الموتى الأحياء – قصة قصيرة

آلات وليسوا بشراً

كان عائداً إلى منزله الوضيع في تلك الليلة. يمشى مترنحاً في الطرقات، مبلبل الفكر، مشتت العقل. فالدوار لم يفارقه طيلة ثلاثة أيام. قال مُحدثاً نفسه: إلى متى سأظل هكذا؟ رجل مثلي على مشارف الأربعين عاماً، ومازلت أتجرع مرارة البطالة والتسكع في الطرقات لاعناً حظي التعيس. إلى متى هذا الشقاء؟

صعد أدراج منزله المتآكل بلا ضجيج ليحتضن وسادته ويغط في سبات عميق. لحظات قليلة وأفاق من نومه مذعوراً. فلقد رأى في منامه أنه يهوى من مكان سحيق. شرب بعض الماء وحاول العودة مجدداً إلى نومه.

في صباح اليوم التالي ارتدى ملابسه وخرج من منزله سريعاً ليجد نفسه في الشارع بكل متناقضاته وآلامه وأوجاعه. ليعيش نفس الأحداث والرتابة اليومية. يبحث عن عمل يقتات منه. يرى الناس في غدوها ورواحها، يذهبون إلى أعمالهم، وكأن على رؤسهم الطير. لا يشعرون بشىء وكأنهم أمسوا مجرد تروساً بداخل آلات وليسوا بشراً.

جلس على الرصيف وسط السوق يراقبهم. نعم لا شىء هناك في الحياة سوى الكفاح. نكافح ونموت في حياتنا العديد من المرات قبل أن نغفو في موتتنا النهائية، وفي النهاية ليس هنالك شىء سوى مكان منزوي في العالم البغيض نستلقى فيه تحت الثرى حيث ننسى المعاناة والوقوف في الطوابير والسعي وراء المال.

كان الجو بارداً، وهو مازال يتفرس في وجوه الناس. الكل مشغول في أحاديث عن أحوالهم البائسة، والأغلبية العظمى منهم لا حديث بينهم سوى عن المال، تساءل في سخرية عن عبثية حياة الإنسان. الجميع يهدر حياته على أشياء تافهة. سعى وراء اللاشىء. كلما أجال بنظره إلى الناس يزداد شعوره بالكراهية، لكنه يعود ليتفكر أنه واحد من هؤلاء الناس الذين يكن لهم هذه الكراهية، فبغض نفسه كذلك. نعم لقد شمله الكره ومنذ متى وهو يحب نفسه. إنه يمقتها بشدة، يمقت ضعفها وازدواجيتها. أشاح ببصره بعيداً عن الناس ثم أغمض عينيه عن هذه الحياة الفارغة من المعنى، وحمد الله على أنه يعيش وحيداً على لقيمات صغيرة من الخبز يسد بها رمقه.

اقرأ أيضاً: في حضرة الموت


مجرد زومبي

الموتى الأحياء
صورة رمزية للزومبي

بعد أن انتهى اليوم وحصل على قوته من العمل مع أحد عمال الحفر، حاول العودة إلى منزله لكنه تراجع فجأة، وقرر أن يتمشى قليلاً قبل العودة. بدأ الظلام ينشر أجنحته في المكان، وشعر بالمطر ينهمر على رأسه، وبدأت الرياح تعصف بكل شيء. في تلك اللحظة إرتطم رأسه في عمود إنارة مكسور المصباح حينما كان يحاول الإختباء من المطر. شعر بثقل في رأسه. خارت قواه. سقط على الأرض ثم حاول النهوض. نظر إلى المكان حوله. لم يكن يرى بوضوح. ضابية الرؤية جعلته يرى عالم غير العالم الذي كان يحيا فيه منذ قليل. لم يعد العالم كما هو فلا ير منه سوى تراب وضباب وكائنات من الموتى الأحياء تمر بجواره.

كان المشهد مخيفاً كالكوابيس التي يراها في منامه، وكان الناس الذين يراهم يُشبهون هؤلاء الزومبي الذي يشاهده في أفلام السينما. بصعوبة شديدة عاد إلى منزله يتملكه الفزع مما حدث له. نظر في المرآة ليرى نفس الضباب والتراب الذي يكسي كل شىء، لكنه رأى نفسه كما هي في الحقيقة، ولم يكن كأحد هؤلاء الزومبي. تفحص الجرح الناتج عن الارتطام، وقام بتضمده، وعاد لينظر في المرآة مرة أخرى. كان يعتقد في قرارة نفسه أن رؤيته لتلك الأشياء لربما ناتجة عن إصابته. خلد إلى نومه وهو على يقين أن مثل هذه الأشياء ستنتهي في الصباح.

ظل طوال اليوم في بيته لم يبرحه، حتى حل المساء فخرج إلى الشارع. جلس على الرصيف. فتح عينيه ونظر إلى السماء. كان مشهد القمر قبيحاً ليس به سوى الرمال والظلام يُحيط به.

اقرأ أيضاً: رتابة الحياة .. تكرارات لا تنتهي


مَن فينا الميت؟

بحث عن طبيب ليجد له حلاً لمشكلة عينيه. سار كالمجنون بين الطرقات. يبتعد عن المارة الذين يراهم مجرد زومبي يتهادى يميناً ويساراً لعله يجد فريسته. تساءل أين الثياب الفاخرة، والوجوه البشرية؟ لا شىء هنالك سوى قطعان من الوجوه القبيحة المُغطاه بالتراب.

أخبره الطبيب أن عينيه طبيعية، ولا شىء بها مطلقاً. عاد من حيث أتى، وفي الطريق ومن كثرة تفكيره فيما يحدث له، قرر أن يزور المقابر على أطراف البلدة، وبالفعل انطلق إلى هناك. تجول بين شواهدها، وما أن نظر إلى الأرض حتى كانت المفاجاة إنه يرى الموتى من تحت التراب بملابس زاهية وأشكال حقيقية مثلما كانوا في حياتهم. كانوا يبتسمون له، وروائحهم العطرة تمتزج برائحة التراب. تفحص الأضرحة قبراً قبراً، وانتعشت روحه بما يراه. قضى وقتاً طويلاً بينهم يُحدثهم عما جرى لعينيه، وهم يستمعون بكل هدوء. تساءل متعجباً: مَن فينا الميت، باطن مَن في الأرض أم ظاهرها؟!

اقرأ أيضاً: الحكاية الغامضة للرجل من توريد: هل استطاع السفر عبر الزمن؟


بين الموتى الأحياء

ومنذ ذلك اليوم ولمدة أشهر كان يقضي وقته بين الأموات كل يوم في ساعة متأخرة من الليل. يأتي إلى القبور ويجلس بالساعات يتحدث مع الموتى، حتى آتت تلك الليلة التي غيرت حياته إلى الأبد. في هذه الليلة مرت ساعات على وجوده وسط الموتى، حتى ترك القبور، وفي أثناء العودة لمح على البعد من بوابة القبور شخصاً يحاول الحفر في التراب. راقبه عن كثب بحذر حتى لا يلمحه. وجده يضع حقيبة جلدية في باطن الأرض ويُهيل عليها التراب سريعاً ثم غادر.

بعد لحظات قليلة رأى بعض الرجال ذوات البذلات السوداء، والأجساد الضخمة يركضون ورائه. ما أن رأهم حتى أطلق لساقيه العنان، وبدوره انطلق ورائهم بحرص كي يُشاهد ما يحدث. يراقب في صمت حتى لا يلحظه أحد. رأهم وقد أمسكوا بذلك الرجل، وتطرق إلى سمعه حديثهم.

كان الحديث بشأن أموال، ومخدرات. ظن أنهم عصابة ما، وأن هذا الرجل قد خدعهم. ظلوا كثيرا يسألونه عن مكان الأموال التي سرقها منهم، لكنه أبى أن يعترف، وفي لحظة غائبة عن الزمن أطلق أحدهم رصاصة من بندقيته على رأسه فخر صريعاً.

أصابه الذهول من هول المشهد، وتحجرت مقلتيه. ظل في مكانه لا يُحرك ساكناً وهو يشاهد الرجال وهم يحملون القتيل في سيارة، ومن ثم انطلقوا به بعيداً، وفي هذه اللحظة فكر في الحقيبة التي دفنها القتيل منذ قليل في التراب. ذهب إلى هناك وحفر حتى أخرجها، وكانت الصدمة الكبرى كمية كبيرة من الأموال لا تُعد ولا تُحصى. توقف الزمن واستحالت الثواني ساعات، وصار يسمع صوته الداخلي يكبر ويتعاظم. ابتسم ثم ضحك بهستيريا وهو يحمل حقيبة الأموال وعاد بها إلى منزله.


في اليوم التالي قرر الرحيل عن البلدة. تركها وإبتاع بيتاً فخماً، واشترى الكثير من الثياب الفخمة، وأنشأ مشروعه الخاص، وأصبح أخيراً من علية القوم. أما الغريب في الأمر أنه حينما أصبح غنياً قد برئت عيناه، ولم يعد يشاهد الزومبي أو التراب الذي كان يكسو عينه…..

وائل الشيمي

إنسان ينتمي لكوكب الأرض
0 0 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments