علوم

المستعرات العظمى: أسرار النجوم المحتضرة

هل تظن أن أقوى الانفجارات تحدث في أفلام الأكشن؟ فكر مجددًا. ما يحدث في الكون يفوق خيال هوليوود بأشواط. هناك، في أعماق الكون، تنفجر نجوم عملاقة في مشهد كوني يفوق الوصف، يسطع نوره في السماء ويغير فهمنا للكون ومكاننا فيه. إنها المستعرات العظمى أو السوبرنوفا النهاية الدرامية لحياة نجم والبداية لأسرار مذهلة نواصل اكتشافها حتى اليوم.

أول المستعرات العظمى في التاريخ

كانت الفيالق الرومانية في عام 185 ميلاديًا تتمرد على الإمبراطور كومودوس، الذي كان يبدد خزانة الدولة على شغفه بألعاب المصارعة، التي كان هو نفسه مولعًا بالمشاركة فيها. وفي آسيا، كانت تقترب نهاية أكثر من 400 عام من حكم أسرة هان، نتيجة تمردات أخرى مثل تمرد “العمائم الصفراء” في عام 184. سجّل الفلكيون الإمبراطوريون في ذلك العام في “السجلات الفلكية” رؤية “نجم زائر”. وهو المسمى الذي أطلقوه على ضوء ساطع ظهر فجأة في سماء الليل، كان يلمع مثل نجم، لكنه لا يتحرك مثل المذنبات، واختفى بعد ثمانية أشهر.

يعتقد علماء الفلك اليوم أن من المحتمل جدًا أن يكون أولئك الحكماء الصينيون قد سجلوا أول رصد موثق في التاريخ الإنساني لمستعر أعظم. وقد اكتشفت أدوات حديثة مثل تلسكوب تشاندرا في المنطقة التي وصف فيها الفلكيون الإمبراطوريون ذلك النجم الغامض، سحابة غازية يمكن أن تكون أثرًا لذلك المستعر الأعظم. ومنذ ذلك الحين، شهد البشر أكثر من ألف حدث مشابه: نجوم تظهر فجأة ثم تتلاشى في غضون أيام أو أشهر.

ولادة نظرية علمية جديدة

تاريخ المستعرات العظمى
النجوم الجديدة أو المستعرات

كان الدنماركي “تيخو براهي” أول من أشار في كتابه ” عن النجم الجديد” عام 1573 إلى أن “النجوم الجديدة” أو “المستعرات” ليست ظواهر تحدث بالقرب من كوكبنا. وقد أظهرت ملاحظاته الدقيقة لـ “مستعر تيخو” في عام 1572 أنه كان أبعد بكثير من “الكرات السماوية” المثالية والثابتة التي افترضها أفلاطون وأرسطو وبطليموس. لقد كان النموذج ما قبل العلمي خاطئًا. وبعد 12 عامًا فقط، كان جيوردانو برونو يروج لفكرة أن النجوم ما هي إلا أجسام مماثلة لشمسنا، لكنها بعيدة جدًا. وقد تكون لها كواكب (وقد كلفته فكرته بإمكانية وجود حياة هناك الإعدام على يد محاكم التفتيش).

إذا كانت النجوم هي شموس، فإن “المستعرات” و”المستعرات العظمى” هي شموس تزداد فجأة في شدة لمعانها. ونحن نعرف اليوم السبب.

الفرق بين المستعرات والمستعرات العظمى

تسطع النجوم بسبب التفاعلات النووية التي تحدث في أعماقها. حيث تندمج ذرات الهيدروجين (التي تحتوي على بروتون واحد في نواتها) لتكون ذرات الهيليوم (التي تحتوي على بروتونين)، وينتج عن هذا الاندماج طاقة هائلة. وتعتمد عملية الاندماج على كتلة النجم: فكلما كانت كتلته أكبر، استطاع دمج عناصر أثقل (أي ذات عدد أكبر من البروتونات في النواة).

عندما تبدأ قدرة النجم على الاستمرار في الاندماج النووي بالنفاد، فإن نجمًا كتلته أقل من خمسة أضعاف كتلة الشمس يتمدد ليصبح عملاقًا أحمر. ثم ينكمش ليصبح “قزمًا أبيض”، وهو نجم شديد الكثافة مكون أساسًا من الأوكسجين والكربون. وإذا كان هذا النجم جزءًا من نظام نجمي ثنائي (وهو أمر شائع في الكون، مثل جارنا الأقرب “الشعرى اليمانية”)، فقد يجذب بالتحكم الجاذبي غازَي الهيدروجين والهيليوم من شريكه، حتى تدخل هذه العناصر في تفاعل نووي عنيف خارج عن السيطرة. وهذا ما نعرفه باسم “المستعر”. أما “المستعر الأعظم”، فهو ظاهرة أعنف وأشد بهرجة، ويمكن أن تكون أكثر سطوعًا من شمسنا بمليار مرة.

النوع الأول.. قزم أبيض ينفجر بعنف نووي

المستعرات العظمى
قزم أبيض ينفجر بعنف نووي

تحدث المستعرات العظمى من النوع الأول عندما تكون كتلة القزم الأبيض أكبر بكثير. ويمكنه بجاذبيته أن يكتسب كميات هائلة من المادة من جاره النجمي، حتى تبلغ كثافته نحو مليونَي كيلوجرام في السنتيمتر المكعب الواحد. عندها تنهار الطبقات الخارجية للنجم بسرعة نحو مركزه، بفعل جاذبيته. ويبدأ الكربون والأوكسجين في نواته تفاعلاً نوويًا اندماجيًا غير منضبط، فتحدث انفجارًا هائلًا يولّد أجرامًا هي الأشد سطوعًا في الكون. ولتقريب الصورة: مكعب صغير بحجم سنتيمتر مكعب مأخوذ من هذه الكتلة سيزن ما يعادل أربع ناقلات نفط ضخمة ممتلئة!

النوع الثاني.. انهيار نجم عملاق

المستعرات العظمى
انهيار نجم عملاق

أما المستعرات العظمى من النوع الثاني، فهي نتيجة عملية مختلفة تحدث في النجوم ذات الكتلة الكبيرة جدًا، بين 8 و50 ضعف كتلة الشمس. هذه الكتلة الهائلة تمنعها من التحول إلى أقزام بيضاء. وعندما ينفد وقودها تحدث تفاعلات معقدة في داخلها تكون طبقات مثل البصلة، بنواة من الحديد، وطبقات خارجية من عناصر أخف فأخف. وتُنتج هذه العمليات كل العناصر الطبيعية المعروفة بفعل الاندماج النووي، إلى أن ينهار النجم ويحدث الانفجار.

عندما ينفجر النجم كمستعر أعظم، يخلف وراءه سحابة غازية، وفي المركز، جرمًا فائق الكثافة. إذا كانت كتلته بين 1.4 و3 أضعاف كتلة الشمس، تتحول نواته إلى “نجم نيوتروني” هائل. وإذا تجاوزت كتلته ثلاثة أضعاف كتلة الشمس، يتحول إلى “ثقب أسود“.

المستعرات العظمى والطاقة المظلمة

وليس كل نجم ينتهي به المطاف إلى مستعر أو مستعر أعظم. قد تنتهي بعض النجوم بنهايات أخرى أقل درامية بكثير. غير أن ما علمتنا إياه المستعرات العظمى يوازي في روعته مظهرها المذهل. على سبيل المثال، منحت جائزة نوبل في الفيزياء في عام 2011 لثلاثة علماء أثبتوا، من خلال دراستهم لخمسين مستعر أعظم بعيدًا، أن توسع الكون يتسارع، مما يشير إلى وجود قوة مجهولة تدفع هذا التوسع. وقد أطلقنا عليها اسم “الطاقة المظلمة”.

لم نشهد أي مستعر أعظم في مجرتنا منذ عام 1604. حدث ذلك حين انفجر نجم على بعد حوالي 13 ألف سنة ضوئية، وقد درسه يوهانس كيبلر. ويأمل كثير من علماء الفلك في رؤية مستعر أعظم أخر قريب منا ويكون قابل للرصد بوضوح. وبفضل أدوات الرصد المتطورة المتاحة اليوم، يمكننا أن نتعلم الكثير عن الكون من دراسة هذه الكوارث النجمية، تمامًا كما تعلّم “تيخو براهي” و”يوهانس كيبلر”.

مستعر السرطان العظيم

رُصد ألمع مستعر أعظم مُسجَّل حتى الآن في 4 يوليو 1054. واستمرّ مرئيًا نهارًا لمدة 23 يومًا، ثم ليلًا لمدة عامين تقريبًا. سجله علماء فلك صينيون ويابانيون وكوريون وعرب، وربما أوروبيون أيضًا. وفي عام 1942، استنتج الفلكيان نيكولاس مايال ويان أورت، بما لا يدع مجالًا للشك، أن سديم السرطان في كوكبة الثور ليس سوى بقايا انفجار المستعر الأعظم الهائل عام 1054.

وبينما نتطلع إلى السماء مترقبين الانفجار العظيم التالي، لا نبحث فقط عن عرض ضوئي كوني، بل عن إجابات لأسئلة كبرى حول نشأتنا ومصيرنا. فكل مستعر أعظم هو رسالة من أعماق الزمن، تخبرنا أن حتى أعنف النهايات يمكن أن تكون بوابة لبدايات جديدة — سواء لنجوم جديدة، أو لكواكب، أو لفهم أعمق للكون نفسه.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!