الشيب في الشعر: لماذا تظهر تلك الشعيرات البيضاء؟
ننظر أحيانًا في المرآة فلا نرى مجرد شعرة بيضاء، بل علامة صغيرة على مرور الزمن.. همسة تقول إن الشباب لا يدوم إلى الأبد. ومع كل شعرة جديدة، يبدأ الفضول والأسئلة: لماذا نشيب؟ وهل هناك ما يمكن فعله؟ بين حقائق العلم ومآسي التقدّم في السن، تبدأ هذه الرحلة نحو فهم أحد أبرز رموز الشيخوخة: الشعر الأبيض. يبدأ الأمر بشعرة واحدة. تكتشفها عرضًا وأنت تمشط شعرك أو تهذب لحيتك. تتجاهلها… ثم تظهر ثانية وثالثة. سريعًا ما يتحول التجاهل إلى مقاومة: بالملقط، فالصبغة، فالاستسلام. لكن هل تساءلت يومًا ما سبب الشيب في الشعر؟ العلم لديه إجابة، بل وعد بمفاجآت مستقبلية.
شعرة بيضاء.. بداية الحكاية
لا أحد يحب التقدّم في السن، ومن أوائل العلامات الأولى التي تجعلنا ندرك أن الشباب كنز زئبقي يتسلل من بين أيدينا، هو ظهور أولى الشعيرات البيضاء. أول حل يلجأ إليه من يرفضون ترك الطبيعة تأخذ مجراها، ويتعلمون التعايش مع عدد متزايد من الشعر الأبيض، هو ببساطة نزعها. وهو حل ممكن فقط في المراحل الأولى من عملية الشيب الحتمية التي نعاني منها جميعًا، بعضنا في وقت متأخر وآخرون منذ سن مبكرة جدًا. لكنه يصبح غير عملي مع ازدياد عدد هذه التذكيرات المزعجة بفنائنا، حين تبدأ في غزو مناطق مثل الحواجب، والسوالف، واللحية، وشعر أجزاء أخرى من الجسم.
يجد المرء نفسه في وقت لاحق مضطرًا للجوء إلى الصبغات، التي، بالإضافة إلى كونها باهظة الثمن، تضر الشعر، ونادرًا ما تبدو طبيعية تمامًا (بل إنها، في كثير من الأحيان، تجعل المرء يبدو وكأنه دمية ناطقة، خاصةً إذا كان ما يصبغ هو اللحية). وهناك مناطق في جسم الإنسان يتردد المرء كثيرًا قبل أن يضع فيها صبغة، لما لها دائمًا من تأثير مهيج بدرجة ما.
ما الذي يسبّب الشيب في الشعر؟
في الحقيقة، يجب أن يطرح السؤال بالعكس: ما الذي يجعل الشعر ملونًا؟ الجواب: عائلة من الصبغات تسمى “الميلانين”. وهي لا تعطي اللون للشعر فحسب، بل أيضًا للجلد بأكمله، وتأتي بنوعين رئيسيين: الإيوميلانين، ويتراوح لونه بين البني والأسود، والفيوميلانين، أي “رمادي”، رغم أنه ذو لون برتقالي مائل إلى الأحمر. تركيز الميلانين وتركيباته المختلفة في الجلد والشعر هي ما تخلق تنوع الألوان الذي نلاحظه بين المجموعات والأفراد البشر. سبب الشيب هو ببساطة توقّف إنتاج الميلانين.
رحلة الميلانين من البصيلة إلى الشعرة
الشعر بحد ذاته بنية بالغة التعقيد. يُنتَج في أعضاء صغيرة في الجلد تسمى البصيلات. ويتكون أساسًا من خلايا تعرف باسم الخلايا الكيراتينية. وهي ممتلئة ببروتين يدعى الكيراتين (الذي يشكل أيضًا الطبقة السطحية للجلد، والأظافر، وحوافر وقرون الحيوانات). وحدها خلايا البصيلية تكون حية؛ أما الخلايا التي تشكل الشعرة نفسها فهي ميتة.
والميلانين الذي يلون الشعر تنتجه خلايا أخرى داخل البصيلة تدعى الخلايا الميلانينية (الصبغية). وينتقل إلى الخلايا الكيراتينية من خلال حبيبات تسمى البلاستيدات الصبغية. وقد تبين أن الخلايا الصبغية خلال حياة الإنسان تعيش وتتجدد لفترة أقصر من الخلايا الكيراتينية (من الناحية الفنية، تتوقف الخلايا الصبغية عن التكاثر)، وكنتيجة لذلك، يستمر الشعر بالنمو، لكن من دون لون.
يحدث الشيب في الشعر عندما تموت الخلايا الصبغية في البصيلة وتتوقف عن إنتاج الميلانين. لم تكن الأسس الجينية لهذه العملية مفهومة حتى وقت قريب. لكن ظهرت العديد من الدراسات التي اكتشفت أول جين مرتبط بعملية الشيب لدى البشر (ويعتقد أنه قد يكون مرتبطًا ببقاء وتكاثر الخلايا الميلانينية في بصيلات الشعر).
جينات الشيب.. هل الوراثة تلعب دورًا؟
تم تحديد موقع الجين من خلال دراسة جينومات 6,357 شخصًا، رجالًا ونساءً، أظهروا امتلاكهم لجينات ذات أصول مختلطة (48% أوروبية، 46% من السكان الأصليين للأمريكتين، و6% إفريقية). وقد استخدمت أساليب إحصائية لربط خصائص شعرهم (كالتوزيع، والصلع، واللون، والشيب، وشكل الشعر سواءً كان أملسًا أو مجعدًا، وفي حالة الرجال: توزيع شعر الوجه مثل السوالف واللحية والحواجب) بمواقع محددة في الجينوم. وإلى جانب الجين المرتبط بالشيب، تم أيضًا تحديد جينات أخرى مثيرة للاهتمام لها علاقة ببقية الخصائص التي خضعت للدراسة.
هل يمكن إيقاف الشيب في الشعر؟
من المحتمل أن تفضي مثل هذه الأبحاث، مع مرور الوقت، إلى تطوير علاجات تتيح التحكم بعملية الشيب في الشعر أو مكافحتها (على سبيل المثال، من خلال تحسين بقاء الخلايا الميلانينية في البصيلة). وهو ما قد يسعد الكثير منا ممن يكرهون الشعر الأبيض. وربما تمنحنا أيضًا القدرة على تغيير لون أو نسيج الشعر. وقد تقود هذه الأبحاث كذلك إلى تطبيقات أقل سطحية وأكثر فائدة، كاستخدام عينات جينية من بقايا جثة بشرية لتحديد لون الشعر وملمسه. وهو ما سيكون ذا أهمية كبيرة في مجالات مثل الطب الشرعي وعلم الآثار. أما الخبر السيئ، فهو أن ذلك، إن حدث، فلن يكون في القريب العاجل. وحتى إشعار آخر، لا مفر من الاستعانة بالصبغات أو الملاقط. لا حيلة لنا.
صحيح أن الحلول الجذرية لم تصل بعد، وأننا مضطرون حاليًا للتعامل مع الشعر الأبيض بوسائل قديمة، لكن الأبحاث الجينية تعدنا بمستقبل مختلف. وما بين مقصّات التجميل وخرائط الجينوم، نأمل أن يأتي اليوم الذي لا يكون فيه الشيب سوى خيار، لا قدرًا.
قد لا ننتصر على الزمن، لكن فهم آلياته يخفف من وطأته. والشيب، مهما بدا مزعجًا، هو مجرد فصل آخر من كتاب الجسد الذي نعيش فيه. وبين خلية تموت وأخرى تنمو، نستمر في التغيّر، وربما، في التقدّم أيضًا.