الصوفية الحقيقة ليست تجارب خارقة للطبيعة

You are currently viewing الصوفية الحقيقة ليست تجارب خارقة للطبيعة
الصوفية والتصوف

الصوفية في الفلسفة تعني الكشف عن الذات والوصول إلى الحرية من خلال الاستبطان والخضوع والتأمل. وربما ارتبط التصوف بالأديان التوحيدية وخصوصاً الإسلام إلا أن الأمر لم يكن كذلك، فالصوفية قديمة قدم الإنسان ذاته على هذه الأرض. في هذا المقال نتعرف سوياً على قصة الصوفية الحقيقية.

معنى الصوفية

يرتبط مصطلح الصوفية بالكلمة اليونانية صوفيا والتي تعني الحكمة. والحكمة هي معرفة مكتسبة من الداخل والخارج. لذلك فإن الصوفية لا تقتصر على المعرفة المكتسبة من الحياة الخارجية فحسب بل من المعرفة الداخلية كذلك. أما التصوف في حد ذاته فهو ليس ديناً ولا حتى عبادة ذات عقيدة مميزة أو محددة. ولا يمكن تقديم تفسير أفضل للصوفية من القول إن أي شخص لديه معرفة بالحياة الخارجية والداخلية هو صوفي. وبالتالي، لم يكن هناك في أي فترة من تاريخ العالم تم التعرف على مؤسس الصوفية، على الرغم من أن الصوفية كانت موجودة في جميع الأوقات.

كلمة أخرى لها دلالة مع الصوفية هي الكلمة العربية صاف التي تعني نقي. فكل المآسي في الحياة تأتي من غياب النقاء، وبما أن النقاء يعني حقاً أن تكون طبيعياً، فإن غياب النقاء يعني أن تكون بعيداً عن كونها طبيعية. يعني الماء النقي أنه لا يختلط به أي مادة أخرى، أي أنه في حالته الطبيعية. وبالتالي، فإن الصوفية هي عملية جعل الحياة طبيعية. يمكن للمرء أن يطلق على هذه العملية ديناً أو فلسفة أو علماً أو تصوفاً، أياً كان ما يرغب فيه المرء. فإن جميع المعلمين الدينيين الذين أتوا إلى هذا العالم في أوقات مختلفة قد جلبوا عملية التطهير هذه في شكل دين. إنها ليست عملية جديدة، إنها نفس العملية القديمة التي منحها الحكماء من جميع الأعمار. إذا تم تقديم أي شيء جديد فيه، فهو الشكل الذي يتم تقديمه به ليناسب فترة معينة من العالم.


التجربة الصوفية

إن التجربة الصوفية هي تجربة يشعر فيها الإنسان انه يفنى في الله أو روح الكون. ونظراً لأن الكثير من الأديان كان تفصل الله عن جميع مخلوقات فإن هذه المسافة الشاسعة التي أقامتها هذه الأديان لا وجود لها لدى الصوفي. حيث إنه دائم الشعور بأنه متوحد من الإله ويفنى فيه.

أما الفكرة التي تستند عليها هذه التجارب الصوفية هي أن ما نطلق عليه “الأنا” ليست هي الأنا الحقيقة للإنسان. فهي مجرد جزء صغير جداً من الأنا العليا “الأكبر” التي يطلق عليها الصوفيون الله. لكن لا يؤمن كل الصوفيين بالله بل هناك من يعتقد حينما يمر بهذه التجربة أنه يتحد مع روح الكون أو الطبيعة. ولكن مهما تعددت المسميات فإن الفكرة واحدة وهي الإتحاد مع شيء أكبر يفنى فيه الانسان ويفقد فيه روحه ويتلاشى مثلما تفقد قطرة الماء ذاتها عندما تصبح جزءاً من المحيط الشاسع.

ومن هذا المنطلق نجد أن العديد من الصوفيين يصفون هذه التجربة بقولهم: ” عندما كنت لم يكن الله، وعندما كان الله لم أكن أنا”. أو على حد قول الصوفي المسيحي أنجليوس سيليسيوس: “كل نقطة تصبح البحر عندما تصب فيه؛ مثل الروح تظل تصعد في مرتقاها حتى تصبح الله”.

ربما يتخيل الكثير منا أن فقدان الذات واندماجها في ذات أكبر هو أمر غير مستحب، لكن المسألة لم تكن كذلك على الإطلاق فما تكتسبه وتشعر به عندما تندمج في روح أكبر يكون بمثابة الوصول إلى أنك تمثل الكون كله وليس نفسك فحسب. وإذا كان هذا أمراً غريباً نظراً لأنك لم تجربه فإن العزاء الوحيد أنك سوف تفقد ذاتك في يوم من الأيام شئت أم أبيت وذلك عند الموت. لذا فإن الأنا الحقيقة التي تكتسبها عند الاتحاد مع الله او مع روح الكون تكون بمثابة نار غامضة تظل مشتعلة إلى الأبد.

اقرأ أيضًا: ذو النون المصري: مؤسس أول مدرسة للتصوف في مصر


كيف تحصل على تجربة صوفية

يتساءل الكثير عن كيفية الحصول على هذه التجربة الرائعة كما وصفها الذين خاضوها بالفعل، لكن هذا النوع من التجارب الصوفية لا يأت دوماً من تلقاء نفسه. حيث ينبغي على الراغب في الوصول إلى هذه المرتبة أن يسير في طريق طويل يمتلئ بالمصاعب والعقبات. فهو يتوجب عليه تظهير النفس من كل الشوائب العالقة بها والزهد في الحياة، وكذلك السير في طريق طويل نحو تعلم المعرفة من أجل استنارة البصيرة، وفي نهاية هذا الطريق تستطيع الاتصال بالله.

لذا فإن السبيل الوحيد للوصول إلى هذه بعد اتباع هذه القواعد هو اتباع أسلوب حياة بسيط للغاية وممارسة الطرق المختلفة من التأمل الباطني. ومن هنا يمكن للصوفي أن يصل في النهاية إلى الاندماج مع الله في تجربة صوفية لا يمكن نسيانها. لكن البعض منا يشكك في هذه التجارب الروحية الصوفية، فهل هل حقيقية أم إنها مجرد خيال من نسج العقل؟


حقيقة التصوف

هنا لا يمكننا الجزم بهذه المسألة إلا أننا نصادف هذه التجارب الصوفية في كل أديان العالم تقريباً. وأهم ما يلفت الانتباه في الروايات التي يرويها الصوفيون أنفسهم بشأن هذه التجارب أنها تتشابه جميعاً بغض النظر عن الدين الذين ينتمي اليه الصوفي. وهذا التشابه الملموس يتجاوز ما قد يكون بينها من فروق ترجع إلى اختلاف الثقافات. فالخلفية الثقافية لكل صوفي لا تظهر بوضوح إلا عندما يحاول تقديم تفسير ديني أو فلسفي لهذه التجربة التي خاضها.

على سبيل المثال نجد في معظم أديان التوحيد الإسلام والمسيحية واليهودية أن الصوفي حينما يخوض تجربته الروحية يؤكد أنه قد اندمج بإله متعالي على العالم. في حين يؤكد الصوفيون الهندوس أو البوذيين مثلاً على أنهم يتحدون مع روح الكون أو الطبيعة.

لكن هذه التجارب الصوفية لا تقتصر على الأديان فحسب، بل هناك العديد من الأشخاص في عصرنا الحالي يؤكدون على خوضهم مثل هذه التجارب الصوفية دون أن يكونوا منتمين إلى دين بعينه. فيرون انهم يشعرون فجأة بشيء يسمونه “الوعي الكوني” أو “الشعور الاثيري” لقد شعروا إنهم انتزعوا خارج نطاق الزمن وخبروا تجربة الحياة من منظور الأبدية. وربما نرى هذه التجارب جلية في تجارب الاقتراب من الموت. على الرغم من العلم الحديث مازال يحاول تقديم تفسير علمي لهذه التجارب التي تتشابه عند جميع البشر تقريباً.

اقرأ أيضًا: رابعة العدوية: حكاية المرأة التي رسمت معالم الصوفية


المذاهب الصوفية

لقد كانت الصوفية موجودة إذن على مدار تاريخ الانسان على هذه الأرض. إلا أننا لا نستطيع الجزم ببدايتها. ومع ذلك هناك العديد من المذاهب أو المدارس الصوفية التي اقتصرت على فئة معينة منذ زمن النبي إبراهيم. وقد يُطلق على الكثير منها مدارس صوفية. حيث استوعبت المدارس الصوفية في الجزيرة العربية الثقافة العربية وكانت ميتافيزيقية إلى حد كبير. بينما طورت المدارس الصوفية في بلاد فارس الجانب الأدبي، وطوّرت المدارس الصوفية في الهند فكرة التأمل الباطني. لكن الحقيقة والمثل بقيا على حالهما، وهما بمثابة الموضوع المركزي للصوفية في كل هذه المدارس. ويوجد في وقتنا الحالي العديد من هذه المدارس ولكل مدرسة منها أتباع بالملايين.

يعتقد الصوفيون أن الحكمة لا تنتمي إلى أي دين أو عرق معين، بل للجنس البشري ككل. إنها ملكية إلهية ورثتها البشرية؛ وفي هذا الإدراك، لا يزال الصوفيون، على الرغم من انتمائهم إلى جنسيات وأعراق ومعتقدات مختلفة، يتحدون ويعملون من أجل الإنسانية في مثال الحكمة.


ما هي الصوفية الحقيقية

قد يعتقد المرء أنه من خلال الروحانية، من المفترض أن يتعلم المرء شيئاً لم يكن يعرفه من قبل، وأن على الإنسان أن يكون أخلاقياً وزاهداً بشكل غير عادي من أجل أن يكتسب بعض القوى غير العادية أو أن يكون لديه تجارب من نوع خارق للطبيعة. لكن الصوفية لا تعد بأي من هذه الأشياء. لكن الصوفية الحقيقية هي عملية إدراك المرء لطبيعته الخاصة وطبيعته الحقيقية، وبالتالي إدراكه للطبيعة البشرية. ومن خلال دراسة الطبيعة البشرية يدرك المرء طبيعة الحياة بشكل عام. فكل الإخفاقات وخيبات الأمل والأحزان ناتجة عن عدم وجود هذا الإدراك. بينما يتم اكتساب كل النجاح والسعادة والسلام من خلال إدراك طبيعته الخاصة.

اقرأ أيضًا: عمر بن الفارض: سلطان العاشقين الذي حاول الوصول للحقيقة العليا


المنهج 

باختصار، التصوف يعني معرفة الكينونة الحقيقية للفرد، ومعرفة الغرض من الحياة، ومعرفة كيفية تحقيق هذا الهدف. فعندما يكون الإنسان هو نفسه، يكون العالم كله ملكه؛ وعندما لا يكون هو نفسه، فحتى هذه الذات لا تخصه. ثم لا يعرف من هو ولا مكان وجوده ولا سبب وجوده هنا على الأرض. إذاً فهو أقل فائدة لنفسه وللآخرين من الصخرة.

في إدراك الذات يتركز سر الحياة كلها. إنه علاج لجميع الأمراض. وهي سر النجاح في كل مناحي الحياة. إنه دين وأكثر من دين. وفي هذا الوقت الذي ينزعج فيه العالم كله، تنقل الرسالة الصوفية للعالم الرسالة الإلهية. لذلك لا شيء يمكن أن يلبي حاجة البشرية إلا هذه السيرورة التي يقوم بها الحكماء والحكماء في كل العصور، والتي تقود النفوس إلى تحقيق الذات.

إن أسلوب الإصلاح العالمي الذي تبنته المؤسسات المختلفة اليوم ليس منهج الصوفية. يعتقد الصوفيون أنه إذا كان الشر معديًا، فيجب أن يكون الخير أكثر من ذلك. فكل نفس تبحث عن الخير، وبجهود الأفراد الذين يرغبون في فعل الخير في العالم يمكن فعل الكثير، حتى أكثر مما يمكن أن تحققه مؤسسة مادية. لا شك أن هناك مشاكل سياسية وتجارية يجب حلها من أجل الصالح العام. ولكن هذا لا يجب أن يمنع الأفراد من التقدم، لأن تقدم الفرد عبر الطريق الروحي هو وحده هو القادر على إحداث الحالة المرغوبة في العالم.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك