علوم

الجهاز العصبي: الأسلاك الخفية التي تحرّكنا

يوجد بداخلنا نظام بالغ الدقة والتعقيد: الجهاز العصبي. كان هذا الجهاز معنا قبل أن ندرك العالم، أو نفكر في ذواتنا، أو نتحرك نحو هدف. إنه الشبكة التي تصلنا بالعالم، وتترجم الضوء إلى رؤية، والحرارة إلى شعور، وتحول قرارًا داخليًا إلى حركة عضلية. لكنه ليس مجرد آلة بيولوجية، بل نتاج رحلة تطور طويلة بدأت منذ مئات ملايين السنين، حين تعلمت الخلايا لأول مرة أن تتواصل بالكهرباء.

كيف يعمل الجهاز العصبي؟

جهازنا العصبي المعقد، نافذتنا إلى العالم وأساس شخصيتنا. وهو نتيجة لما لا يقل عن 600 مليون سنة من التطور الذي لم نفهمه بالكامل بعد. يتكون جزء بالغ الأهمية من كياننا من خلايا تدعى العصبونات. وهي تستجيب للمحفزات البيئية: الضوء، درجة الحرارة، الصوت، الحركة، ملمس الأشياء، الرائحة… وتتواصل مع خلايا أخرى تنقل المعلومات إلى مراكز التفسير والمعالجة في أدمغتنا، والتي بدورها تتخذ قرارات أو تصدر أوامر بالحركة. وعندما نقدم على فعل ما، تنقل عصبونات أخرى المعلومات إلى أنسجة مثل العضلات، فتحفزها على الانقباض أو الاسترخاء.

هذه هي خلايا الجهاز العصبي.. الأداة التي نتفاعل بها مع العالم الخارجي، بل وحتى مع عالمنا الداخلي، من خلال أنظمة إنذار مثل الألم أو التهيّج… أو أنظمة المتعة، مثل تذوق طعام لذيذ يرضينا. يمكننا القول إن دماغنا، مركز المعالجة واتخاذ القرار، هو الآلية الأعقد التي نعرفها في الكون بأسره.

لكننا لا نعرف تمامًا كيف يعمل. لقد حددنا وظائف بعض مناطقه.. واكتشفنا كيفية انتقال النبضات العصبية من خلية إلى أخرى عبر مواد تسمى النواقل العصبية.. لكننا لا نزال بعيدين جدًا عن الفهم الكامل لهذا العضو الذي يشكل، في نهاية المطاف، جوهر ذواتنا. لكن، وبصرف النظر عن كيفية عمله، فإن هناك لغزًا آخر لا يقل إثارة: كيف تطور؟

البدايات المتواضعة

مكونات الجهاز العصبي
طريقة عمل الجهاز العصبي

يحتاج كل كائن حي متعدد الخلايا إلى وسيلة لإدراك بيئته، ولتنسيق عمل خلاياه حتى يتمكن من أداء وظائفه، وهذا هو الجهاز العصبي. فقط الحيوان الأكثر بدائية، الإسفنج، هو ما يفتقر إلى جهاز عصبي. فالنشاط الوحيد للإسفنج هو ترشيح المياه المارة عبره. حيث تلتقط كل خلية غذاءها بنفسها. ولكن لوجود نشاط حركي منسق، لا بد من وجود عصبونات.

تدرك جميع الخلايا بيئتها وتستجيب لها بطرق مختلفة. الكائنات وحيدة الخلية ذات الأهداب، على سبيل المثال، تتحرك باتجاه الضوء أو الطعام، وتبتعد إذا شعرت بمواد سامة. ولكن الكائنات متعددة الخلايا احتاجت إلى تخصيص خلايا معينة وتحويلها إلى أنسجة لأداء وظائف محددة، مثل الحركة أو الهضم أو نقل الإشارات.

قد تكفي بضع خلايا عصبية للبقاء على قيد الحياة.. كما هو الحال لدى الديدان الأسطوانية الشفافة الصغيرة المسماة “الربداء الرشيقة”. تمتلك الأنواع الخنثى من هذه الديدان 302 خلية عصبية فقط، ومع ذلك تتمكن من البقاء والقيام بوظائفهم. قد تبدو هذه الخلايا قليلة إلى أن نكتشف أن كل واحدة منها تحتوي على 959 خلية فقط (يزيد العدد إلى 1031 عندما تصبح ذكورًا).

يبدو التماثل في طريقة عمل الخلايا العصبية لدى جميع الحيوانات دليلاً على أن هذه الخلايا العجيبة تنحدر كلها من سلف مشترك. وأحد أفضل المرشحين ليكون ذلك السلف هو كائن شبيه بالديدان يعرف باسم (Urbilaterian) عاش قبل نحو 600 مليون سنة.

الشبكة العصبية الأولى

أبسط جهاز عصبي هو ما يعرف بـ “الشبكة العصبية” لدى حيوانات مثل قناديل البحر أو شقائق النعمان البحرية (وهي تنتمي إلى شعبة اللاسعات). ففيها تشكل العصبونات نظامًا منتشرًا. حيث يؤدي تحفيز أي منها إلى نقل الإشارة إلى جميع العصبونات الأخرى، التي تتواصل أيضًا في كلا الاتجاهين. ويفترض أن هذا هو الشكل الأولي للجهاز العصبي في الحيوانات الأولى.

ومع تطور الكائنات، أصبحت الاتصالات العصبية أكثر توجّهًا أو استقطابًا، أي أنها بدأت تسير في اتجاه واحد فقط: تنتقل النبضات البصرية تنتقل عبر عصبوناتها من العينين إلى القشرة البصرية فقط، وليس العكس. وهناك عصبونات أخرى مسؤولة عن تحريك العين أو تضييق الحدقة، لكنها لا تتلقى معلومات بالمقابل.

كيف ظهر الرأس؟

ومن السمات اللافتة في التطور العصبي للكائنات أنه يُفسّر لنا كيف ظهر الرأس. في عوالم الخيال العلمي أو الفانتازيا، قد نتخيل كائنًا له عيون في صدره أو حاسة الشم في مرفقيه… أو حتى دماغ بجانب الكبد. لكن الواقع أن الحيوانات تميل إلى تجميع حواسها في الرأس. تعرف هذه الظاهرة باسم التمركز الرأسي، أي تركيز الأعضاء الحسية (كالعيون والأنف والأذنين) وأهم جزء عصبي (الدماغ) في الرأس. ويعتقد أن سبب ذلك هو أن الكائنات الحية تتحرك إلى الأمام، لذا فمن المفيد أن تكون الحواس في المقدمة لتقييم البيئة المحيطة بسرعة وفعالية.

ومع ازدياد تعقيد الشبكات العصبية وتخصصها، بدأت تنتظم في حبال عصبية. أما الحيوانات ذات التماثل الجانبي (أي أن الجانب الأيسر منها هو صورة مرآوية للجانب الأيمن)، فقد ركزت هذه الحبال العصبية في بنية تعرف باسم الجهاز العصبي المركزي. وفي الفقاريات، تطورت حول هذا الحبل العصبي حماية على هيئة العمود الفقري.

الطريق الطويل نحو الإنسان العاقل

وظيفة الجهاز العصبي
تاريخ تطور الجهاز العصبي

مر الطريق التطوري لجهازنا العصبي عبر الثدييات الأولى الصغيرة، التي كانت تعيش مختبئة بين أقدام الديناصورات قبل حوالي 225 مليون سنة، وكانت تملك أدمغة صغيرة جدًا كدماغ الزباب (حيوان يشبه الفأر)، الذي لا يتجاوز وزنه عُشرَي غرام. ومع مرور الزمن، بدأت القشرة الدماغية بالتوسع، ونما حجم الجمجمة تدريجيًا حتى بلغ شكله الحالي — وهو الشكل الأكثر تطورًا بين الرئيسيات — قبل نحو 100 ألف عام فقط.

نحن، إذًا، نوع حديث نسبيًا، نحمل في جماجمنا دماغًا يزن نحو كيلو ونصف، رمادي اللون ومجعّد المظهر، بسبب طيّات القشرة الدماغية التي يعتقد أنها تزيد من مساحتها وتكثف الاتصالات العصبية بين خلاياها.

وأخيرًا، من المفيد أن نتذكر دائمًا أن الدماغ، رغم كونه مركز الشخصية والإرادة والإدراك، فإن الجهاز العصبي هو أيضًا من يتحكم في كل ما يفعله جسمنا دون وعي منا: نبض القلب، والتنفس، وتوتر العضلات، وحركة الأعضاء الهضمية، وإفراز الهرمونات، والجوع، والدافع الجنسي، وكل ما نكون عليه.

الجهاز العصبي ومئة مليار خلية

يتكون الجهاز العصبي البشري مما يقارب مئة مليار خلية عصبية، مرتبطة فيما بينها بما يقدر على الأقل بتريليون وصلة، وهي التي تمكننا من استخدام أدوات الطعام، أو حل معادلات ميكانيكا الكم، أو تسديد كرة قدم بدقة نحو زاوية المرمى، أو كتابة قصيدة، أو احتضان من نحب، أو بناء طائرات أكثر أمانًا. وهو الهيكل العصبي الوحيد المعروف في الكون الذي يحاول فهم نفسه.

وفي النهاية، لسنا مجرد أجساد تتحرك، بل شبكة من الخلايا العصبية التي تنسج وعينا وخيالنا وذكرياتنا. كل نبضة قلب، كل شعور، كل قرار… هو صدى لموجة كهربائية عبر ممرات خفية بناها الزمن. إن فهم الجهاز العصبي لا يُخبرنا فقط عن كيف نتحرك أو نفكر، بل يكشف الستار عن أعظم سؤال: من نحن؟

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!