جثة في الفندق

You are currently viewing جثة في الفندق

قصة خيالية قصيرة: جثة في الفندق 

غرفة بالإيجار

في تلك الليلة ما لبث الليل أن أسدل ستائره على الكون فغيّب تفاصيله التي كان يفضحها النهار. بينما كان سامر يتجول في الشوارع على غير هدى. ولا يشغل تفكيره سوى كيف يهتدي إلى عمل يعتاش منه. بحث كثيراً والأبواب جميعها مغلقة في وجهه. هدّه السير طوال اليوم، ويرغب في إراحة جسده المُنهك، لكنه كان يخشى الذهاب إلى غرفته في ذلك الفندق حتى منتصف الليل، حتى لا تُقابله تلك السيدة البدينة صاحبة الفندق فتطالبه بالإيجار المتأخر على مدى شهور.

جلس على أحد المقاعد الحجرية وهو شارد الذهن. يتأمل حاله البائس. بينما نفض رماد سيجارته بقوة على الأرض ثم ألقاها من يده وداس عليها بشدة. يحاول جمع شتات أفكاره، لعله يستطيع أن يحل معضلته التي باتت تلازمه منذ أشهر لم يعرف عددها.

أعطى ذهنه فترة راحة. بينما أمد يده ليُخرج سيجارة أخرى من العُلبة، لكنه وجدها فارغة. بحث في جيوبه عن أموال يبتاع بها عُلبة أخرى. لكن لم يجد سوى بعض العملات المعدنية التي لا تكف لشراء واحدة. لذا نهض متثاقلاً يحمل من الهموم جبالاً، حتى وصل إلى إحدى المقاهي القريبة.

جلس على مقعد وطلب كوباً من الشاي وشيشة. وبعد قليل كانت الشيشة تقرقر بين رجليه والمبسم لا يبتعد عن فمه لحظة. بينما تراخت مفاصله. شعر بخفة في رأسه، فغرغر ورطب حلقه بجرعة من الشراب الذي أمامه. ثم عاد لتدخين الشيشة، وهو يفكر في حل.

ببساطة شديدة، يحتاج إلى مبلغ من المال، يسد بجزء منه جزءً مما ترتب عليه من دين.ليدفع إيجار الغرفة المتأخر، ويدخر الباقي لشراء الطعام اللازم ليحيا. بعد أن منعت تلك السيدة عنه الطعام في الفندق. وبجزء أخر يُنفق منه على نفسه في رحلاته اليومية للبحث عن عمل.

التفكير الكثير يُصيبه بالصداع. بينما حاول أن ينحي التفكير في هذه الأشياء من رأسه، ويفكر في أي شىء أخر. بينما نظر في ساعته، لقد قاربت على العاشرة مساءً، في الأيام العادية يصل إلى الفندق حوالي منتصف الليل ليكون الكل نائم. لكن اليوم يشعر بالإرهاق الشديد، فعقد العزم على العودة إلى غرفته في الفندق وليكن ما يكون.


سيدة غريبة الأطوار

قصص مرعبة

ترك العملات المعدنية على الطاولة وذهب باتجاه الفندق، وهو يشعر بالجوع الشديد. بينما هو لا يملك الآن أية أموال يشتري بها طعام. فكر في تلك السيدة ماري صاحبة الفندق عندما تقابله في عبوس وتطلب منه الإيجار. لقد كانت كريمة معه حتى هذه اللحظة، وبرغم طبيتها وسذاجتها الواضحة إلا أنها مخيفة في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى يراها سيدة غريبة الأطوار.

توقف أمام الفندق ينظر إلى أضواء غرفتها التي مازالت مشتعلة حتى الآن. بيد أنها مازالت مستيقظة. بينما تحسس موضع أقدامه، ثم شرع يسير على أطراف أصابعه حتى لا تسمع قرع أقدامه. وما أن هم بالصعود إلى غرفته حتى تذكر الجوع. الوحش الكامن في معدته بدأ يصرخ. فعاد إلى المطبخ ليفتش عن طعام، لكنه لم يجد.

ذهب إلى خزانة الطعام. فتحها ونظر فيها ملياً، ففزع مما رأه. بعد أن رأى جثة شخص بداخل الخزانة. ولهذا لم يُحرك ساكناً. حيث وقف مشدوهاً لبرهة من الزمن. بينما شُل تفكيره، لا يعلم ماذا يفعل؟

اقرأ أيضاً: الخيانة بلا شك أكبر من الحب


ذلك المجنون يقتل الناس

بعد لحظات من الصدمة، أغلق الخزانة وهرول إلى السيدة وهو يصرخ. بينما هبطت الدرج ببطء. وتوقفت أمامه في دهشة وسألته عن سبب صراخه.

قال لها في فزع: أعتقد أنني تحدثت معكِ بشأن ذلك المجنون الذي تأويه في الفندق. لذا عليكِ بالاسراع في إرساله إلى المصحة العقلية.
قالت: لقد تحدثت معي بالفعل عن ذلك المسكين، ولسوف يتم إرساله إلى المصحة، لكن بعد موتي.

صرخ فيها: لا لا… يجب أن يذهب الآن وفوراً، أين هو الآن؟
أجابت: إنه في القبو. يحفر فيه حفرة عميقة. بينما يلهو كما تعلم أمور المجانين.

تفكر قليلاً، وشرد بذهنه بعيداً، وقد تخيل ذلك المجنون يقتل الناس ثم يقوم بدفنهم في قبو الفندق، دون أن يعرف أحد بشأنهم. بينما توقف قليلاً ثم قال لها: حسناً، أنا أسف بشدة، ولكن لدي أخبار صادمة لكِ.
بدا على السيدة الانتباه وتساءلت: ماذا حدث؟
قال في ثقة: لقد قتل هذا المجنون رجلاً.


جثة في الفندق

وفي تلك اللحظة التي توقع فيها أن تسقط مغشياً عليها، بينما خانه توقعه، فلم ير منها سوى ابتسامة بلهاء وقالت له: هذا هُراء.
صرخ فيها قائلاً: توجد جثة في هذه الخزانة، وأشار بيده ناحيتها.
قالت بهدوء: نعم يا عزيزي… أعلم ذلك.

انتفض، وقال متعجباً: تعلمي ذلك؟!
– بلى… ولكن ذلك المجنون ليس له علاقة بهذا الأمر. فلتنس ذلك فحسب، لتنس أنك رأيت هذه الجثة أبداً.
مازالت الدهشة تعلو ملامحه: أنسى؟!
قالت وقد بدا عليها الغضب: لم أكن أتخيل أنك ستختلس النظر.
– ما هذا الحديث؟! … لمَن هذه الجثة؟
– إنه السيد فرحان… هذا كل ما أعرفه عنه.
– هذا كل ما تعرفيه عنه؟!… ما الذي يفعله هنا؟ وماذا حدث له؟
– لقد مات.
– أعلم جيداً ذلك، فليس من المعقول أنه لم يدخل إلى الخزانة لمجرد أن يموت.

ابتسمت له وقالت: لا يا عزيزي، لقد مات أولاً.
– وكيف مات؟
– لا تكن فضولياً، لقد مات هذا السيد بعد أن شرب بعض القهوة التي بها سم.
– وكيف دخل السم في القهوة؟
– لقد وضعته في القهوة لأنه أقل لفتاً للانتباه. فلو أنني وضعته في الشاي سيكون له رائحة مميزة.
– أتعني أنكِ…..

ثم سكت قليلاً واستطرد: وضعتي سماً في القهوة؟!
– نعم، ثم طلبت من المجنون أن يحمل جثته إلى خزانة الطعام مؤقتاً، لأنني وقتها كنت بصدد استقبال ضيفاً.


ضيف جديد – جثة في الفندق

قاطع حديثهما طرقات على باب الفندق. بينما انتابه الاضطراب، وتوقف عن الحركة. تركته السيدة وسارت نحو الباب الفندق ليتسنى لها معرفة مَن الطارق. فتحت الباب فإذا بأحد أصدقائها العجائز ماثلاً أمام الباب يبتسم لها ويقول: سنتأخر على موعد السينما. لكن لن نرى هذه المرة تلك الأفلام المرعبة.
ردت عليه بابتسامة: نعم معك حق. فليس من المفترض أن يسمحوا لأنفسهم بعمل أفلام لإخافة الناس.

لم يستطع الاستمرار أكثر من ذلك بعد أن رأى هذه اللامبالاة الشديدة من هذه السيدة الغريبة. بينما تدخل في حوارهما صارخاً: أريد أن أعرف ماذا سنفعل؟  
ثم استدرك وقال لها هامساً: أرغب في الحديث معكِ على انفراد.

اقرأ أيضاً: أجراس الموت


المجنون يحفر في القبو

جثة في الفندق - قصة رعب قصيرة جداً

طلبت من صديقها الانتظار في قاعة الاستقبال. في حين ذهبت إلى المطبخ مع الساكن. بينما أغلق الباب ورائهما وصرخ في وجهها: هناك جثة في الخزانة، وأنتِ ذاهبة إلى السينما…
قالت ببرود: نعم… إنها جثة السيد فرحان.
– ألن تقومي بإبلاغ الشرطة؟!
– كف عن القلق… أخبرتك أن تنسى ذلك كله.
– لا يمكنكِ أن تتركيه هكذا بعد ذلك.
– لا أنوي ذلك يا عزيزي. فالمجنون يحفر قبراً في القبو.
– ستقومان بدفن الجثة في قبر داخل القبو؟!
– نعم هذا ما فعلته مع الآخرين.

توقف عن الكلام، بعد أن أفقدته الصدمة القدرة على الحديث. بينما بعد لحظات استجمع شجاعته وقال: آخرين؟ عندما قلتِ ” آخرين ” أتعنين آخرين؟
– نعم دعني أتذكر الرقم. هذا رقم عشرة. لا لا هذا رقم تسعة. لأنني أتذكر أنه عندما حضر السيد فرحان فقد بدا لي أنه سيتبقى واحد غيره ليُكمل العشرة، بيد أنهم يختلطون عليّ أحياناً.

قال في يأس: ليكن إذن… ومَن هو أول واحد؟
– إنه السيد حسن. لقد كان عجوزاً وحيداً. بينما كل أقاربه وأنسبائه قد ماتوا. لذا شعرت بالأسف تجاهه وعندما أتته الأزمة القلبية مات في مكانه، وكان يبدو عليه الهدوء والسكينة …

كان يستمع لها بإنصات شديد، وقد كف عن الحديث في حين أكملت حديثها: حينئذ عقدت العزم في التو واللحظة أنه يجب عليّ مساعدة الرجال الذين يشعرون بالوحدة ليجدوا نفس السكينة والسلام. ثم دفنته بطريقة لائقة، لذلك السبب أخبرتك ألا تشغل بالك بشأنه.

– ماذا عن الآخرين؟ فمن غير الطبيعي أنهم أتوا إلى هنا فقط ليموتوا!
– لا، بالطبع لا… وجدت في مختبر جدي برطمانات من السم. بينما كانت موجودة على الأرفف طوال تلك السنوات التي مضت على وفاته، وأنت تعلم أنني بارعة في مزج الأشياء. وضعت جالون من القهوة، وأضفت عليها معلقة من الزرنيخ ثم معلقة أخرى من السيانيد.

بينما قال في سخرية: لابد أنه فعال!
– في الحقيقة أحد الرجال كان لديه الوقت ليقول… ما ألذه؟
– لقد قتلتي أشخاص!
– قتلت…. بالطبع لا… إنه أحد أعمالي الخيرية، ما فعلته كان بدافع الرحمة.


صمت غريب

ثم تركته وانصرفت إلى الخارج لتذهب إلى السينما مع هذا العجوز البالي. بينما نظر إلى العجوز واستوقفه. ثم قال له: لا تذهب معها، لكنها حالت بينهما ومنعته من الاستماع له. ثم اصطحبته إلى الخارج. عاد إلى الخزانة حيث تكمن تلك الجثة. نظر فيها برعب. تأملها جيداً، وبدت تلوح بداخله مشاعر غريبة. أغلق الخزانة وركض إلى الخارج.

جلس هناك على مقعد على جانب الطريق يتفكر فيما سيفعله. إنه لن يستطيع العودة مجدداً إلى ذلك الفندق، وفي الوقت ذاته لا مأوى له إلا هنا فهو غريب عن البلدة، ولا يمتلك أية مسكن. تحدث مع نفسه كثيراً، وتساءل ماذا سيكون وضعه عندما يُخبر الشرطة بهذه الجثة الموجودة في الخزانة. سيتم القبض على هذه السيدة وسيغلقون الفندق، ويعود مشرداً في الشوارع من جديد. ما العمل، إنه في حيرة بالغة من أمره.

في مساء تلك الليلة أنهكه التفكير في هذه المشكلة التي لم تخطرعلى باله مطلقاً. لذلك قرر العودة إلى غرفته في الفندق، صعد إلى هناك ودقات قلبه تتسارع كلما فكر في تلك الجثة. صعد الدرج الذي يفضي على غرفته. ضغط على مفتاح الإنارة، وجلس على مقعده.

كان الهدوء يعم المكان. صمت غريب، لم يقطعه سوى نقيق الضفادع. حاول النوم، لكنه ما إن وضع رأسه على الوسادة حتى انقطعت الكهرباء، وعم الظلام الدامس المكان. بينما شرع يبحث عن شمعة للإضاءة. وما إن وجدها حتى بدا له على ضوء الشمعة وجه انتفض فزعاً حينما رأه. إنه الوجه الذي رأه على تلك الجثة في الخزانة. سقطت الشمعة من بين يديه، ولم يستطع حراكاً.


الهروب

 حاول أن يستجمع شتات نفسه. بعد ذلك أمسك بالشمعة مجدداً. في حين كانت أصوات مرعبة تخترق أذنيه. بينما تجمد جسده من الرعب، وحاول أن يخرج من غرفته. بينما طفق يفتح باب الغرفة، لكنه شعر أن هنالك قوة تجذبه في الاتجاه الآخر. بعد ذلك عادت ضربات قلبه لتتسارع مجدداً، حتى أنه شعر أن قلبه يكاد يخرج من بين أضلاعه. حاول مجدداً في محاولة يائسة مستميتة أن يفتح باب الغرفة حتى فتح الباب، لكنه سقط على الأرض جراء قوة سحبه للباب.

نهض مسرعاً إلى الخارج بعد ذلك. وقبل أن يخطو إلى الشارع عاد لينظر في الخزانة، حينما فعل لم يجد للجثة أثر. أدرك على الفور أنها استيقظت من موتها، وجاءت إليه لتنتقم من كل مَن في الفندق. بينما ركض إلى الخارج لا يعلم إلى أين يذهب؟ حتى قادته قدماه إلى محطة القطار، ورحل عن هذه البلدة الملعونة وقد عقد العزم على عدم العودة مجدداً.


مرت ثلاثة أيام بعد ذلك. بينما اجتمعت السيدة صاحبة الفندق مع السيد فرحان في ساحة الفندق وهما يضحكان بشدة على ما فعلاه مع هذا المستأجر الذي لم يدفع إيجار الغرفة لسنة كاملة ويأبى أن يرحل.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك