الذهب الأسود: وقود الحضارة ومحرك الأزمات
عاش العالم أكثر من قرن مأسورًا بسحر النفط وجبروته، مطوّرًا حضارته على أساس مورد لا يتجدد، وساعيًا لتجاهل الحقيقة التي يعرفها الجميع: أن هذا المورد سينفد. ومع اقتراب النهاية، تتعالى الأسئلة: هل نملك خطة بديلة؟ هل نُحسن وداع الذهب الأسود قبل أن يخذلنا؟ تظل الحقيقة الوحيدة المؤكدة أن حفلة البترول، مهما طالت، لها نهاية… وقد بدأت موسيقاها في الخفوت.
البترول.. الذهب الأسود.. محرّك الاقتصاد.. مصدر الحياة والتلوث.. سبب الحروب ومنقذ الأرواح.. إنه مزيج بشري من التناقضات.
البترول.. تاريخ من التهميش إلى الصدارة
لم يكن البترول الذي أصبح اليوم مصدر قلق يومي سوى فضولًا غير ذي شأن في معظم فترات التاريخ البشري. كان ينساب طبيعيًا من الأرض أو يتسرّب إلى البحيرات والأنهار، مادة ذات استخدامات محدودة. صحيح أنه كان يمكن حرقه، رغم أن رائحته كانت أسوأ بكثير من زيوت أخرى مثل زيت الزيتون. لكن البترول كان يستخدم أساسًا كعلاج. وكان القار – الزفت – يستخدم في سد الشقوق أو عزل السفن عن الماء. وتذكر التوراة أن القطران استخدم كإسمنت في بابل القديمة.. ووفقًا لسفر التكوين في الإصحاح 11، فإن القطران كان المادة اللاصقة أو الإسمنت المستخدم في بناء برج بابل المزعوم.
وقد ذكر المؤرخ هيرودوت، عام 450 قبل الميلاد، وجود بئر في بابل ينتج الملح، والقار، والبترول. كما استخدم الإسكندر الأكبر مشاعل مغموسة في القطران النفطي لتخويف أعدائه. وحوالي عام 100 ميلادية، تحدث بلوتارخ عن نفط يخرج متفجّرًا من الأرض بالقرب من كركوك، فيما يعرف اليوم بالعراق، وهو بلد مزّقته حرب كان للبترول فيها دور رئيسي. وفي الصين، في القرن الرابع الميلادي، استخدم البترول لحرق وتبخير المياه المالحة لاستخراج الملح. وهناك حفرت أولى الآبار النفطية بعمق قد يصل إلى 250 مترًا.
لم يكن البترول المحرك الرئيس للثورة الصناعية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بل الفحم. وهو وقود أحفوري آخر حل مكان الخشب لتوليد البخار الذي أدار الصناعة الناشئة. كما عولج الفحم لإنتاج الغاز وتنقيته، مما أتاح استخدامه في إنارة المدن، الأمر الذي ساعد على نشوء الحياة الليلية في مطلع القرن العشرين في مدن أوروبا والولايات المتحدة.
ميلاد الكيروسين.. لحظة التحول العالمي

بدأ تطور البترول عام 1853، حين ابتكر العالم البولندي إغناسي لوكاسيفيتش طريقة لتقطير البترول واستخلاص الكيروسين منه، والذي كان يستخرج من الفحم آنذاك. كما اخترع لوكاسيفيتش مصباح الكيروسين، الذي كان نظيفًا وسهل الاستخدام وقليل الرائحة مقارنةً بسابقيه. ساهم هذان الابتكاران في ازدهار صناعة النفط في العالم. وظهور الثروات الطائلة والاحتكارات الكبرى.
ومن منتصف القرن التاسع عشر وحتى القرن العشرين، تنوّعت المنتجات المستخلصة من البترول عبر التقطير التجزيئي: من الغازات مثل البروبان، والوقود السائل (من وقود الطائرات والبنزين إلى الديزل)، إلى الزيوت، وحمض الكبريتيك، والقار، والإسفلت، وفحم البترول، وصولًا إلى المنتجات البتروكيميائية.
الانفجار الكبير للذهب الأسود

كان الحدث الأهم في صعود الذهب الأسود إلى صدارة الاهتمام العالمي هو اختراع محرك الاحتراق الداخلي، أو ما يعرف بمحرك الانفجار. ففي عام 1886، سجّل كارل بنز براءة اختراع محرك رباعي الأشواط بدأ من خلاله بإنتاج السيارات، وتبعه عدد كبير من المهندسين الذين طوروا فكرة السيارة والمحرك.
ومع السيارات، والطائرات التي ولدت عام 1905، والمصافي النفطية، بدأ البترول يسيطر حرفيًا على العالم. فالمركبات احتاجت إلى طرق معبّدة (بالأسفلت… المشتق من البترول)، وإلى البنزين والزيوت (من البترول)، وكذلك الطائرات التي احتاجت إلى وقود مشتق من النفط، وهكذا ولدت الصناعة البتروكيميائية.
أما المنتجات غير القابلة للاشتعال من النفط، مثل البروبيلين، والإيثيلين، والبنزين، والتولوين، فقد كانت نواة للصناعة البتروكيميائية. وزادت من القيمة التجارية للبترول، وساهمت في نهم العالم المتزايد له. تحوّل البترول إلى بلاستيكات متعددة الاستخدام، وألياف صناعية مثل النايلون والرايون والبوليستر، التي حلّت جزئيًا مكان القطن والكتان وسواها من الألياف الطبيعية. كما أسهم في إنتاج عبوات رخيصة وعدد هائل من المنتجات الأخرى.
نعمة الحضارة ونقمة التلوث

لكن الجوانب السلبية كانت حاضرة دومًا. فالتلوث الناتج عن احتراق البنزين، والديزل، وسائر أنواع وقود البترول، وكذلك نفايات الزيوت، كان من أكبر مشكلات المئة عام الماضية. وهو ما تطلّب تحسينات في التركيبات والتصاميم لتقليل الأضرار. أما البلاستيكات “الرائعة”، فلها أيضًا وجه مظلم. فهي تحتاج إلى قرون لتتحلل. وقد تنتج غازات شديدة السمية عند حرقها. كما أن عمليات إنتاجها تطلق ملوثات ضارة بالبيئة وصحة الإنسان والحيوان.
ومع ذلك، فإن المشكلة لن تدوم إلى الأبد، لأن البترول سينفد في وقت ما. وفقًا لتقديرات مختلفة، قد يحدث هذا في عام 2057 أو حتى 2094، بحسب قدرتنا على الحفاظ على هذا المورد، وما إذا تم اكتشاف احتياطيات جديدة أم لا. اليوم، تُقدّر الاحتياطيات العالمية من البترول بين 1.4 و2 تريليون برميل، بينما يبلغ الاستهلاك اليومي العالمي حوالي 84 مليون برميل.
موعد مع نضوب الذهب الأسود

نحن أو أبناؤنا المباشرون سيضطرون إلى مواجهة نهاية عصر البترول على كوكبنا. وما سيحدث حينها يبقى رهين التخمين، من المتشائمين الذين يتوقعون كارثة مروعة عند انهيار إنتاج ونقل الغذاء، إلى المتفائلين الذين يثقون بأن شيئًا ما سيحدث ليحل المشكلة، سواء عبر زيادة الوعي العام أو عبر تقدم علمي مفاجئ.
لكننا نعلم أن البترول سينفد، وعندما تصبح كمية الإنتاج اليومي أقل من الاستهلاك اليومي (ما يعني أن النقص سيتفاقم يومًا بعد يوم)، سيبدأ مسار طويل من “الفطام”. ونأمل أن تلعب خلاله مصادر الطاقة الأنظف والمتجددة والأيسر توفرًا دورًا أساسيًا. لكننا لا نعلم يقينًا. ولهذا، فإن كل جهد للحفاظ على هذا المورد مفيد ومطلوب. لقد عاشت البشرية أكثر من قرن غارقة في تناقضات البترول غير المسبوقة. وعليها الآن أن تتقبل حقيقة أن هذه الحفلة لها موعد انتهاء.
الوقود الأحفوري الذي يُحرّكنا
نُطلق على البترول والفحم اسم “الوقود الأحفوري” لأنه ببساطة كذلك. فالبترول تكوّن من أجسام وبقايا عضوية لنباتات وحيوانات عاشت قبل ملايين السنين وغرقت في قاع البحر. وبدفنها تحت كيلومترات من الرمال والرواسب، واحتباسها في الصخور غير المسامية، وتعرّضها لضغوط ودرجات حرارة هائلة، تحلل جزء صغير منها إلى مركبات مكوّنة من ذرات الهيدروجين والكربون، أي الهيدروكربونات.
قد تكون أيام البترول معدودة، لكن أثره سيمتد طويلًا بعد أن يجف آخر بئر. نحن على أعتاب نهاية عصر لم يشهد له التاريخ مثيلًا في التناقضات والتأثيرات. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل نستعد للنهاية بعقلانية ومسؤولية، أم ننتظر أن يطفئ العجز محرك العالم؟













