علوم

اكتشاف الإنسولين: قصة الصراع العلمي الذي أنقذ ملايين

ليست كل الاكتشافات العلمية حكايات عن عبقرية مجنونة في مختبرات هادئة. تحمل بعض الاكتشافات في طيّاتها مشاهد من التوتر، والغيرة، والانهيارات، بل وحتى العنف. لكن في قلب هذه العواصف، يُولد أمل. قصة اكتشاف الإنسولين ليست فقط عن إنقاذ أرواح مرضى السكري، بل أيضًا عن التقاء العلم بالغرائز البشرية، وعن الصراعات التي تشعل شرارة التقدم أحيانًا أكثر من التعاون نفسه. إليك الحكاية الكاملة، كما لم تُروَ من قبل.

ينسب التاريخ الفضل في اكتشاف الإنسولين واستخدامه على البشر لاثنين من الباحثين، لكن القصة الحقيقية تشمل وجهات نظر متضاربة، وتوترات، وخلافات، بل وحتى لكمات.

اكتشاف الإنسولين

كان اكتشاف الإنسولين واستخدامه حدثًا طبيًا مذهلًا نظرًا لتأثيراته العميقة والسريعة على عدد هائل من المرضى المصابين بداء السكري، الذين كانت توقعاتهم قاتمة للغاية. حيث كانوا يواجهون مضاعفات مدمرة مثل العمى، وتلف خطير في الكليتين والقلب، والغرغرينا في الأطراف السفلية، وضعف الالتئام، والتقرحات والعدوى.. ناهيك عن الأزمات الحادة مثل الحماض الكيتوني، وهو تراكم لمواد تدعى “الأجسام الكيتونية” تنتج عندما يبدأ الجسم في استقلاب الدهون بدلًا من السكر الذي لا يستطيع استخدامه بسبب نقص الإنسولين. ويمكن أن يكون هذا التراكم قاتلًا خلال ساعات.

كان معروفًا في أوائل القرن العشرين أن الكلاب التي يُزال منها البنكرياس تظهر أعراضًا شبيهة بالسكري. كما كان معروفًا أن الخلايا الموجودة في البنكرياس والتي تعرف بـ”جزر لانغرهانس” تلعب دورًا مهمًا في مرض السكري. حاول العديد من الباحثين تحضير مستخلصات من البنكرياس لعلاج السكري. لكن جميعها كانت تحدث تفاعلات سمية خطيرة، لأن البنكرياس، إلى جانب إنتاجه للإنسولين، ينتج أيضًا إنزيمات هاضمة تنقل إلى الجهاز الهضمي. وكانت الخلايا المسؤولة عن هذه الإنزيمات هي التي تسببت في ردود فعل المرضى.

خطرت للطبيب الكندي فريدريك غرانت بانتنغ في عام 1921 فكرة ربط القناة التي تربط البنكرياس بالجهاز الهضمي لتدمير الخلايا المنتجة للإنزيمات، مع الحفاظ على خلايا جزر لانغرهانس الأكثر مقاومة. قدم فكرته للأستاذ جون جيمس ماكلاود في جامعة تورنتو. ومن دون حماسة كبيرة، منح ماكلاود لبانتنغ مساحة صغيرة للتجارب، وبعض الكلاب لاستخدامها في التجارب، ومساعدًا هو تشارلز بيست، ليعملا خلال عطلة الصيف.

كلب بلا بنكرياس.. وبداية التحول

اكتشاف الإنسولين
التجارب الأولى

كانت الفكرة هي تحضير مستخلص من بنكرياس متحلل وحقنه في كلب آخر تمت إزالة بنكرياسه. وسرعان ما تمكنوا من عزل مادة أطلقوا عليها اسم “إيسليتين”. وفي عام 1922 غيروا الاسم إلى “إنسولين”.

خفضت مادة إيسليتين نسبة السكر في دم الكلاب التي أزيل بنكرياسها. رفض ماكلاود في البداية تصديق النتائج وواجه بانتنغ، لكنه قرر في نهاية المطاف أنه يجب إعادة تنفيذ الدراسة بالكامل للتحقق من النتائج. وفر لبانتنغ وبيست تجهيزات أفضل، وطلب بانتنغ راتبًا مهددًا بنقل بحثه إلى مؤسسة أخرى. رضخ ماكلاود لمطالبه. لكن التوتر بينهما لم يتبدد أبدًا، لا سيما لأن بانتنغ كان يشعر بالظلم عندما كان ماكلاود يتحدث عن المشروع بصيغة “تجاربنا” و”نحن”.

كان الإنسولين الناتج فعال على الكلاب. وكان النجاح كبيرًا لدرجة أن ماكلاود قرر في ديسمبر تخصيص قسمه البحثي بأكمله لمشروع الإنسولين. كما استقدم الكيميائي الحيوي برترام كوليپ ليساعد في إيجاد طرق لتنقية المادة.

أول تجربة على البشر بعد اكتشاف الإنسولين

أجريت أول تجربة على البشر في 11 يناير 1922. كان المريض طفلًا في الرابعة عشرة من عمره يدعى ليونارد تومبسون. وكان على وشك الموت بسبب الحماض الكيتوني السكري. تلقى أول حقنة من الإنسولين، لكن بالإضافة إلى تفاعله التحسسي، لم يظهر أي تحسن. وفي نقاش لاحق، هدد كوليب بترك الفريق والعمل على إنتاج الإنسولين بشكل مستقل، مدّعيًا أنه اكتشف طريقة للقيام بذلك. وحصل على موافقة ماكلاود للاحتفاظ بالأمر سرًا. عندها انفجر بانتنغ غضبًا، ووفقًا لبعض الشهادات، قام بضرب كوليب وطرحه أرضًا.

تدخل ممولو مختبر كونوت بسرعة. وأجبروا الأربعة المعنيين على توقيع اتفاقية يتعهدون فيها بعدم طلب أي براءة اختراع أو الدخول في تعاون تجاري بشكل فردي. وفي 23 يناير، قام الباحثون بحقن ليونارد تومبسون بمستخلص أكثر نقاءً. وجاءت استجابة الصبي مذهلة: بدأ يتعافى.. وفي غضون يوم واحد انخفضت نسبة السكر في دمه. واختفت الأجسام الكيتونية. وبدأ في استعادة نشاطه. وقد كانت الاستجابة المدهشة سببًا في أن يعالج ستة أطفال آخرين في 23 فبراير، جميعهم أظهروا نتائج إيجابية، حتى أن أحدهم تعافى من غيبوبة سكري.

جائزة نوبل لا تكفي الجميع

اكتشاف الإنسولين
صراع العلماء على براءة اختراع الإنسولين

في غضون ثمانية أشهر فقط، تحوّلت فرضية جريئة من طبيب قليل الخبرة في المختبر إلى نتيجة درامية، سرعان ما أكدتها الدراسات السريرية لتحديد الآثار البيولوجية للإنسولين، ومؤشراته، وجرعاته. وفي أقل من عام، نشرت النتائج التي قدمت العلاج الجديد للعالم. أما براءة الاختراع التي حصل عليها الباحثون الأربعة عن الإنسولين وطريقة استخراجه، فقد بيعت إلى جامعة تورونتو مقابل دولار كندي رمزي لكل باحث.

لكن النزاعات بين الباحثين استمرت. ففي عام 1923 منحت جائزة نوبل في الطب أو علم وظائف الأعضاء لفريدريك بانتنغ وجون جيمس ماكلاود. كان بانتنغ يرى أن الجائزة كان ينبغي أن تمنح لمساعده بيست، ولذلك شاركه في المبلغ المالي، في حين أغضب الأمر ماكلاود بسبب استبعاد لأنه كوليب، فقام هو الآخر بمشاركة جائزته معه.

ظهرت أيضًا وسط هذه الخلافات مطالبات من عدد من الباحثين الذين سبق لهم العمل على موضوع السكري. فقد كان نيكولاس باوليسكو، من رومانيا، قد اكتشف الإنسولين في الواقع قبل بانتنغ وبيست. أما جورج تسويلزر، من ألمانيا، فادّعى أن عمله قد سُرق من قِبل الباحثين في تورونتو. وطالب إرنست لايمان سكوت بالاعتراف بفضل تجاربه الناجحة التي أجراها قبل الكنديين. وكان من الملفت أن الكيميائي الحيوي الأمريكي إسرائيل كلاينر، الذي كان أقرب للنجاح من كل هؤلاء، لم ينضم إلى موجة السخط.

وقد استمر الجدل لسنوات طويلة بعد ذلك، ولا يزال غير محسوم حتى اليوم، مما يجعل من الإنسولين أحد أكثر الاكتشافات العلمية إثارة للجدل. ويكشف كذلك عن الضعف البشري الذي يتسلل حتى إلى أكبر الإنجازات العلمية.

إنسولين معدل وراثيًا من أجل الحياة

في البداية، كان يُعالج السكري باستخدام الإنسولين المستخرج من بنكرياس الخنازير والأبقار. وهو مشابه للإنسولين البشري لكنه ليس مطابقًا له، ما كان يؤدي أحيانًا إلى تفاعلات سلبية. وفي عام 1978، قام هربرت بوير بتعديل بكتيريا الإشريكية القولونية وراثيًا لتنتج الإنسولين البشري، المعروف بـ”هيومولين”، الذي تميّز بكونه أكثر استدامة وأقل تكلفة. واليوم، تنتج الغالبية العظمى من الإنسولين الذي يستخدمه مرضى السكري بواسطة هذه البكتيريا المعدّلة وراثيًا.

ورغم الخلافات والادعاءات المتضاربة، لم تكن النتيجة سوى انتصار مذهل للعلم والإنسانية. لم ينقذ الإنسولين حياة الطفل ليونارد تومبسون فقط، بل أطلق عهدًا جديدًا لمرضى السكري حول العالم. وما بدأ كصراع في قبو أحد المختبرات، تحوّل إلى إنجاز يتجاوز أسماء مكتشفيه، ليصبح ملكًا للبشرية كلها. وربما تبقى هذه القصة تذكيرًا بأن العلم، مثل الإنسان، لا يخلو من التناقضات، لكن عظمته الحقيقية تظهر حين تتحقق الفائدة رغم كل شيء.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!