الطباعة ثلاثية الأبعاد: ثورة تكنولوجية تصنع المستقبل
الطباعة ثلاثية الأبعاد هي تقنية ثورية أعادت تشكيل علاقتنا بالصناعة والإبداع وحتى الرعاية الصحية. لم تعد الطباعة حكرًا على الورق، بل أصبحت وسيلة لإنتاج الأطراف الصناعية، والأدوات المنزلية، بل وحتى الأسلحة. وبينما تنخفض تكلفتها وتزداد سهولة استخدامها، تفتح هذه التقنية الباب أمام مستقبل قد نصنعه بأنفسنا، طبقة فوق طبقة، في منازلنا.
أطراف صناعية تروي قصصًا ملونة
عندما توضع التكنولوجيا في خدمة ليس فقط الصناعة والترفيه، بل أيضًا السعادة، يمكننا عندئذ أن نتحدث، بلا شك، عن التقدم. بدأت الأخبار في عام 2013 تتحدث عن مرضى، أغلبهم من الأطفال، يستخدمون أطرافًا صناعية لليد كانت عملية بل ومسلية أيضًا، ذات ألوان زاهية أو تحاكي شخصيات أبطال خارقين مثل الرجل الحديدي.
وما كان مثيرًا للدهشة أكثر هو أن هذه الأطراف الصناعية لم تكن تكلف سوى عشرات أو مئات من الدولارات، مقارنةً بالأطراف الاصطناعية التقليدية التي قد تصل تكلفتها إلى عشرات الآلاف. وكان وراء هذا الإنجاز أجهزة تعد بأن تصبح شائعة الاستخدام في المنازل كالطابعات أو الحاسوب: الطابعة ثلاثية الأبعاد. وهي آلات قادرة على استخدام ملف يحتوي على تعليمات لإنشاء جسم مادي. كما تفعل طابعة الورق حين تُخرج خطوطًا أو صورًا من برنامج تصميم أو تحرير صور.
كيف تعمل الطباعة ثلاثية الأبعاد؟

لا تقوم الطباعة ثلاثية الأبعاد بالنحت عن طريق إزالة مواد من كتلة، بل تعتمد على ترسيب المادة طبقة بعد طبقة لتكوين الشكل المطلوب.. ولهذا تعرف أيضًا باسم “التصنيع الإضافي”. وقد جسدت هذه الفكرة عمليًا في عام 1984 على يد تشاك هال، الذي سجل براءة اختراع لطريقة تعرف بـ “الاستريوليثوغرافيا“.
تستخدم هذه الطريقة رأسًا ضوئيًا بالأشعة فوق البنفسجية “يرسم” كل طبقة في خزان مملوء بمادة فوتوبوليمر تتصلب عند تعرضها للضوء. ومن ثم تنخفض المنصة ليستمر تكوين الطبقات الواحدة تلو الأخرى. وبعد فترة وجيزة، بدأ استخدام مواد أخرى، من الراتنجات والبلاستيكات إلى المعادن والسيراميك. ووسائط أخرى كالليزر أو الحرارة، وطرق مختلفة كالفوهات التي ترسب المواد مباشرة لتتصلب.
كان أول استخدام لطابعات هال هو تسريع عملية صنع النماذج الأولية في صناعات متنوعة. وهو ما عوّض التكلفة الباهظة للطابعات الأولى التي كانت تصل إلى مئات الآلاف من الدولارات. إذ كانت توفر وقتًا طويلًا كان يستنزف في إنتاج النماذج يدويًا.
كل شيء يمكن طباعته
وقد فجرت هذه الأجهزة موجة من الإبداع. ففي عام 1999، استخدم فريق من معهد “ويك فورست” للطب التجديدي الطباعة ثلاثية الأبعاد لصنع هيكل داعم لمثانة بولية استخدم كأساس لزراعة خلايا مثانة من شاب، ليتمكن من إجراء عملية زراعة باستخدام خلاياه الخاصة. ويعمل هذا المعهد حاليًا على تطوير تقنيات للطباعة الحيوية قادرة على ترتيب الخلايا في تشكيلات ثلاثية الأبعاد، أي “طباعتها” مباشرة. وفي عام 2000، تمكنوا من إنشاء كلية صغيرة الحجم تعمل بكفاءة. بينما نجحت شركة أخرى في طباعة أوعية دموية لأول مرة في عام 2009.
وقد لجأت مجالات الفن والموضة والتصميم وغيرها إلى الطباعة ثلاثية الأبعاد في مشاريع طموحة بشكل متزايد، مثل أول طائرة آلية أو أول سيارة مطبوعة بالكامل باستخدام هذه التقنية، والتي أصبحت بالفعل واقعًا.
أول طابعة ذاتية الاستنساخ

تنخفض أسعار الطابعات ثلاثية الأبعاد بشكل حاد.. وتتزايد إمكانية الوصول إليها بشكل كبير. ومن بين الأنظمة التي ساهمت في ذلك: الطابعات ثلاثية الأبعاد المصممة لإنتاج قطع غيار لطابعات أخرى من نفس النوع. مما يخلق سلسلة من الآلات القادرة على استنساخ مكوناتها البلاستيكية. وهذا ما حققه مشروع للدكتور أدريان بوير من جامعة باث، الذي أطلق أول طابعة ذاتية الاستنساخ، وسميت داروين، في عام 2008.
ويعني انتشار هذا النوع من الأجهزة أن المستهلك بات يمتلك، أكثر من أي وقت مضى، القدرة على الحصول بطريقة ميسرة على منتجات كانت باهظة الثمن أو ببساطة يصعب العثور عليها. وتقدم العديد من المواقع الإلكترونية يوميًا إمكانية تحميل ملفات مجانية للطباعة.. تتراوح هذه الملفات بين قطع شطرنج بأشكال وشخصيات مختلفة، إلى مظلات لعدسات الكاميرات، وأواني زهور، وأغطية لهواتف محمولة. وهذا فقط مجرد بداية.
الطباعة ثلاثية الأبعاد في متناول المستهلك
لم تصبح الطابعات ثلاثية الأبعاد في متناول المستهلك فعليًا إلا في عام 2011، حين ظهرت أولى الآلات التي يقل سعرها عن ألف دولار، إلى جانب توفر طرق تمكّن الشخص من صنع طابعته بنفسه، سواء بشراء المخططات أو من خلال مجموعات تركيب جاهزة.
تتكون الطابعات الموجهة للمستهلك عادة من قاعدة تحوي الحاسوب الذي يستقبل ويفسر المخططات أو التعليمات ويتحكم في العملية، ورأس طباعة مثبت على قضبان تسمح له بالحركة في ثلاثة أبعاد، يعمل على إذابة البلاستيك المزوَّد على شكل خيوط من بكرة، ثم يودعه طبقة طبقة. وكما هو الحال مع الطابعات الورقية، فإن العنصر الأساسي في جودة الطابعة هو دقتها، أي سمك كل طبقة، وهو ما يؤثر في جودة المنتج النهائي. ومن الناحية النظرية، يمكنها إنتاج أي جسم بلاستيكي صغير يتوفر له ملف التصميم المناسب.
أطراف صناعية مطبوعة بخطوة واحدة

تمكن الباحثون في عام 2008 من طباعة ساق صناعية بالكامل باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد، دون الحاجة حتى إلى تجميع أجزائها، مما أتاح لأحد المرضى المشي بشكل طبيعي. وكان ذلك خطوة أولى نحو تقليص التكلفة والوقت اللازمين لتصنيع الأطراف الاصطناعية.
تعد الأطراف الصناعية لليد باهظة الثمن على وجه الخصوص بسبب تعقيدها… أو على الأقل، كانت كذلك. أما الآن، فبإمكان الأشخاص تحميل نماذج لأيدٍ صناعية قابلة للطباعة في المنزل. واستخدم إلكترونيات رخيصة نسبيًا تتيح للمستخدم التحكم بها، مع محركات صغيرة أرخص وهيكل بلاستيكي. وبهذا، أصبحت الأطراف الاصطناعية الحديثة وعالية الجودة في متناول المرضى، بل بأسعار تسمح للبعض بامتلاك أكثر من واحدة حسب الحاجة أو المناسبة – وهو أمر يجذب الأطفال على وجه الخصوص. والمثير أن هذه الأيدي الاصطناعية لا تحاول تقليد اليد البشرية، بل تعلن تفردها بفخر.
لكن الأيدي ليست سوى البداية. ومع تحسن المواد وتراجع تكلفة التكنولوجيا، قد تصبح الاحتمالات في مجال الأطراف الاصطناعية مذهلة إلى درجة طباعة وجه مشوّه باستخدام العظم والغضروف والجلد لإعادة بناء ملامح شخص ما. أو، في مجال أكثر بساطة، قد توفر هذه التقنية حلولًا لمشكلات تبدو تافهة، مثل استبدال صمّام في مضخة مياه كان سيتطلب وقتًا وتكلفة أعلى بكثير. ويمكن القول إننا نتجه نحو مستقبل مطبوع بدرجة كبيرة باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد.
الأسلحة المطبوعة
كل تكنولوجيا قابلة لأن تستخدم في التدمير، كما اكتشف ألفريد نوبل حين تحولت متفجراته التي صممت لشق الأنفاق إلى أدوات حرب. ففي عام 2013، تم نشر ملفات أول مسدس ثلاثي الأبعاد يطلق رصاصة واحدة، وتم تحميلها آلاف المرات فورًا. ورغم أن هذا السلاح لم يستخدم حتى الآن لإلحاق الضرر بأحد، فإن الخبراء يحذرون من أن سوء الاستخدام الحتمي هذا يجب ألا يكون بأي حال من الأحوال ذريعةً لوضع العراقيل أمام تقدم التكنولوجيا.
لم تعد الطباعة ثلاثية الأبعاد حلمًا مستقبليًا، بل واقعًا حاضرًا يعيد تعريف الإنتاج والتصميم والقدرة على التغيير. وبين الأمل في إعادة وجه مشوه، وصنع يد ملونة لطفل، والخوف من مسدس بلاستيكي منزلي، تقف هذه التكنولوجيا عند مفترق طرق بين الإبداع والمسؤولية. فهل نحن مستعدون لاستخدام هذه القوة الجديدة بما يخدم الإنسان لا ما يهدده؟













