قربان بشري: الجزء الثاني – المهمة المقدسة

You are currently viewing قربان بشري: الجزء الثاني – المهمة المقدسة

قصة قصيرة: قربان بشري: الجزء الثاني –  المهمة المقدسة

يمكنك قراءة الجزء الأول من هنا: قربان بشري: الجزء الأول –  المشرحة

الموت

على الجانب الآخر كان الرجل الوقور المتزن عقلاً وشكلاً، والذي يغزو بفكره أفكار الآخرين يجلس ملتفاً بهدوء مقلق وغريب عنه، وبالكاد كان يفتح فمه لينفث دخان سيجارته في الهواء. صمته غير عادي، ونظراته سابحة في المدى البعيد. غير آبه بمَن حوله.

نهض البروفسور من مقعده بعد انتهاء دوامه في الجامعة عائداً إلى منزله الفخم على أطراف المدينة. كان يُفضل أن يسير إلى المنزل سيراً على الأقدام ليتنشق الهواء المنعش الذي يفوح به المطر. كانت الشوارع خالية من المارة، وأصوات الرعد تصم الآذان. شعر حينها أنه يطفو على توافه الأمور المادية ويتحد مع الطبيعة الغراء المتوحشة. وفي تلك اللحظة كادت أن تصطدمه سيارة مسرعة، لكنها انحرفت عن الطريق في الوقت المناسب. نظر في هدوء إلى هذه السيارة حينما ترجل منها صاحبها ليسأله: هل أنت بخير؟ 

لم يُجبه ونهض من مكانه واستكمل طريقه إلى المنزل. دلف إلى الداخل وبدل ثيابه المبتلة ثم جلس يتناول طعامه، وبعد أن انتهى انتقل إلى مكتبه. أخرج مذكراته وشرع يكتب فيها طوفان من الأفكار التي أغرقته في بحر لُجي. كل أفكاره تحوم حول شيء واحد ألا وهو الموت. كتب يقول:

” لماذا  أخاف من الموت؟  كنت على وشك الموت في هذه الليلة، لكنني نجوت، لكن لماذا؟ وهل الموت يحوم حولي حتى يجعلني أخشاه؟”

أغلق مذكراته وارتدى ثياب النوم وغاط في نوم عميق، وبعد لحظات قليلة استيقظ مذعوراً على إثر كابوس لعين. رأى فيه نفسه وهو يسقط من مكان شاهق الارتفاع..


مرض خبيث

كان البروفسور عائداً كعادته من الجامعة حينما أصابه دوار فغشي عليه، وتم نقله إلى أحد المستشفيات الخاصة بالجامعة. كان يبدو عليه الشحوب. المرض قد تمكن منه. أخبره طبيبه المُعالج أن عليه أن يستريح من عناء الإجهاد الذهني. لأن ذلك يؤثر على مرضه الخبيث، وأنه إذا كان يرغب في الحياة لفترة أطول فإن عليه الاعتناء جيداً بما تبقى من صحته.

عاد إلى منزله. جلس أمام التلفاز يستعرض قنواته في تتابع يبحث عن شغفه، لعله يجد فيلماً من أفلام الرعب التي يهواها، وصدف أن وجد واحداً. طفق يشاهده في نشوة، وحينما انتهى ذهب إلى مكتبه ليُسجل.

” لماذا اشعر بتلك اللذة والمتعة عندما أشاهد هذه الأفلام المرعبة التي تمتلئ بالقتل والدماء؟ هل يمكن أن اكون أنا الذي يحوم حول الموت، وليس العكس. لا أدر؟! وعلى كثرة تفكيري في ذلك الأمر لم أتوصل إلى شيء بعد.”

قطع حبل أفكاره مواء قطه الذي يعيش معه في المنزل. انتابه الغضب الشديد ونهض من مقعده. أمسك بذلك القط ثم خنقه، وألقى به من نافذة الغرفة إلى العراء. ثم عاد ليستلقى على فراشه وهو يشعر بنشوة غريبة..


نشوة غريبة

 

قربان بشري - الجزء الثاني - قصة قصيرة

 

في مساء اليوم التالي جلس البروفسور أمام شاشة الحاسب الألى، وشرع يلعب أحد ألعاب الفيديو الشهيرة. كانت لُعبته تدور حول تنفيذ اللاعب لمهمة محددة، وهي الوصول إلى مكان معين دون التعرض للقتل، ولم تكن تشترط القتل كمهمة. لكنها تتيح الفرصة لقتل أياً كان من الناس الموجودين في اللعبة. لم يكن هدف البروفسور تنفيذ المهمة بل تخلى عنها، وشرع يقتل كل برئ بدا له مستفزاً بحضوره في هذه اللعبة. كان يفعل ذلك وضحكة ماجنة ترتسم على وجهه وبدا أنها تصدر من أعماق أصالته الإنسانية.

انتهى من اللعب وذهب إلى مذكراته ليُسجل هذا:

 ” لماذا كل هذه النشوة واللذة التي نشعر بها حينما ننخرط في مثل هذه الألعاب. لماذا ينتابنا الغل ونريد أن نقتل بقسوة كل مَن يقابلنا؟ ولماذا وهذا هو الأهم نبحث عن أعذار لما نفعله، هل نشعر بأن ما يحدث على الشاشة ليس سوى أشياء إلكترونية دون أرواح؟ هذا بالنسبة للألعاب الإلكترونية. لكن ماذا عن الواقع، ألم يخطر في ذهننا من قبل فعل أشياء قاسية كدفع أحد ما من ارتفاع شاهق. ولماذا لا نفعل ذلك؟ هل نخشى القانون، والعاقبة؟ فإذا لم تكن هناك عواقب فهل نفعل ذلك بسرور؟ هل القتل يمكن أن يكون داخل إطار الفطرة والغريزة الإنسانية ولماذا لا نفعل ذلك؟ هل نخشى القانون، والعاقبة؟ فإذا لم تكن هناك عواقب فهل نفعل ذلك بسرور؟ هل القتل يمكن أن يكون داخل إطار الفطرة والغريزة الإنسانية؟ لعل تجربتي القادمة ستوضح ما أقوله “.
أغلق المذكرات وذهب إلى فراشه لينال قسطا من الراحة.


المهمة المقدسة

لم تستطع الشرطة حل لغزاً واحداً من ألغاز هذه الجثث المتوالية عليها، والتي دوماً ما تكون مدفونة وبداخلها تلك القماشة المدون عليه عبارة ” المهمة المقدسة “. عانت أشد المعاناة حتى أصبحت تلك الجرائم حديث المدينة بأكملها، حتى أتى اليوم الذي انتظره الجميع طويلاً. يوم حل هذا اللغز، حينما تغيّب البروفسور عن الجامعة لأيام طويلة. انتاب جميع العاملين معه القلق وذهبوا للاطمئنان عليه في منزله. طرقوا الباب طويلاً لكن لا مجيب. حاولوا اقتحام المنزل، وبالفعل دلفوا إلى الداخل، فكان البروفسور مُلقى على الأرض وقد فارق الحياة.

أبلغوا الشرطة بالحضور، وحضرت الشرطة وحملوا الجثة إلى المشرحة ليتم تشريحها لمعرفة سبب الوفاة، وبعد أن قام الطبيب بتشريح الجثة وجد بداخل المعدة بعض الأوراق الصغيرة المُلتفة بداخل كيس. تفحصها جيداً تحت المجهر فوجد فيها:

” إنها إحدى التجارب الغامضة التي ما إن شرعت في خوضها حتى أحسست بتلك العظمة. لقد شعرت بنفسي وهي تطفو عالية على كل توافه الأمور. إنه شعور مبهج وغامض من العظمة. لقد كانت مهمتي المقدسة بمثابة نافذة أنظر من خلالها على ذلك العالم البشري البائس.”

كان القتل هدفاً سامياً في طريقي للبحث عن الوجود المقدس لهذا اللعين الذي يسمى الإنسان. قضيتي كانت قضية الوجود. قضية فهم الموت. البحث عن أسباب ضعف الإنسان أمام الموت، وكان لابد لي من مواجهته، عبر العيش من خلاله، وكان على المُبشر أن يُضحي بنفسه في سبيل هدفه المقدس.”


كشف لغز المهمة المقدسة

عادت الشرطة إلى منزل البروفسور بعد اكتشاف كل تلك الأدلة التي وضعها في معدته، وبحثت في مذكراته حتى أتت على أخر ما كتبه قبل أن يموت فوجدت فيها

” في هذه الليلة اتخذت قراراً باستكمال مهمتي المقدسة. أحضرت إحدى بنات الهوى إلى المنزل. كانت جميلة الملامح والقسمات. جسدها الغض زادها حسناً، كنت سخياً معها. منحتها الكثير من المال، فكانت على استعداد لفعل أي شيء.

لم أمارس معها الجنس مطلقاً، وكنت أنظر إلى تلك الفتاة العارية أمامي على الفراش وكل ما أفكر به كيف أنها ستصبح جثة هامدة بعد دقائق قليلة. أحكمت قبضتي على رقبتها ثم صفعتها بقوة كثيراً حتى هوت على الفراش على إثر الصفعات.
حاولت الصراخ. لكمتها في وجهها بشدة، حتى غابت عن الوعي لفترة. في هذه الفترة فعلت ما فعلته بها، وبعد أن أنهيت مهمتي المقدسة نظفتها ووضعتها في كيس أسود. ثم حملتها على كتفي وهبطت إلى قبو المنزل. وضعتها في حقيبة السيارة ثم اتجهت إلى الغابة. حفرت لها قبر يليق بها ثم دفنتها هناك. كنت أفعل ذلك بقلب مطمئن مستشعراً عناية سامية من السماء، وأنا مُدرك مدى الغاية التي من أجلها مضيت في مهمتي المقدسة…….

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك