علوم

النبيذ: بوابة اكتشاف العالم الخفي للكائنات الدقيقة

لطالما اقترن النبيذ بالتقاليد والاحتفال في العديد من دول العالم، لكن قلّ من يدرك أن هذا المشروب العتيق كان مفتاحًا لانقلاب علمي غير مجرى فهم الإنسان للأمراض. ففي زمن كانت تُفسّر فيه العِلل بالأرواح الشريرة أو الهواء الفاسد، قاد النبيذ العالم نحو اكتشاف الميكروبات، على يد رجل رأى في فساد الخمر سرًا يجب كشفه. إنها قصة تبدأ من الكروم وتنتهي في المختبر، حيث تتقاطع الكيمياء، والزراعة، والطب، والتاريخ. دعونا نخوض رحلة نتعرف من خلالها على قصة النبيذ وكيف غيّر فهمنا للأمراض..

من الخرافة إلى العلم

يمكن القول إن الفهم العلمي للأمراض ومكافحتها بدأ بدراسة النبيذ وأسراره المتعددة. حيث كان يعتقد حتى عقد الستينيات من القرن التاسع عشر، أن الأمراض ناتجة عن خلل في التوازن بين “الأخلاط الأربعة” التي كان يعتقد أنها تكون جسم الإنسان (الصفراء، والسوداء، والبلغم، والدم).. أو بسبب “الهواء الفاسد” (وهي فكرة لا تزال تنعكس في لغتنا اليومية بعبارات مثل “هواك وحش”)، أو بسبب أرواح شريرة، إلى جانب فرضيات أخرى أكثر أو أقل خيالية.

وكان يعتقد أيضًا أن الكائنات الحية يمكن أن تنشأ من “التوالد التلقائي”. ولم تكن النظرية القائلة بوجود كائنات حية لا ترى بالعين المجردة ويمكن أن تؤثر فينا مباشرة مقبولة على نطاق واسع، رغم أن بعض العلماء كانوا قد اقترحوا هذا الاحتمال. تغير كل هذا بفضل النبيذ والدراسات التي أجراها عليه الفرنسي لويس باستور.

البداية الحقيقية لعلم الجراثيم

تاريخ النبيذ
نشأة علم الجراثيم

بدأت القصة عندما تسبب فساد نبيذ فرنسا الشهير والرائع وتحوله إلى خل. من هنا لجأ الفرنسيون إلى هذا الكيميائي البارع لويس باستور، الذي اكتشف أن النبيذ المعتق جيدًا يحتوي على خلايا خميرة كروية.. في حين أن النبيذ الفاسد يحتوي على خلايا بكتيرية تنتج حمض اللاكتيك. كما اكتشف أن الهواء يساعد على فساده.. واقترح ثورة في صناعة النبيذ الفرنسي: تسخين النبيذ إلى 49 درجة مئوية لقتل البكتيريا وتسهيل عمل الخميرة.

أنقذ باستور الصناعة الفرنسية.. وأرسى أسس علم الأحياء الدقيقة من خلال كتابه “دراسات حول النبيذ” الذي نشره عام 1866.. ومهد لأبحاثه التي أكدت لاحقًا أن الكائنات الحية الدقيقة، كما تسبب تخمير عصير العنب إلى نبيذ، وتحويل النبيذ إلى خل، فإنها مسؤولة أيضًا عن العديد من الأمراض.

أسرار خمائر النبيذ

كانت زراعة الكروم وصناعة النبيذ حتى تلك اللحظة فنًا يعتمد على بعض المعارف التجريبية التي لم تكن تضمن إنتاجًا موحدًا. وقد أحدث إدخال الرؤية العلمية تغييرًا ملحوظًا. على سبيل المثال، الخميرة التي تخمر عصير العنب هي ذلك الغبار الأبيض الذي يغلف قشرة العنب. لكن هذه الخميرة، التي قد تنتمي إلى أنواع وأجناس مختلفة، كانت تعطي نتائج غير متوقعة. وتطور فهم الخمائر لكي يتمكن المنتجون من اختيار أنواع معينة، مثل خميرة البيرة، وهي الأكثر شيوعًا، لإضفاء خصائص محددة عليه.

أصبحت خمائر النبيذ صناعة قائمة بذاتها اليوم، مع شركات متخصصة في إنتاج أنواع مختلفة بشكل مضبوط ومناسب لأنواع متعددة منه. وبالطبع، هناك نوع يستخدم للنبيذ الأحمر القوي يسمى “خميرة باستور الحمراء”. ومع ذلك، لا يزال بعض المنتجين يفضلون استخدام الخمائر الموجودة في البيئة الطبيعية.

خطوات صناعة النبيذ

صناعة النبيذ
خطوات صناعة النبيذ

تتضمن صناعة النبيذ العديد من المراحل: سحق العنب لكسر قشرته، ثم نقعه أو تركه يرتاح، ثم عصره لاستخلاص العصير، ثم التخمر الأولي (من 4 إلى 6 أيام)، يليه التخمر الثانوي (من 6 إلى 18 شهرًا)، وأخيرًا التعتيق (قد يكون قصيرًا أو يمتد لعقود). تحدد التربة ونوع العنب، والعوامل المناخية، والأسمدة، ومبيدات الأعشاب والحشرات، وساعات الضوء حسب خط العرض، وغيرها من العوامل، خصائص العصير الذي ستقوم الخمائر بتخميره.. وبالتالي تحدد النتيجة النهائية، من النبيذ العادي إلى الفاخر.

التخمير هو في الأساس عملية تحويل السكريات الموجودة في عصير العنب إلى كحول إيثيلي (إيثانول) وثاني أكسيد الكربون. وتجرى هذه العملية في درجات حرارة وسرعات محددة، وبوجود كميات معينة من الأكسجين، للوصول إلى نتيجة مثالية. ولهذا، يضيف المنتجون إلى العصير الكربون، والكبريت، والفوسفور، وعدة فيتامينات ومعادن لتحويله إلى غذاء مثالي للخميرة.

وأثناء العملية الممتدة من عصر العنب إلى تعبئته في الزجاجات، تضاف مواد مختلفة تزيل أو تقلل الجوانب غير المرغوبة. كما أن التخمير ينتج كمية هائلة من المركبات الإضافية التي تعطي المشروب شخصيته الخاصة. ففي اليونان القديمة، كانوا يضيفون الجبس إلى عصير العنب لتنقيته.

كيمياء النبيذ

ما هو النبيذ؟
الكيمياء وراء النبيذ

وعلى الرغم من بساطة مكونات هذا المشروب، إلا إنه مزيج معقد من الكحول الإيثيلي، والجلسرين، والسكريات، والعفص، والأحماض العضوية، والفينولات، والأحماض الأمينية، والدهون، والفيتامينات، والألدهيدات، وغيرها من المركبات، وكلها تحدد خصائص المنتج النهائي. وهذه المركبات هي أيضًا ما يجعل هذا المشروب يعد – بكميات معتدلة – مشروبًا مفيدًا للجسم، لا سيما في تقليل معدل الوفيات الناتجة عن أمراض القلب التاجية، وهي قدرة تم إثباتها في العديد من الدراسات.

أدى تعقيد هذا المشروب وعملية إنتاجه إلى إنشاء العديد من المصانع التجريبية. على سبيل المثال، يضم معهد علم الخمور وزراعة الكروم بجامعة ياماناشي في اليابان، مختبرات لعلم الأحياء الدقيقة، والتقنيات الحيوية، والعلوم الوظيفية الحيوية، والهندسة الوراثية للفواكه، ومزرعة عنب تجريبية. أما في جامعة ميزوري، فيركزون على اختبار طرق زراعة مختلفة على أنواع متعددة من العنب. وفي جامعة كاليفورنيا، تم تطوير مخمرات هيدروليكية وأجهزة قياس سكر قابلة للبرمجة.

ستة آلاف سنة من تاريخ صناعة النبيذ مع الإنسان، وربما أكثر، وما زال هناك الكثير لاكتشافه عن هذا المشروب، الذي من المحتمل جدًا أن أجدادنا اكتشفوه عن طريق الصدفة. من عنب منسي يتخمر تلقائيًا إلى السعي الدؤوب وراء ما أسماه روبرت لويس ستيفنسون “الشعر المعبأ في زجاجات”. في هذه الحالة، شعر ممزوج بالعلم.

وفي النهاية يظل هذا المشروب شاهدًا على رحلة الإنسان من الجهل إلى المعرفة، ومن الأسطورة إلى المنهج العلمي. لقد كان العنب المتروك صدفة، وربما منسيًا، بداية لاكتشافات أنقذت الأرواح وغيّرت مسار الطب الحديث. واليوم، وبينما تتقدّم تقنيات إنتاج النبيذ إلى آفاق جديدة، لا تزال آثار أولى تجاربه العلمية تنبض في كل زجاجة، تذكرنا بأن خلف كل رشفة… قصة علم وشعر ومغامرة.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!