علوم

الكيراتين: هندسة الطبيعة للدفاع والزينة

يوجد في عالمنا ما لا يعد ولا يحصى من الكائنات الغريبة والتراكيب المعقدة، لكن هناك جزيء واحد يتسلل إلى كل ركن من أركان المملكة الحيوانية، من أظافر الإنسان إلى مناقير الطيور، من قرون الوحوش إلى ريشها الملون، من شعر الرأس إلى حراشف الزواحف. إنه الكيراتين.. تلك المادة العجيبة التي تخبئ في بنيتها أسرارًا عن الجمال، والقوة، والبقاء. فهل تساءلت يومًا لماذا لا يتحلل الشعر بعد الموت؟ أو ما الذي يجعل شعرك أملس كالحرير أو مجعدًا كزنبرك معدني؟ تعال نستكشف معًا هذه المادة السحرية التي تختبئ في تفاصيل أجسامنا دون أن نشعر.

ما هو الكيراتين؟

الكيراتين هو جزيء غير قابل للتدمير تقريبًا، يربط بين معظم الكائنات الحية. وقد استخدم على مدار التطور لأغراض متنوعة للغاية بما في ذلك المظهر الجيد.  الشعر.. الريش.. سطح مناقير الطيور.. قرون وحيد القرن وغيرها من الحيوانات، كلها تشترك في سمة واحدة مع كل الشعر والصوف، والأظافر، والمخالب، والطبقات العليا من الجلد، والحوافر في مملكة الحيوان. ويمكن أن نضيف إلى ذلك أيضًا حراشف الزواحف وأصداف السلاحف. تتكون جميع هذه التراكيب من أشكال مختلفة من عائلة من المواد الليفية البنيوية تعد ضرورية لأجسام الثدييات والطيور والزواحف: الكيراتينات.

تتميز الكيراتينات بتراكيب كيميائية متنوعة تعتمد على قاعدة مشتركة.. وتكسبها النسب المختلفة لبعض الأحماض الأمينية خصائص تجعلها إما قاسية جدًا، كحوافر الحصان، أو مرنة وحريرية مثل شعر الطفل، مما يتيح لها أداء وظائف متعددة: كأسلحة، أو لحماية الأرجل أثناء المشي، أو كعازل دافئ، وغيرها. وعلى الرغم من أننا نطلق عليها اسم بروتينات، فإن العلماء يفضلون تسميتها بـ “متعدد ببتيدات”، لأنها تحتوي فقط على ما بين 10 و100 حمض أميني، في حين تعتبر البروتينات الحقيقية تلك التي تتجاوز 100 حمض أميني.

تندر هذه البروتينات في البرمائيات. ولا توجد إلا في الضفادع، وفي الأماكن التي يتعرض فيها جلدها لتآكل كبير، مثل الفم. أما لدى الأسماك، فهناك فقط بعض الأنواع التي تمتلك أسنانًا مكونة من الكيراتين. أما حراشفها، وعلى عكس الزواحف، فقد تكون مكونة من بنيات شبيهة بالعظام، أو العاج (وهو نفس المادة التي تحمي أسناننا)، أو مينا يعرف بـ “الفيترويدنتين”، أو الكولاجين، أو غيرها من المواد.

مادة شديدة الصلابة

وظيفة الكيراتين في الجلد
ماذا نعرف عن الكيراتين؟

من وجهة نظر كيميائية، الكيراتين جزيء صلب وغير قابل للذوبان تمامًا. ويتكون من سلاسل من الأحماض الأمينية مثل الليسين، والأرجينين، والسيستين، على شكل روابط ثنائية الكبريت (ثنائي الكبريتيد). وهي ترتب في صفائح متوازية تكون تجمعات شديدة المقاومة.

المادة الوحيدة المشابهة لها في عالم الحيوان هي الكيتين، التي تكون الهيكل الخارجي لمفصليات الأرجل، من القريدس حتى الذباب. ويشهد على مرونة الكيراتين ما نلاحظه في الجثامين المستخرجة بعد مئات السنين. حيث يبقى الشعر والأظافر محفوظة من حولها. ويعزى ذلك إلى أن عددًا قليلاً فقط من أنواع الفطريات والبكتيريا يمتلك البروتينات اللازمة لهضم أو تحليل الكيراتين.

ومن المثير للاهتمام، أن وجود الكبريت في روابط السيستين الثنائية هو المسؤول عن الرائحة الكريهة التي تنبعث عند احتراق الكيراتين، سواء أكان شعرًا أو قرنًا أو أظافرًا.

دورة حياة الكيراتين في الجلد

يتكون الجلد من عدة طبقات من الخلايا، تتشكل في أعماقه وتنتقل تدريجيًا نحو السطح. في البداية، تكون الخلايا جزءً من الأدمة، وهي التي تحمي أجسامنا وتمنح الجلد مرونته. ومع مرور الوقت، تنتقل هذه الخلايا إلى الطبقة العليا، وهي البشرة، وتكتسب اسمًا جديدًا نتيجة تغير وظائفها، فتصبح “خلايا كيراتينية”. تتكوّن البشرة من عدة طبقات، وأثناء صعود الخلايا نحو السطح، تبدأ بالتقرن من خلال إنتاج كميات متزايدة من الكيراتين، إلى أن تفقد أنويتها وأعضائها وتموت.

تعرف تلك الطبقة العليا من الجلد باسم “الطبقة القرنية”، لأنها تتكون بالكامل من الكيراتين الناتج عن الخلايا الميتة. وهي التي تحمينا من العوامل الخارجية والماء. كما تشكل الكيراتين التقرنات الجلدية (النسيج السميك) كرد فعل على الضغط أو الاحتكاك الزائد في منطقة معينة من الجلد، مثل أطراف أصابع عازفي الجيتار وغيرهم من الموسيقيين الذين يستخدمون الآلات الوترية، أو شفاه من يعزفون آلات النفخ مثل البوق، أو أيدي العمال الذين يمارسون أعمالًا يدوية مكثفة. التقرنات هي كيراتين.

شعر أملس أم مجعد؟

ما هو الكيراتين؟
كيف يكون الشعر أملس وكيف يكون مجعد؟

يتكون الشعر من نوع آخر من الكيراتين القادر على تشكيل خيوط طويلة تغطي أجسام العديد من الحيوانات، رغم أننا، نحن “القرود العارية” كما وصفنا عالم السلوك ديزموند موريس، يعد الشعر الأهم لدينا هو ذاك الذي ينمو في رؤوسنا.

ومن أبرز خصائص الشعر أن كل شعرة من حوالي 100,000 شعرة على رؤوسنا (إلا إذا كنا نعاني من شكل من أشكال الصلع) يمكن أن تكون مستقيمة وناعمة تمامًا أو مجعدة بإحكام مثل لولب. ويعود هذا الاختلاف إلى شكل بصيلات الشعر، وهي الأعضاء الدقيقة في البشرة التي تنتج كل خصلة شعر، والزاوية التي تنمو بها بالنسبة للجلد.

أما بصيلات الشعر الدائرية التي تنتج شعرًا ينمو بشكل عمودي تقريبًا على فروة الرأس، فتؤدي إلى شعر مستقيم تمامًا. إذا كانت بصيلات الشعر بيضاوية الشكل ومستطيلة جدًا، وكان الشعر ينمو بزاوية حادة جدًا، يكون الشعر مجعدًا. ولا يمكن تغيير هذا الأمر، لأن شكل الجريبات الشعرية محدد وراثيًا، أي أنه نتيجة لتركيبة الجينات التي ورثناها من الأب والأم. وبشكل عام، يعتبر الشعر المجعد سمة وراثية سائدة على الشعر الأملس، أي أنه إذا كان أحد الوالدين يمتلك شعرًا مجعدًا، فمن المحتمل أن يرث الأبناء هذه الصفة.

الجانب المظلم للكيراتين

ومن الجدير بالذكر، أن هناك العديد من المنتجات والمواد الغذائية التي تدعي احتواءها على الكيراتين، وتعد بأن تزود شعرنا بهذه المادة لجعله أقوى وأكثر كثافة وجاذبية. إلا أن الجهاز الهضمي البشري غير قادر على هضم الكيراتين، لأنه لا يملك الإنزيم اللازم (بروتيناز ك) لتحليل الكراتين. كما لا يستطيع امتصاصها لنقلها إلى الشعر، بل يتم التخلص منها عبر البراز. وهذا ما يفسر أيضًا تشكل كرات الشعر في المعدة لدى من يعانون من اضطراب “أكل الشعر”، وكذلك بعض الحيوانات، وهي كرات قد تتطلب تدخلًا جراحيًا لإزالتها.

ومن التساؤلات الكبرى التي يبدو أنها حسمت مؤخرًا بخصوص هذه المادة المقاومة، أن مناقير بعض الديناصورات كانت على ما يبدو مصنوعة من الكيراتين، وهي ميزة تطورية حسّنت من استقرار الجمجمة أثناء التغذية، ونقلوها إلى نسلهم: الطيور.

قرن وحيد القرن

قرن وحيد القرن، الذي نسبت إليه خرافات كثيرة منحته صفات سحرية وتسبب في ملاحقة هذا الحيوان وصيده غير المشروع، ليس مكونًا من نواة عظمية مغطاة بالكيراتين، كما هو الحال في قرون الأبقار والماعز والظباء. لكنه أيضًا ليس مجرد كتلة من الشعر كما كان يعتقد سابقًا. بل هو مكون من الكيراتين، تمامًا كحوافر الخيول، ويحتوي على ترسيبات من الكالسيوم تمنحه القوة والصلابة. وبالطبع، ليس له أي تأثير منشط جنسي.

وفي النهاية الكيراتين أكثر من مجرد بروتين؛ إنه وثيقة حية تروي كيف خلقنا لنقاوم، لنزدهر، ولنتجمل. وبينما نلاحق مستحضرات العناية والتجميل بحثًا عن أسرار الجمال، لعل السر الحقيقي كان دومًا بداخلنا، في خيط دقيق لا يُرى… لكنه لا يُنسى.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!