علوم

الطب التجديدي من الحلم إلى المختبر

تخيل عالمًا لا نحتاج فيه إلى متبرعين بالأعضاء، ولا نخاف من رفض الجسم لزراعة جديدة، ولا نواجه أمراضًا مستعصية كما كنا في الماضي. عالم تصبح فيه أجسادنا ورشات صيانة ذاتية، تعيد بناء ما تضرر منها كما تفعل بعض الكائنات في الطبيعة. في هذا المقال، نرافق العلم وخاصة الطب التجديدي في رحلته من أحلام الأساطير إلى إنجازات المختبر، حيث تتقاطع الخلايا الجذعية وهندسة الأنسجة مع حلم الإنسان القديم بالخلود أو على الأقل… بالشفاء الكامل.

تمثل إمكانية إعادة بناء أجزاء من الجسم، أو الأعضاء، أو الأطراف من خلال التلاعب بخلايا الإنسان وعملياته الحيوية الوعد الكبير الذي يحمله علم الأحياء والطب التجديدي.

زراعة الأنسجة

في عام 1981، كان أحد المرضى في مستشفى ماساتشوستس العام بمدينة بوسطن قد تعرّض لحروق شديدة. قرر الأطباء تجربة نهج مختلف عن عمليات الزرع والتطعيم الجلدي التقليدية التي تستخدم عادةً في مثل هذه الحالات. أخذوا عينة صغيرة من الجلد السليم للمريض، وأخضعوها لعملية تعرف باسم “زراعة الأنسجة”. حيث يتم تغذية الخلايا وتحفيزها لتتكاثر. ثم وضع النسيج الناتج على مصفوفة، وتم تطبيقه على المناطق التي دمرت فيها الحروق الجلد. ولأول مرة، تم استخدام خلايا مريض بنجاح كعلاج.

وللوصول إلى هذه اللحظة، كان لا بد للعلم أن يجيب عن سؤال هائل: ممّ تتكون أجسادنا؟ فقد ظل تكوين أجسامنا واحدًا من أعظم الألغاز على مر معظم تاريخنا. كيف تجتمع المواد لتخلق شيئًا بهذه الخصوصية الكمية والنوعية، كنسيج عين أو رئة أو عضلة أو قلب؟ وما هو أكثر إدهاشًا، كيف أن ما نأكله يجعلنا ننمو. وكيف أن أجسامنا أحيانًا تمتلك القدرة على التجدد. يصاب الجسم بجرح، وبعد فترة يلتئم الجرح. ويظهر نسيج جديد يشفيه ويترك ندبة في أسوأ الأحوال.

قدرات الإنسان التجديدية

الخلايا الجذعية
قدرة الجسم البشري على التجديد

ومع ذلك، فإن قدرات الإنسان التجديدية، على الرغم من كونها مذهلة، تبقى محدودة. فلا يمكن للجسم البشري أن يُجدّد طرفًا أو عينًا أو أذنًا، رغم أن هناك كائنات في عالم الحيوان قادرة على إنجازات مدهشة. فالسلمندل، مثل عفريت الماء، يستطيع تكوين طرفًا كاملًا بعد بتره، ودودة مسطحة مثل البلانريان يمكن تقطيعها إلى عدة أجزاء، وكل جزء سينمو ليصبح فردًا جديدًا كاملًا.

إن فكرة أن الجسم البشري يمكن أن يتجدد كما تفعل السلمندرات أو الديدان، لطالما كانت واحدة من أعظم أحلام الطب. ورغم ذلك، فإن الأساطير صورت التجدد أحيانًا كعقوبة. ففي أسطورة بروميثيوس، كانت عقوبته على منحه النار للبشر أن يُقيّد إلى صخرة، ويأتيه نسر كل ليلة ليلتهم كبده، الذي كان يتجدد في النهار. من المحتمل أن الإغريق كانوا يعلمون أن الكبد هو العضو الذي يمتلك أعلى قدرة على التجدد في جسم الإنسان.

الخلايا الجذعية.. أمل الطب التجديدي

كان لا بد من الانتظار حتى يفهم الإنسان كيفية تكوّن الجسم، وأنسجته وأعضائه، والخلايا التي يتكون منها، وعملية التكاثر، والجينات، والتطور الجنيني، لكي تصبح فكرة استخدام التجدد كعلاج ممكنة. ومن هنا، صار من المشروع تخيل علاجات يمكن فيها استبدال ذراع، أو عين، أو بنكرياس، أو أي جزء آخر من الجسم، بأجزاء جديدة تنشأ من خلايا المريض نفسه. سواء عبر زراعتها في المختبر ثم زرعها في الجسم، أو من خلال تحفيز الجسم ذاته على توليدها.

في العام نفسه الذي أجريت فيه أول عملية زرع ذاتي لخلايا مزروعة في بوسطن، تمكن باحثون في جامعتي كامبريدج وكاليفورنيا من عزل نوع معين من الخلايا من أجنة الفئران، تعرف باسم الخلايا الجذعية أو الخلايا متعددة القدرات. وهي خلايا قادرة على التحول إلى أي نوع من أنواع الخلايا المتمايزة في جسم الإنسان. فجميع خلايانا، في نهاية المطاف، تنحدر من خلية واحدة: بويضة مخصبة بحيوان منوي. وخلال تطورنا الجنيني تبدأ هذه الخلايا بالتخصص لأداء وظائف مختلفة، من الخلايا العصبية التي تنقل الإشارات العصبية، إلى كريات الدم الحمراء التي تنقل الأكسجين إلى خلايا الجسم كافة، والألياف العضلية القابلة للانقباض، وخلايا الغدد التي تفرز مختلف المواد في أجسامنا.

أعضاء تُبنى بالخلايا

الطب التجديدي
استخدام الخلايا الجذعية في الطب التجديدي

ومع ذلك، حتى باستخدام الخلايا المتخصصة الموجودة في أنسجة المرضى، أصبح بالإمكان تحقيق إنجازات كبيرة. ففي عام 2006، استخدم علماء من جامعة ويك فورست في كارولاينا الشمالية للمرة الأولى خلايا مأخوذة من مثانة مريض من أجل زراعتها ونموّها على قالب أو سقالة أو دعامة في عملية تدعى هندسة الأنسجة. وكانت النتيجة مثانة مزروعة جراحيًا على مثانة المريض نفسه، دون خطر رفض الجهاز المناعي للزرع، لأن الخلايا كانت خلاياه هو. ومنذ ذلك الحين، أصبحت هذه التقنية معتمدة لحل مشاكل المثانة لدى العديد من المرضى.

وقد استخدم الطبيب باولو ماكياريني في عام 2008 نظامًا آخر من هندسة الأنسجة في مستشفى “كلينيك” ببرشلونة. حيث أخذ قصبة هوائية متبرع بها، وقام بإزالة جميع الخلايا الحية منها، تاركًا فقط هيكل الغضروف. ثم أعاد تغطيتها بخلايا من المريضة التي ستزرع فيها، مما سمح بتجنّب رفض الزرع والاستغناء عن الأدوية المثبطة للمناعة.

وكان أول عضو يزرع بنجاح بعد تطويره من خلايا جذعية هو أيضًا القصبة الهوائية. وقام به الطبيب نفسه في معهد كارولينسكا في السويد. حيث صُنِع في أواخر عام 2011 قالب لقصبة المريض الهوائية نمت عليه خلايا متعددة القدرات مأخوذة من نخاعه العظمي.

الحبل السري.. بنك الشفاء في المستقبل

ومن اللافت أن فكرة الاحتفاظ بالحبل السري للمواليد الجدد ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالطب التجديدي، لأن هذا الحبل يحتوي على مخزون من الخلايا الجذعية متعددة القدرات التي يمكن أن تستخدم في المستقبل لعلاج أولئك الأطفال واستبدال أعضاء وأنسجة تالفة لديهم.

قد يتمكن الطب التجديدي في المستقبل القريب من خلال العلاجات الخلوية وهندسة الأنسجة من إنتاج أنسجة سليمة لاستبدال الأنسجة التالفة المسببة لمجموعة واسعة من الأمراض، مثل التهاب المفاصل، وباركنسون، والزهايمر، والسكري من النوع الأول، وأمراض القلب التاجية. وقد يجعل التبرع بالأعضاء أمرًا غير ضروري. إنه طب قد يجعلنا مكتفين ذاتيًا بالكامل، قادرين على إصلاح أجسامنا بأنفسنا، مما قد يحوّل كثيرًا من المعاناة البشرية إلى شيء من الماضي — وهي ليست وعودًا بسيطة.

تكاثر الخلايا ومستقبل الطب التجديدي

يوضح الدكتور أنتوني أتالا، مبتكر أول عضو تم تطويره في المختبر (المثانة):

يمكننا أخذ قطعة صغيرة جدًا من النسيج، بحجم نصف طابع بريدي مثلًا، وخلال 60 يومًا نحصل على كمية من الخلايا تكفي لتغطية ملعب كرة قدم.

لكنه يضيف:

مع ذلك، لا يمكن تطبيق هذا على جميع أنواع الخلايا، فبعضها لا يمكن زراعته خارج جسم المريض.

ما كان يومًا جزءً من الخيال أو من حكايات الآلهة والعقوبات الخالدة، أصبح اليوم واقعًا يتشكّل في مختبرات الطب التجديدي. بين وعود الخلايا الجذعية والهياكل الحيوية والأنسجة المصممة حسب الطلب، يقف الإنسان على أعتاب عصر جديد قد يغير جذريًا فهمنا للمرض والشفاء. وإذا تحقق هذا الوعد، فإن المستقبل لن يكون فقط أكثر صحة، بل ربما أكثر إنسانية.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!