هل الثقوب السوداء سوداء حقاً؟ وهل المادة المظلمة مظلمة حقاً؟

You are currently viewing هل الثقوب السوداء سوداء حقاً؟ وهل المادة المظلمة مظلمة حقاً؟
هل الثقوب السوداء مصنوعة من المادة المظلمة؟

عندما يتعلق الأمر بالكون فليس هناك أمراً أشد روعة من الحديث عن الثقوب السوداء. تلك الوحوش الجائعة التي تلتهم كل ما يمر في طريقها في الفضاء الخارجي. فالثقوب السوداء هي مناطق من الفضاء الكوني ذات جاذبية عالية جداً حيث يتم حشد الكثير من الكتلة في حجم صغير بحيث لا يمكن لأي شيء – ولا حتى أسرع أشكال الطاقة على الإطلاق، مثل الضوء – الهروب منها. ونظراً لأنها تمتص أي شيء حتى الضوء فهي منطقة مظلمة للغاية، ولا يمكن لأي شيء في الداخل الخروج منها، كما لا يمكننا أبداً فحص هيكلها الداخلي لمعرفة مما هي مصنوعة. إذن، هل يمكن أن تكون مصنوعة من مادة مظلمة؟ دعونا لا نكتشف الإجابة فحسب، بل دعنا نقسمها بطريقة يمكن للجميع فهم الإجابة والاستمتاع بها.

ما الذي يعنيه أن يكون الشيء أسود؟

إن تعريف الشيء الأسود حرفياً هو عدم وجود لون من أي نوع. بمعنى أن أي ضوء يسطع عليه، أو أي طاقة، أو أي طول موجي، أو أي شدة سيتم امتصاصه دائماً ولن ينعكس أبداً. حيث ستمتص المادة ذات اللون الأسود أي شيء يصادفها. لكن حتى وإن كان شيئاً ما أسود فهو لا يزال تشع منه الطاقة. على سبيل المثال إذا أخذت قدراً حديدياً ووضعته على موقد مشتعل فسوف يسخن ؛ إنك بكل تأكيد لن تكون قادراً على رؤية سخونة القدر لكنك بكل تأكيد ستكون قادراً على الشعور به. ففوق درجة حرارة معينة – حوالي 525 درجة مئوية (977 درجة فهرنهايت) – ستبدأ الأشياء الساخنة، حتى لو كانت سوداء بالكامل، في التوهج باللون الأحمر وإصدار الضوء.

تمتص الأشياء السوداء جميع أشكال الضوء والطاقة، ولا تصدر إلا بعض الضوء أو الطاقة حسب درجة حرارتها. أما بالنسبة للأشياء المظلمة فهي تمتص الضوء والطاقة، لكنها لن تصدر أي شيء يمكن اكتشافه على الإطلاق. هذا ما يجعل الشيء مظلماً: فهو يحجب جميع أشكال الضوء، لكنه لا يعط أياً من خصائصه.

إذن، إذا كان هذا هو ما هو “أسود” وما هو “مظلم”، فما هي الثقوب الأسود وما هي المادة المظلمة؟ وهل الثقوب السوداء سوداء حقاً، وهل المادة المظلمة مظلمة حقاً؟


ما هي الثقوب السوداء؟

الفضاء الكوني
صورة تخيلية للثقب الأسود

لنبدأ بالثقوب السوداء. الثقوب السوداء هي مناطق في الفضاء الكوني بها قدر كبير من المادة والطاقة حجم صغير جداً لدرجة أنها تخلق ما يُعرف بأفق الحدث. وأفق الحدث هو حد؛ بمعنى أن أي شيء خارجه لا يزال بإمكانه الهروب إذا تحرك بسرعة كافية، ولكن أي شيء يعبر أفق الحدث سيتم سحبه إلى التفرد المركزي بغض النظر عما يفعله أو مدى سرعة تحركه. من داخل أفق الحدث للثقب الأسود، حتى الضوء – الذي يتحرك بأسرع سرعة في الكون – لا يمكنه الهروب.

يشكل هذا لغزاً مثيراً للاهتمام: هل الثقوب السوداء سوداء بالفعل؟ الجواب نعم: الثقوب السوداء شديدة السواد، وربما تكون أكثر الأشياء سواداً في الكون بأسره. نعم، يمكن أن يكون هناك مادة تنبعث منها الضوء خارج الثقوب السوداء، لكن هذا لا يأت من الثقب الأسود نفسه. الشيء الوحيد الذي يمنع الثقوب السوداء من أن تكون سوداء تماماً هي قوانين فيزياء الكم التي تصف كيف يتصرف الكون على أصغر مقاييس الطول على الإطلاق. حتى في الفضاء الفارغ نفسه، وبغض النظر عن وجوده، لا تزال قواعد فيزياء الكم سارية.

بالقرب من أفق حدث الثقب الأسود، يكون الفضاء الكوني منحنياً بشدة؛ أما بعيداً عن أفق الحدث للثقب الأسود، يكون الفضاء الكوني منحنياً بدرجة أقل حدة، ويبدو تقريباً وكأنه مسطح تماماً. بينما يؤدي الاختلاف بين الخصائص الكمومية للفضاء المنحني وغير المنحني إلى انبعاث كمية ضئيلة من الإشعاع على شكل ضوء منخفض الطاقة (إشعاع هوكينغ). هذا هو الشكل الوحيد للضوء الذي يأتي من الثقب الأسود، وهو أبعد من قدرتنا على الكشف. وبقدر ما يمكننا ملاحظتها، فإن الثقوب السوداء سوداء تماماً وأيضاً مظلمة تماماً.

اقرأ أيضاً: هل حدث الطوفان العظيم بالفعل أم كان مجرد أسطورة؟


المادة المظلمة مقابل المادة العادية

المادة المظلمة
المادة المظلمة أم المادة غير المرئية

هنا تصبح الأمور مربكة بعض الشيء. فعندما نفكر في مادة على أنها عادية أو طبيعية، فإننا نفكر في أشياء مثل المواد الموجودة في نظامنا الشمسي كالنباتات والحيوانات والمحيطات والقارات والكواكب والأقمار والشمس. أما إذا نظرنا فقط بأعيننا – أو باستخدام التلسكوبات التي يمكنها رؤية نفس نوع الضوء الذي تراه أعيننا – فإن كل شيء موجود في الفضاء الكوني تقريباً سيكون مظلماً. لكن هناك أيضاً في الكون أشياء غير مظلمة. هذه الأشياء تتمثل فيما يلي:

  • النجوم.
  • سحب الغاز الباعثة للضوء.
  • النجوم المتفجرة أو المحتضرة.
  • بقايا تلك النجوم المحتضرة (مثل الأقزام البيضاء والنجوم النيوترونية).
  • النجوم الفاشلة التي لا تزال تتوهج (مثل الأقزام البنية).
  • الأجسام المظلمة، مثل الكواكب، التي كانت قريبة بدرجة كافية من مصادر الضوء بحيث يمكنها امتصاص وتعكس بعض ذلك الضوء.

إذن فالمادة العادية التي لا تشع الضوء ستكون المادة “المظلمة” الحقيقية، لأن هذا هو ما يمتص الضوء ولا ينبعث منه. فإذا كان لديك سحابة من الغاز المحايد في الفضاء بين النجوم أو بين المجرات فهذا مثال رائع للمادة المظلمة. حيث يتم امتصاص الضوء المرئي الذي يمر عبرها مع عدم إصدار أي ضوء مرئي خاص بها. لكن هذه مجرد مادة عادية لا ينبعث منها ضوء؛ وهذا في الواقع ليست المادة المظلمة.

اقرأ أيضاً: هل يدل صغر حجم الدماغ البشري على اقتراب انتقال السلطة؟


المادة المظلمة والمادة غير المرئية

المادة المظلمة
المادة المظلمة في الكون

إن ما نطلق عليه “المادة المظلمة” هو نوع جديد تماماً من المادة، وهو للأسف اسم غير دقيق. فالمادة المظلمة ليست في الحقيقة “مظلمة” كما نفهمها، لأنها لا تمتص الضوء أو تمنع الضوء من المرور عبرها. لذا ما كان يجب أن نطلق عليها مادة مظلمة. أما إذا أردنا الدقة يمكن أن نطلق عليها اسم “المادة غير المرئية”، لأن الضوء ببساطة يمر من خلالها كما لو لم يكن موجوداً على الإطلاق. هذا يتجاوز الضوء: المادة العادية تمر عبرها، وحتى الجسيمات الأخرى للمادة المظلمة تمر عبر المادة المظلمة أيضاً. إنه حقًا غير مرئي لكل تفاعل نعرفه.

السبب الوحيد الذي نعرفه عن هذه المادة غير المرئية أو المادة المظلمة هو أنها تتصرف كما لو كانت لها كتلة، وكل الكتل في الكون تنحني وتشوه نسيج الفضاء. فعندما ننظر إلى الضوء من الأشياء البعيدة، يجب أن يمر هذا الضوء عبر تلك المساحة المنحنية والمشوهة، مما يعني أن الأشياء البعيدة التي نراها ستبدو مشوهة لنا.

نحن لا نر نجوماً ومجرات بعيدة كما هي تماماً، بل نرى النجوم والمجرات كما تظهر بعد مرورها عبر ما يعادل مرآة بيت المرح في مدينة الملاهي. حيث يتم تشويه الصور بسبب ما يحدث بين المكان الذي يترك فيه الضوء كائن ويصل إلى أعيننا (أو التلسكوبات). بينما هناك نوعان من التشوهات التي تحدث: عدسة الجاذبية القوية وعدسة الجاذبية الضعيفة، وكلاهما يكشف عن وجود المادة المظلمة وضرورتها.

اقرأ أيضاً: ما هي فيزياء الكم؟


كيف يتكون الثقب الأسود

الثقوب السوداء
مراحل تكون الثقوب السوداء

حان الوقت الآن لتجميع هذه المعلومات معاً وطرح السؤال الكبير: كيف نصنع ثقباً أسود؟ الجواب بكل بساطة هو الحصول كتلة كافية (أو مادة من أي شكل) ووضعها في منطقة واحدة من الفضاء الكوني، والسماح للجاذبية بتدميرها. وبمجرد أن تتجاوز عتبة حرجة معينة يمكنها تكوين ثقباً أسود. إذن ما هي الطرق المتعددة التي يقوم بها كوننا بتكوين ثقوب سوداء من مادية عادية؟ تتمثل هذه الطرق فيما يلي:

  • النجم الكبير والهائل سيكتسب كتلة كافية في نواته بحيث يتعرض لانهيار، مما يؤدي إلى ثقب أسود.
  • تصادم نجمان نيوترونيان، مما يخلق أفق حدث ويؤدي إلى ثقب أسود.
  • مجموعة كثيفة من المادة، إما على شكل غاز أو نجم، يمكن أن تنهار مباشرة، مما يؤدي إلى وجود ثقوب سوداء.
  • هناك آليات أخرى ممكنة من الناحية النظرية أيضاً – مثل التراكم على بقايا نجمية – يمكن أن تخلق ثقوباً سوداء، ولكن ببساطة لم يتم ملاحظتها.

لكن المادة المظلمة تواجه مشكلة كبيرة إذا أردنا أن تشكل ثقوبًا سوداء. يمكن للمادة العادية أن تشكل هذه المجموعات الكثيفة من الأشياء لسبب واحد: يمكن أن تصطدم بجزيئات أخرى من المادة العادية، ويمكن أن تؤدي هذه الاصطدامات إلى تبديد الطاقة.

هذه الطاقة يتم تبديدها، وتنشأ لأن المادة العادية لها تفاعلات فيزيائية حقيقية – مثل الاصطدامات – مع أشكال أخرى من المادة العادية. لكن المادة المظلمة لا تفعل ذلك. بقدر ما يمكننا أن نقول، فهي لا تصطدم بالمادة العادية أو المادة المظلمة، وبالتالي لا يمكنها تبديد طاقتها، وبالتالي لا يمكن أن تنهار. بينما المادة المظلمة، كما هي موجودة في الكون، دائمًا ما تكون منتشرة وليست كثيفة أبداً، وبالتالي فإن المادة العادية فقط هي التي يمكنها تكوين الثقوب السوداء، وليس المادة المظلمة على الإطلاق.

بمجرد أن يكون لديك ثقب أسود، فإن كل ما يعبر إلى الداخل من أفق الحدث من الخارج – بما في ذلك المادة المظلمة – سيضيف إلى كتلته. ولكن لتكوين ثقب أسود في البداية، فإنك تحتاج إلى مادة عادية للقيام بذلك. فقط المادة العادية القادرة على التفاعل وفقدان الطاقة والانهيار إلى حجم صغير جداً يمكنها الحصول على كتلة كافية في مساحة صغيرة بما يكفي لتؤدي إلى تكوين ثقب أسود.

اقرأ أيضاً: السفر عبر الزمن من الأساطير القديمة إلى العلم الحديث


احتمالات تكون الثقوب السوداء

هناك احتمالين يفرضهما العلماء حول المكان الذي يمكن أن تؤدي فيه المادة المظلمة إلى ثقب أسود. أولهما ربما يكون الكون قد نشأ بمناطق غنية جداً بالمادة المظلمة، هذه المناطق انهارت بشكل مباشر إلى ثقوب سوداء. لكن يجب أن تكون تلك المناطق الغنية أغنى بآلاف المرات مما لاحظناه.

ثانيهما ربما تكون للمادة المظلمة تفاعلات ذاتية بعد كل ما يمكنها من تبديد الطاقة، ولكن هناك قيود صارمة للغاية، ومن المحتمل أن نضطر إلى انتهاكها لجعل ذلك ممكناً. هذان الاحتمالان مجرد تخمينات من العلماء ولم يتم إثبات أياً منهما حتى الآن.


في النهاية فإن الإجابة على السؤال هي لا لم تصنع الثقوب السوداء من المادة المظلمة. ربما يكون مجرد طرح الأسئلة الصحيحة يمكن أن يقودنا إلى إجابات ورؤى لم نكن لنحصل عليها لولا طرح الأسئلة. وربما يقودنا العلم في المستقبل إلى معرفة الكثير عن أسرار هذا الكون الشاسع.

المراجع

1. Author: Ashley Strickland, (3/15/2021), Supermassive black hole spotted wandering through space, www.edition.cnn.com, Retrieved: 3/7/2021.

2. Author: The Editors Of Nasa, (7/4/2014), What Is a Black Hole?, www.nasa.gov, Retrieved: 3/7/2021.

3. Author: Nola Taylor Redd, (7/19/2019), What Is Dark Matter?, www.space.com, Retrieved: 3/7/2021.

4. Author: Lisa Randall, (5/9/2018), What Is Dark Matter, www.nature.com, Retrieved: 3/7/2021.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك