الفيتامينات بين الضرورة العلمية والخرافة الاستهلاكية
تملأ رفوف المتاجر أطعمة ومكملات يزعم مصنعوها أنها “مدعمة بالفيتامينات”، وكأن الفيتامينات أصبحت مرادفًا للصحة والقوة والوقاية. لكن خلف هذه الصورة اللامعة، يختبئ سؤال جوهري: هل نحتاج فعلًا إلى كل هذه الجرعات؟ وهل الإفراط فيها بريء من الضرر؟ وما مجى صدق تلك الادعاءات. يأخذك هذا المقال في جولة علمية وتاريخية لكشف الحقائق وراء الفيتامينات: من اكتشافها كعلاج منقذ، إلى تسويقها كمنتج استهلاكي مثير للجدل.
ولادة مفهوم الفيتامينات
أجرى الطبيب البحري الإسكتلندي جيمس ليند في عام 1749 أول تجربة مضبوطة قارنت نتائج متغير ما على مجموعتين من الناس. أضاف برتقالتين وليمونة واحدة إلى النظام الغذائي لجزء من طاقم سفينة في عرض البحر، بينما تناول باقي الطاقم نفس النظام الغذائي من دون الحمضيات. أظهرت النتائج أن الفواكه الحمضية تمنع الإصابة بداء الإسقربوط، وهو المرض المخيف الذي كان يصيب البحارة.
اكتشف الطبيب الهولندي كريستيان إيكمان في عام 1897 وجود مادة في قشرة الأرز تجعل الأشخاص الذين يتناولون الأرز الكامل – الأرز الأسمر – أقل عرضة للإصابة بمرض البري بري المنهك مقارنةً بمن يتناولونه مقشورًا. وقد تمكن عالم الكيمياء الحيوية البولندي كازيمير فونك في عام 1912 من اكتشاف هذه المادة وهي الثيامين. وبما أنها تحتوي على مجموعة أمينية، أطلق عليها اسم “فيتا أمينا” أو الأمين الحيوي، وهو ما يعرف اليوم بفيتامين (B1). واستنتج فونك بناءً على اكتشافه، أن أمراضًا أخرى مثل الكساح، والبلاغرا، والإسقربوط يمكن علاجها أيضًا بواسطة “الفيتامينات”، أو بعبارة أخرى، أن نقص هذه المغذيات هو المسؤول عن تلك الأمراض وغيرها.
ما هي الفيتامينات؟

لكن لم يعد يشمل التعريف الحالي للفيتامينات مفهوم “الأمينات”، إذ إن كثيرًا منها لا يحتوي على هذه المجموعة في تركيبه الكيميائي. الفيتامين هو مركب عضوي معقد يوجد طبيعيًا في النباتات والحيوانات. وهو ضروري بكميات ضئيلة للحفاظ على الوظائف الحيوية وتجنب الأمراض. يعرف الفيتامين بحسب وظيفته، وليس بنيته، لذا توجد مواد متعددة أو مركبات فيتامينات تؤدي وظيفة الفيتامين نفسه.
تعد الفيتامينات من المغذيات الدقيقة، لأن الجسم يحتاجها بكميات صغيرة، إلى جانب المعادن التي نحتاج منها أقل من 100 ميكروجرام يوميًا، مثل الحديد، والكوبالت، والكروم، والنحاس، واليود، والمنغنيز، والسيلينيوم، والزنك، والموليبدينوم.
تصنف الفيتامينات حسب ذوبانها. فمجموعة فيتامين B (وتشمل 8 أنواع مختلفة) وفيتامين C تذوب في الماء (وتطرح عبر البول، أحيانًا مع رائحة مميزة)، في حين أن فيتامينات (A) و(D) و(E) و(K) تذوب في الدهون (أي أنها دهنية الذوبان) وتبقى في الجسم لفترات أطول.
المكملات الغذائية.. علم أم دعاية؟
لا تنتج جميع الحيوانات والنباتات كل الفيتامينات التي تحتاجها، لذا لا بد من الحصول عليها من الغذاء. وهذا ما تستغله شركات تصنيع المكملات الغذائية والأطعمة ومستحضرات التجميل وغيرها، بإضافة الفيتامينات إلى منتجاتها وتقديمها كما لو كانت أكثر فعالية وصحة وفائدة، وهو أمر لا يكون صحيحًا دائمًا.
تقوم الفلورا المعوية لدينا، عندما تكون بصحة جيدة، بإنتاج فيتامين B7 (البيوتين) وفيتامين (K)، ومن المعروف أن أحد أشكال فيتامين (D)، الذي يسبب نقصه مرض الكساح، يُنتجه الجلد عند التعرض لأشعة الشمس فوق البنفسجية، لذا فإن التعرض المعتدل للشمس يساعد على الوقاية من هشاشة العظام. كذلك يستطيع الجسم إنتاج فيتامين (A) من مركبات تعرف بالكاروتينات، ومنها البيتا كاروتين الذي يعطي أطعمة مثل الجزر والبنجر لونهما البرتقالي المائل إلى الأحمر.
أضرار الفيتامينات

مع ذلك، وكما هو الحال مع أي مادة أو عنصر غذائي تقريبًا، فإن “الزيادة” لا تعني “الأفضل”. على سبيل المثال، يسبب نقص فيتامين (A) العمى الليلي وجفاف القرنية. ويعالج بجرعة يومية للبالغين تبلغ حوالي 900 ميكروجرام (أي 900 جزء من مليون من الجرام). لكن الجرعة الزائدة منه لفترات طويلة تسبب أعراضًا تتراوح بين بسيطة كتلون الجلد وجفافه الشديد… إلى خطيرة كالتشوهات الخلقية، ومشاكل في الكبد، وانخفاض كثافة العظام، وارتفاع مرضي في الضغط داخل الجمجمة.
مثال آخر هو فيتامين (B3)، الذي يسبب نقصه مرض البلاغرا. وهو مرض مروع يتميز بأربعة أعراض: الإسهال، والتهابات الجلد، والخرف، والموت. يمكن الوقاية من هذا المرض الخطير (وعلاجه، على الأقل من حيث إيقاف تطوره) بجرعة يومية لا تتجاوز 16 ملليجرامًا من فيتامين (B3) غير أن نفس هذا الفيتامين إذا أخذ بجرعة تتجاوز 1.5 جرام يوميًا، قد يسبب مشاكل جلدية مثل الجفاف والطفح، وفشل الكبد، واضطرابات قلبية، وتشوهات خلقية، وغيرها من الأمراض.
فيتامين طبيعي أم صناعي.. خدعة السوق الكبرى

يتجاهل هذا الخطر في الغالب من يوصون بعلاجات غير قائمة على أسس علمية. حيث يُرفع فيها استهلاك المغذيات الدقيقة بشكل كبير أو تستخدم جرعات هائلة من الفيتامينات. لكن الدعاية التي تمنح لأولئك الذين يحذروننا من كل أنواع الأخطار، ويزعمون أن أجسامنا تحتاج دائمًا إلى دعم خارجي، حولت المكملات الغذائية، وخاصة المركبات الفيتامينية، إلى مجرد منتج استهلاكي آخر يساهم في إزالة السموم من الجسم.
حتى إن بعض بائعي الفيتامينات يروجون، بطريقة غير مفهومة، لفكرة أن هناك “فيتامينات طبيعية” أفضل من “الاصطناعية” أو المصنعة. في حين أن كل فيتامين هو نفس المركب الكيميائي، مطابق تمامًا على مستوى الذرات، سواء تم تصنيعه في نبتة، أو داخل جسم كائن حي، أو في مصنع يستخدم أحدث الأجهزة.
والمؤسف أكثر أن الفيتامينات المعروضة في متاجر تدعي أنها “طبيعية” أو “عضوية” أو “بيئية” أو “بديلة”، قد تباع بأسعار مضاعفة مقارنةً بنفس الفيتامينات بنسختها العامة، بل وحتى أعلى من أسعار الفيتامينات “العلامة التجارية” التي لا تختلف عنها في شيء. ناهيك عن علاجات أخرى خطيرة تعتمد على ضخ جرعات هائلة من الفيتامينات مباشرة في الوريد.
ليست الفيتامينات، كما كان يعتقد في بدايات القرن العشرين، علاجًا سحريًا أو شافيًا لكل شيء. ولا تمنحنا “الحيوية” كما يعتقد من ينصح الأطفال بتناولها كي “يصبحوا أقوياء”. في الواقع، فإن نقص الفيتامينات في البلدان المتقدمة قد اختفى تقريبًا، رغم الأنظمة الغذائية المليئة بأطعمة مشكوك في صحتها.
البلاغرا والعمى الليلي
شهدت عدة مناطق في أوروبا، والتي اعتمدت في فترات معينة على الذرة كغذاء أساسي، تفشّيًا لمرض البلاغرا، بسبب احتواء الذرة على نسبة ضئيلة من التربتوفان.. وهو الحمض الأميني الذي يستخدمه الجسم لصنع فيتامين (B3).. غير أن السكان الأصليين في أمريكا الوسطى اخترعوا عملية تتضمن طهي حبوب الذرة في محلول قلوي، مما عالج نقص في النياسين الموجود في الذرة. ويعد هذا من المعارف التجريبية القليلة لدى الحضارات القديمة بشأن الفيتامينات، إلى جانب نصيحة الأطباء المصريين القدماء بتناول الكبد لعلاج العمى الليلي الناتج عن نقص فيتامين (A).
ليست الفيتامينات وصفة سحرية للصحة ولا طريقًا مختصرًا للحيوية. إنها مغذيات دقيقة تحتاجها أجسامنا بنسب مدروسة.. ونقصها قد يكون قاتلًا، كما أن زيادتها قد تكون مدمرة. ويبقى التوازن، والتغذية السليمة، والتفكير النقدي أفضل وسائلنا للحفاظ على الصحة… بعيدًا عن مبالغات الإعلانات وسحر العبارات.













