسرار؟ أم أنه لم يعد يحتملها. فتحته برفق وأزحت عنه غبار السنين. فتشت فيه طويلاً. كان يحمل بين طياته رسائل وذكريات، روائح قديمة تعبق بأريج الماضي، ورود ذبلت وأصفرت أوراقها، أشياء صغيرة، جثث كثيرة لأقلام قد جف حبرها، وأوراق يكسوها الغبار.

لم يعد هناك قبس ينير لي دربي، وأنا أسير في خضم ماضي قد رحل، فجأة أسمع صوتاً وسط الأوراق، بدت هنالك ورقة خرجت عنوة من بين الأوراق، حملتها بين يداي وقرأت ما فيها، بكيت بمرارة فلقد كانت تحمل بين دفتيها كلمات العزاء الأخير.

وحش الذكريات

لم أستطع بعد أن أتغلب على وحش الذكريات الكاسر الذي قلب حياتي إلى جحيم مستعرة، لا أدر لماذا ما زلت أتقفى أثر أشياء ماتت واحترقت وتحولت إلى رماد أتت عليه رياح القطيعة فنثرته في الهواء ولم يعد منه شيئاً.

أشعر بمتعة غريبة في تقليب الأوجاع والألم وقصص الحب التي تلاشت ولم يتبق منها سوى شرذمة قليلة من الجروح التي وجدت طريقها للالتئام، تساءلت كثيراً لماذا هذه اللذة الغريبة في نبش قبر الحب؟ لماذا أفتش دوماً عما يؤلمني وأركض ورائه، أنني الآن أصبحت حراً طليقاً، لم تعد قيود الحب تُكبلني، لماذا إذن أرحل ورائها في نشوة ؟

سأعاود الكتابة مجدداً، فمازالت هي ملاذي وملجأي. أشعر بشعور رائع حينما أكتب عن تلك القصص حتى وإن كانت مؤلمة وحزينة. ربما اخترت الكتابة طريقاً للنسيان، وربما اختارتني هي كقربان، في الكتابة أحاول أن افهم ذاتي. وأحلل أفعالي وسلوكي وأفكاري. تنتابني نوبات من جنون عابر. فأصرخ وأبكي، وما هي إلا لحظات حتى انتهي ويعود الهدوء ثانية. هل مسني الجنون، أم أنني على شفا جرف هار من الفوضى، سألملم أشيائي، أوراقي وأقلامي، وأرحل إلى محرابي بعيداً عن كل تلك الفوضى.

وائل الشيمي

كاتب وأديب مصري

اترك رد