ماذا نعرف عن الهيدروجين؟ وقود النجوم ولغز الحياة
حين تنظر ليلًا إلى السماء المرصعة بالنجوم، قد لا تدرك أن كل تلك الأجسام المتوهجة تشترك في سرّ واحد: الهيدروجين. هذا العنصر البسيط، الذي يتكون من بروتون وإلكترون فقط، لا يضيء السماء فحسب، بل قد يحمل مفتاح مستقبل الطاقة للبشرية. في هذا المقال، سنخوض رحلة ممتعة عبر الزمن، من اللحظات الأولى بعد الانفجار العظيم، مرورًا بأول من اكتشف الهيدروجين، وصولًا إلى كيف يمكن لهذا العنصر أن يعيد تشكيل عالمنا اليوم ويؤسس لعصر جديد من الطاقة النظيفة.
النجم الخفي في سماء الليل
نحن نقترب أكثر فأكثر من اليوم الذي سيتم فيه تلبية جزء كبير من احتياجاتنا من الطاقة بواسطة الهيدروجين، أقدم العناصر والأكثر وفرة في كوننا. يعد هذا العنصر واحدًا من العناصر الستة الأساسية التي تجعل الحياة ممكنة، إلى جانب الكربون، والأكسجين، والنيتروجين، والكبريت، والفسفور، وهو حاضر في جميع الجزيئات التي تكوِّن أجسامنا. وتشكل ذراته نحو 10% من كتلة أجسامنا، ومعظمها موجود في الماء، الذي يعد المكوّن الرئيسي لنا. إنه جزء منا وُلِد مع نشأة الكون ذاته.
ليست جميع النجوم في الكون سوى كرات هائلة من الهيدروجين، والتي، بسبب حجمها الهائل، تمر بتفاعل ذري يعرف بالاندماج النووي. حيث تندمج ذرات هذا العنصر لتكوين عناصر أخرى. وكنتيجة لهذا التفاعل، تنبعث كميات هائلة من الطاقة على شكل أنواع متعددة من الإشعاع، من بينها الضوء الذي يتيح لنا رؤيتها.
أقرب فرن اندماج للهيدروجين إلينا هو النجم الموجود في مركز نظامنا الكوكبي: الشمس، والتي بفضل طاقتها توجد الحياة على كوكبنا وتستمر.
قصة ولادة الهيدروجين

كان الكون فتيًا جدًا عندما ظهر هذا العنصر. لم يكن قد مر سوى ثلاث دقائق تقريبًا على الانفجار العظيم.. ذلك التوسع المفاجئ لنقطة تفرد نشأت فيها في اللحظة نفسها كل من الزمان والمكان والمادة، عندما بدأت البروتونات والنيوترونات التي كانت قد ظهرت قبل ذلك بقليل في تكوين نوى محاطة بإلكترون، لتصبح ما يعرف بالهيدروجين الثقيل، وهو أحد الأشكال المتعددة لهذا العنصر. وقد تكوَّن الهيليوم أيضًا أثناء هذه العملية.
وتشير حسابات علماء الكونيات إلى أنه خلال تلك الدقائق الثلاث الأولى من عمر الكون، وجد ما بين 10 و11 ذرة هيدروجين مقابل كل ذرة من الهيليوم. وسرعان ما ظهر أيضًا الهيدروجين العادي، المتكون من بروتون واحد وإلكترون واحد، دون نيوترونات.
مكان الهيدروجين بين العناصر
يعد هذا العنصر أكثر العناصر شيوعًا.. لدرجة أن المادة المرئية في الكون تتكوّن بنسبة تقارب 73% من الهيدروجين و25% من الهيليوم. أما العناصر الأثقل، فلا تشكل سوى نحو 2% فقط من الكون. والجدير بالذكر أن المادة التي يمكننا رؤيتها لا تشكل سوى 23% من مجمل مادة الكون. بينما الـ 77% الباقية من المادة، والتي يجب أن تكون موجودة لكي يتصرف الكون كما نلاحظه، لا تزال غير مرئية لنا حتى اليوم. وتعرف باسم “المادة المظلمة”، وهي ما تسعى العلوم الحديثة لاكتشافها من خلال جهود بحثية ضخمة.
تنحدر جميع عناصر الكون إذن من الهيدروجين، الذي يعد أخفها.. ولهذا يحتل المركز الأول في الجدول الدوري الذي يرتب العناصر حسب خصائصها ووزنها الذري. والوزن الذري هو عدد البروتونات في نواة ذرة كل عنصر. وللهيدروجين الرقم 1.
يندمج هذا العنصر في قلب النجوم ليكوِّن الهيليوم.. ثم يندمج الهيليوم والهيدروجين لتكوين البيريليوم.. وهكذا يتم تكوين باقي العناصر تدريجيًا حتى عنصر الحديد، الذي يحمل العدد الذري 23. أما بقية العناصر، ابتداءً من النحاس (ذو العدد الذري 27) وحتى اليورانيوم، الذي يحتل المرتبة 92 في الجدول ويعد آخر عنصر طبيعي (إذ أن جميع العناصر الأثقل من اليورانيوم من صنع الإنسان)، فإنها لا تتكون في قلب النجوم، بل تتشكل عند انفجار النجوم في ظواهر تعرف باسم “السوبرنوفا” أو “المستعرات العظمى”.
لهذا قال كارل ساجان:
نحن مصنوعون من مادة النجوم.
لحظة اكتشاف النار الكونية

ومع ذلك، وعلى الرغم من ظهوره المبكر، ووفرته، وأهميته الكبيرة، لم يتعرف الإنسان على الهيدروجين إلا في عام 1766. حدث ذلك عندما أدرك البريطاني هنري كافنديش أن هذا الغاز القابل للاشتعال، والذي أنتجه لأول مرة العالم الطبيب باراسيلسوس في عصر النهضة، هو مادة مستقلة ومميزة. وفي عام 1781، اكتشف كافنديش نفسه أن احتراق هذه المادة ينتج ماءً. وهو اكتشاف كان حاسمًا لدحض فكرة أن الكون يتكون من أربعة عناصر فقط. وأخيرًا، في عام 1783، قام الكيميائي الفرنسي أنطوان لافوازييه، بعد أن أعاد تنفيذ تجارب كافنديش، بتسمية هذه المادة التي كانت تعرف آنذاك بـ “الهواء القابل للاشتعال” باسم “هيدروجين”، والتي تعني في اليونانية “مولد الماء”.
من خصائص هذا العنصر، إلى جانب قابليته الكبيرة للاشتعال، أنه أخف بكثير من الهواء. وقد استفاد الفيزيائي الفرنسي جاك ألكسندر سيزار شارل من هذه الخاصية في نفس العام (1783)، ليطلق بالونًا مملوءًا بالهيدروجين بلغ ارتفاعه ثلاثة كيلومترات. وبعد فترة قصيرة، أصبح شارل أول إنسان يطير في بالون يعمل بالهيدروجين.
وفي عام 1800، تم اكتشاف أنه عند تمرير تيار كهربائي في الماء، ينفصل إلى هيدروجين وأكسجين، وهي العملية المعروفة بالتحليل الكهربائي. وفي عام 1839، تم اكتشاف العملية العكسية.. أي خلية الوقود. حيث يتحد الهيدروجين مع الأكسجين لينتج تيارًا كهربائيًا. وقد جُسدت هذه الفكرة عمليًا في عام 1845 عند تصنيع أول “بطارية غازية”.
استخدامات الهيدروجين

تم اكتشاف العديد من الاستخدامات الصناعية للهيدروجين على مر السنين.. في حين تم التخلي عن استخدامات أخرى. فحادثة المنطاد الألماني “هيندنبورغ”، الذي اشتعل أثناء رسوه في نيوجيرسي عام 1937، كانت نهاية استخدامه للطيران، حيث تم استبداله بالهيليوم.
لكن فكرة استخدام الهيدروجين كوقود لم تختفِ، بل تابعت مسيرتها. ففي البرامج الفضائية، تستخدم وقوداته على نحو لافت. إذ يعد الهيدروجين السائل مع الأكسجين السائل مزيجًا يولّد دفعًا قويًا. لكن ما لم يحظ بالكثير من انتباه الجمهور، هو أن رواد الفضاء الذين سافروا إلى القمر في مهمات “أبولو” ومن سبقوهم في “جيميني”، كانوا يحصلون على الكهرباء في الفضاء بفضل خلايا وقود تعمل بالهيدروجين.. وكانت تزودهم أيضًا بالماء الصالح للشرب.
طاقة المستقبل النظيفة
يعد هذا الغاز اليوم أحد أكثر الخيارات الواعدة لتوفير مصدر طاقة نظيف، وغير ملوث، ومتجدد. وقد بدأ بعض مصنعي السيارات بالفعل في تطوير مركبات كهربائية تعمل بالهيدروجين، تمهيدًا للتخلي، في المستقبل القريب ربما، عن السيارات المزعجة التي تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي.
التحدي الأكبر هو جعل هذا النظام أكثر كفاءة.. والعثور على طرق لإنتاج الهيدروجين بتكلفة تنافس الوقود الأحفوري، الذي لا يزال رخيصًا نسبيًا. وقد يبدو هذا غريبًا بالنظر إلى أنه هو العنصر الأكثر وفرة في الكون. لكنه على كوكبنا يوجد غالبًا في شكل مركبات، كما في ماء المحيطات. وحل هذا التحدي قد يمثل بداية عصر جديد تمامًا في تاريخ الحضارة الإنسانية.
الهيدروجين ليس مجرد عنصر كيميائي؛ إنه خيط ناعم يربط بين نشأة الكون وحلم المستقبل. من انفجارات النجوم إلى محركات السيارات، ومن جزيئات أجسادنا إلى وقود مركبات الفضاء، يظل هذا العنصر شاهدًا حيًّا على وحدة الخلق وتنوع الاكتشاف. إن استثمارنا في هذا العنصر لا يعني فقط البحث عن طاقة بديلة، بل هو أيضًا استعادة لوصل ما بين الإنسان والكون، بين الذرة والضوء، بين الحياة وبداياتها الأولى.














ممكن تكتب مقالات في تاريخ
هذا قسم كامل بداخله الكثير من المقالات عن التاريخ http://manthoor.com/category/%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae-%d9%88%d8%a3%d8%ad%d8%af%d8%a7%d8%ab/
قصدي يعني إذا تقدر لوسمحت تكتب مقالات جديدة
هحاول إن شاء الله