يوم أسود في تاريخ البشرية – الجزء الثاني

You are currently viewing يوم أسود في تاريخ البشرية – الجزء الثاني

قصص قصيرة: يوم أسود في تاريخ البشرية – الجزء الثاني

يمكنك قراءة الجزء الأول من هنا: يوم أسود في تاريخ البشرية – الجزء الأول

بعد مرور أيام قلائل لفظت الأمواج جثته على الشاطئ مرة أخرى، تبدلت معالم المكان، وانتشر الضباب على جميع أنحاء الأرض، نظر حوله فلم ير سوى دخان متصاعد من السماء الملبدة بالغيوم، لا وجود للبشر، تحامل على نفسه وسار متثاقل الخطى على أرض صحراوية جرداء مقفرة وسط الضباب الذي حجب الرؤية.

كانت رحلة العودة تحفها الخيبة والحسرة، لم يجد أمامه سوى حطام وركام، مر بالوادي الذي بدا حزيناً، كل شيء محطماً، الأشجار خلت من أوراقها ولم يبق سوى أغصانها الجافة والمحروقة، حتى الأرض التي يسير عليها كانت جافة تظهر عليها الشقوق فبدت كوجه رجل عجوز ممتلئ بالتجاعيد.

كان المنظر يخلو من أي بهجة فلا صوت لطائر يصدح، لا شمس تسطع، ولا قمر يُنير، وقف برهة بعد أن أنهكه التعب فشعر كأن مطرقة تدق جسده فيغوص شيئاً فشيئاً حتى ابتلعته الأرض. نال منه الجوع، وتمكن منه العطش فكاد أن يقضي نحبه، لكنه صمد في وجه الموت لعله يعرف ماذا حدث؟ كان يشعر بالإرهاق والتعب الشديدين، ولم يتذكر ما حدث، وما أودى به إلى هذا المكان، فمنذ أن استيقظ على الشاطئ وهو فاقد لذاكرته. لا شيء هنالك يكمن في عقله. شعر وكأنه لم يأت إلى الحياة سوى الآن.


هل أنت شيطان؟

بحث طويلاً عن شيء يسد به رمقه، لكنه لم يجد. يدور في دائرة مفرغة يبحث عن بشر مثله ليتحدث معهم، ويعلم منهم ما حدث، لكنه لم يجد. الضباب الكثيف حجب الرؤية عن الأرض، لكنه من خلال الضباب ظهر له شبح لشخص. ارتعدت فرائصه واجتاحته مشاعر متناقضة من الخوف والقلق والتوجس، لكنه سرعان ما استجمع شتات نفسه واقترب من ذلك الشبح خطوات قليلة، وكلما اقترب منه يجد هذا الشبح يبتعد أكثر.

ركض وراءه فابتعد أكثر وأكثر، حتى أنهكه التعب فتوقف. حينها سمع صوت ذلك الشبح يقول له: أنت إنسان … أليس كذلك؟!
نظر أمامه إلى ذلك الذي يتحدث فوجده يضع يده على رأسه، ويتلوى من الألم، ثم جثا على ركبتيه وهو يحاول أن يسد أذنيه، وفجأة صرخ صراخاً شديداً
فُزع شهاب منه، لكنه اقترب خطوات منه ليسأله: ما الذي حدث لك؟

اقرأ أيضاً: قربان بشري: الجزء الأول – المشرحة


أشجار الزقوم

نظر الشبح إليه بريبة. تأمل وجهه ملياً فذُهل حينما رأى ذلك القرن يخرج من رأسه. تأمل ملامحه. كان يبدو كأحد الكائنات البدائية التي خرجت لتوها من أساطير الزمن الغابر. يشبه إلى حد ما الإنسان، لكن ملامحه فظيعة مخيفة، وكأنه خرج من الجحيم لتوه، سأله شهاب متلعثماً: هل أنت شيطان؟

ابتسم وقال له: اعتقد هذا … ولكني كنت في السابق إنسان … يا له من عالم! كم هو غبي … منذ وقت طويل كان هذا المكان عبارة عن حقل من الزهور الجميلة والأشجار النضرة المورقة. ثم جاءت هذه القنابل النووية وحولته إلى صحراء جرداء، والآن بسبب هذه الأمطار الملوثة بالإشعاع النووي ثمة أزهار غريبة وأشجار عجيبة نمت هنا.
أمسك بيده وذهب به إلى حيث الأشجار والأزهار الغريبة، وكان شهاب يتابعه في صمت، ويستمع له بإنصات وهو يقول: انظر … إنها أشجار الزقوم
تعجب وسأله في دهشة: زقوم؟!
– نعم … أشجار ضخمة كالوحوش، هذا من آثار الإشعاع النووي، إنه الذي سبب هذا التشوه، انظر إلى تلك الأزهار تبدو كالمشلولة، أليس كذلك؟
لم ينتظر إجابه منه وأردف: لكن ليست الأشجار والزهور هما اللتان تلوثا من جراء الإشعاع فحسب، بل البشر أيضاً.

اقرأ أيضاً: روح ملعونة


شياطين طاغية

 

قصص قصيرة: يوم أسود في تاريخ البشرية - الجزء الثاني

 

ثم تركه وجلس على الأرض واضعا رأسه بين ركبتيه، والحسرة تملئ ملامح وجهه ثم قال: إن الكائن البشري الغبي هو الذي فعل كل هذا، ذلك الجنس الغبي الذي حول الأرض إلى ساحة كبيرة للنفايات النووية، الطبيعة قد اختفت من وجه الأرض، الطبيعة التي كنا نستمتع بها، لقد فقدنا الطيور والحيوانات والأسماك، حتى الحشرات لم يعد لها وجود، منذ فترة قصيرة رأيت أرنب بري بوجهين، وطائر بعين واحدة، وسمكة يغطي جسدها الشعر.

سأله شهاب: وكيف تأكلون إذن؟
صرخ في وجهه، ثم ضحك ضحكات متقطعة وقال له: لا يوجد طعام هنا … إننا نتغذى على أنفسنا، الضعفاء يتم التهامهم أولاً، لقد حان دوري لأصبح وليمة للآخرين، حتى هنا لدينا مراتب ودرجات، الشياطين ذو القرن الواحد مثلي، هم الذين دوماً يصبحون غذاء للشياطين ذوي القرنين أو الثلاثة قرون … قبل الكارثة النووية كان هؤلاء ذو سلطة ونفوذ أما الآن فإنهم لا يزالون يُلقون بثقلهم علينا كشياطين طاغية.

توقف قليلاً عن الحديث وشرع في الضحك مرة أخرى واستطرد: لذا فإننا ندعهم يتحكمون بنا، ونتركهم يحصلون على كل القرون كي يعيشون في عذاب لينظروا إلى ما قدمت أيديهم، إننا في الجحيم بل أسوأ، فهم لا يستطيعوا أن يموتوا حتى لو أرادوا ذلك، هذا هو عقابهم … الأبدية … تعذبهم خطاياهم، وعليهم أن يعانوا إلى الأبد … سيأكلونني قريبا وسأشعر حينذاك بالارتياح.

اقرأ أيضاً: بعض القصص ينبغي ألا تُحكى أبداً – الجزء الأول


لا أريد أن أكون وليمة

ابتسم لقوله، مرت لحظات طويلة من الصمت، لم يقطعها إلا نهوضه من مكانه مذعوراً وهو يصرخ: لكني لا أريد أن أكون وليمة، ولهذا السبب أهرب بعيداً عنهم، لكني جوعان بشدة، وها أنا أشعر بالاشمئزاز من نفسي، لقد كنت مزارعاً عندما كنت رجلاً، لكني كنت أُلقي بكميات كبيرة من اللبن في النهر لأرفع سعره، كم كنت غبياً.ثم بكى بحرقة، وعاد الصمت يكسو المكان، وفجأة تطرق إلى سمعهما عواء وصراخ فانتبه الشيطان من غفلته فسأله شهاب: هل تسمع ذلك؟
أجابه بحزن: حينما يأتي الليل، هذه الشياطين تصرخ من الألم، فقرونهم تؤذيهم، وتؤلمهم بشدة، إنهم يصلون من أجل الموت، ولكن لقد حُكم عليهم بالعيش متألمين إلى الأبد، ولكن لا أحد يقتلهم ولهذا يصرخون .. تعال معي سأوريك.

اقرأ أيضاً: أرض مخضبة بالدماء


الجحيم

نهض من مكانه واصطحب شهاب معه حتى صعدا جبلاً عظيماً، ثم اختبأ وراء صخرة ضخمة يسترقون النظر إلى تلك الشياطين، ذُهل شهاب مما رأه، لقد رأى نهراً كبيراً من الدماء، حوله مجموعة كبيرة من الشياطين يتلون من الألم، يصرخون، يستنجدون، يشربون من النهر، ينهشون لحوم بعضهم البعض، خاف وتراجع للخلف، وحاول الركض عائداً من حيث أتى حينها ضحك منه الشيطان بشدة حتى خر على ركبتيه من كثرة الضحك، لكن ضحكاته توقفت فجأة حينما شعر هو الآخر بالألم في رأسه، بدأ يتحسس قرنه ويقول: بدأ قرني يؤلمني أيضاً
ثم سقط على الأرض، حاول شهاب أن يساعده فنهره قائلاً: ابتعد عني
قال له: ابتعد إلى أين؟
رمقه بنظرة حادة والشرر يتطاير من بين عينيه، ثم نهض من مكانه وقد تحول إلى شيطان حقيقي. ارتعد منه وركض، فركض الشيطان وراءه وهو يقول: هل تريد أن تصير شيطاناً أيضاً؟
لم يجد الرجل مفر سوى الركض بعيداً عن هذه الجحيم.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك