مس من الجنون

You are currently viewing مس من الجنون

قصص حزينة: مس من الجنون – قصة قصيرة

الموت لا يفرق يا صديقي

في هذا الشتاء القارس كان يجلس أمام نافذة منزله المتواضع المُطل على شاطئ البحر. يرنو إلى المدى البعيد. يحتسي قهوته الصباحية، ويستمع إلى أصوات الموسيقى الخلابة التي تصدر من مذياعه. بينما اعتاد على قضاء بعض الوقت في الشتاء في هذا المكان المنعزل بعيداً عن ضجيج الحياة وصخب البشر. بلا تلفاز ولا صحف. يقضي فترة من الراحة والاسترخاء من جميع ضغوط الحياة.

نظر إلى نافذته المطلة على العالم الواسع، وشرع يتحدث إليها في ابتسامة: يا لك من قوية. تصمدين أمام غارات الشمس وتواجهين الغبار والرياح العاتية. تفعلين أشياء لا أقوى على فعلها. من خلالك أرى العالم ببحاره وأشجاره وطيوره.

في تلك اللحظة قطع تأملاته صوت اهتزاز شجرة السنديان المجاورة لنافذته. حركة غير طبيعية بها. بينما لم يكن عصفوراً أو طيراً شريداً يُحلق فوقها. نهض لرؤية ما بها، فوقعت عيناه عليها. تلك الفتاة الشابة المفعمة بالحياة، تتسلق الشجرة برشاقة في رحلة للبحث عن طائرتها الورقية التي عُلقت بها. حملت الطائرة واتخذت مقعدها على أحد الأغصان. بينما شرعت في الغناء بصوت ندي جذب إليها العصافير. ابتسم في وجهها وقال لها: عليكِ الحذر حتى لا تسقطين!
أجابته بعفوية: وماذا يحدث لو سقطت؟
– ما زلت في مقتبل العمر يا صغيرتي.
– الموت لا يُفرق يا سيدي.

تفكر قليلاً في حديثها، وتلك البهجة المرتسمة على وجهها الصبوح. كم تمنى لو أنه يستطيع فعل ما تفعله، ويجلس مثلها على غصن الشجرة. بينما مضت الدقائق وهمت بالنزول لأسفل، وكانت عيناه تراقبها، حتى وصلت إلى الشاطئ وراحت تخطو برشاقة على الرمال البيضاء وهي تلهو بطائرتها الورقية، وتداعب موج البحر بأقدامها، حتى اختفت عن ناظره.


مس من الجنون

مس من الجنون - قصة قصيرة مؤثرة وحزينة

في صباح اليوم التالي كان يجلس كعادته قرب النافذة حينما سمع صوتاً يتحدث إليه من خلال شجرة السنديان ويقول: كان الطريق طويلاً لأعلى. إنها أعلى مسافة وصلت إليها، أتدري؟  كلما ازددت علواً، كلما شعرت كم أنّ شذى النسيم أروع هنا.

نظر ناحية الصوت وقال في ابتسامة: أنتِ مجدداً؟
قالت له: منذ زمن بعيد وهذه البقعة هي المفضلة لدي. يمكنني الجلوس هنا لساعات، كي أنظر إلى العالم بنظرة مختلفة، وأتذكر ما كان يقوله والدي قبل أن يموت.
سألها بابتسامة: وماذا كان يقول والدكِ؟
– أن الكامل أفضل من مجموع أجزائه، ولم أر العالم كاملاً إلا من هنا، ولم أُدرك المعنى سوى في تلك اللحظة التي أصعد فيها إلى هنا، وقد انتقلت فكرته من رأسي إلى قلبي.

كان حديث الفتاة رائعاً شهياً. أعاد إليه ذكريات الماضي الجميلة، حينما كان في أوج شبابه. كان من الممكن له أن يفعل ما تفعله الفتاة الآن. لكنه كان يخشى من كل شيء، يخشى صورته أمام الناس، أمام الأهل. لطالما تمنى أن يحيى على هواه، بحرية مطلقة. يختار ويفعل ما يريده دونما اعتبار لأى شيء. قالت له الفتاة وهي تنزل في طريقها للمغادرة: ستتناول الغداء معي اليوم.

لم يعهد من قبل مثل هذه الجرأة، وقبل أن يُبدي موافقته أو اعتراضه سألته: لكن ما الذي يدعوك إلى قضاء الوقت في هذه البلدة النائية في ذلك الوقت من العام؟
– أشعر بالراحة هنا حينما لا يكون هناك بشر.
– هل ستتناول الغداء معي؟
لم يستطع الرد، ولكن في الموعد المحدد كانت تقف تحت نافذته وتُصدر صفيراً بفيها. ابتسم وخرج في صحبتها إلى المطعم. تناولا الغداء، وعندما همّا بالرحيل، كانت تسير بجواره وهي تغني وتتراقص على إيقاع نسائم الهواء وتلاطم الأمواج. أمسكت بيده لتسحبه كي يراقصها، لكنه رفض بشدة والابتسامة على وجهه. قال لها: لم أفعلها وأنا شاب أأفعلها الآن؟!
– وما المانع؟! الحياة أقصر من أن تضيع سُدى على هذه الأفكار البالية.


قصة مثيرة

مس من الجنون - قصة قصيرة مؤثرة وحزينة

كان شديد البهجة بتلك الفتاة التي تتراقص أمامه كالفراشة، والتي حطت رحالها على كهل مثله. لا يعلم أهي مجنونة، أم لديها اضطراب عقلي من نوع ما. شرعت تتحدث معه عن الحرية والأمل والتفاؤل والأحلام. بات يرافقها صباحاً ومساء. بينما جاءته هذه الفتاة كهدية من السماء، وكأنها نجمة أضاءت عتمة وجوده. شقت له طريق للنور والحياة. أخرجته من عالم الخوف والحرمان واليأس وسحبته إلى عالم يُشرق بالصفاء والبسمات.

حينما كانا يسيران على طول الشاطئ ذهاباً وإياباً، لا يفكران سوى في متعة تلك اللحظات، وفي ذلك الوقت باتت السماء تُنذر بالمطر. وبدأت أولى القطرات تنزل. انشرح صدرها وقالت في سعادة بالغة وهي تمد أياديها إلى السماء: يا لهنائي، موج ومطر!
ثم أغمضت عينيها وأودعت وجهها للمطر وقالت له: أتتزوجني؟
تفاجأ من هول الصدمة وقال مستنكراً: أتستخفي بكل شيء هكذا دوماً؟
– لا أستخف بشيء. إنها حياتي وأريد أن أحياها كيفما أشاء.
ساد صمت طويل بينهما، وغرقا في غياهب السكوت، كما يغرق الفارون إلى لجاج البحر. اتسعت خطاهما وأصبحت تفصلهما مسافة طويلة، ثم افترقا في النهاية كلا في طريقه.

اقرأ أيضاً: الخيانة بلا شك أكبر من الحب


حلم جميل وكأنه مس من الجنون

في صباح اليوم التالي فتح نافذته ليرى فراشته على الشجرة، لكنه لم يجدها. لقد طارت بعيداً. بينما بحث عنها على الشاطئ، وبين أغصان شجرة السنديان. لم يكن لها أثر يُذكر. اختفت بخفة كما ظهرت، وكأنها حلم جميل أفاق منه سريعاً، أو قصة مثيرة مرت في حياته الهادئة فأحدثت بعض الاهتزاز. فراشة جميلة حطت رحالها بالخطأ على نافذة منزله. زهرة نثرت عبيرها الفواح على حياته المعتمة، ثم تلاشت كالهواء.

بحث عنها كالمجنون في كل مكان. تسلق شجرة السنديان. مشط شاطئ البحر. دار في الشوارع الخالية من المارة في تلك البلدة النائية. رحلة طويلة قضاها في البحث عن تلك الجميلة التي خلبت لبه، وأخيرا اجتاحه اليأس، وفقد كل أمل في العثور عليها، وهنا انتابته تلك الهواجس فاعتقد أن مساً من الجنون قد أصاب عقله، وأنه قد تخيل أن كل ما رأه، وكل ما حدث معه لم يكن سوى هلوسات رجل عاش حياته وحيداً.

وفي نهاية ذلك اليوم ذهب إلى المطعم الذي جمعهما سوياً ليتناول عشاءه، وحينما أتى إليه النادل بالطعام، سأله عنها، وكان يتوقع أن يُخبره النادل بأن فتاة بمثل هذه المواصفات لم توجد قط. لكن المفاجأة أنه عندما سأله، أخبره أنها قد رحلت وتركت ورائها رسالة له.

اقرأ أيضاً: رتابة الحياة .. تكرارات لا تنتهي


رسالة مؤثرة

أعطاه النادل الرسالة وجلس يقرأ فيها:

” عزيزي

هذا العالم لا يعنيه قلبك الحزين. انظر إلى وجهك في المرآة لترى على كثرة الضحك تملئ التجاعيد ضحكتك. كان بإمكاننا أن نفرح معاً، بعض الجرأة كانت ستفي بالغرض، ولكنك لم تفعل.

لا يشغلني ما تعتقد عني، ربما تقول عني مجنونة، أو بلا حياء، أو أياً كان. بينما لا أهتم كثيراً بذلك. فالصدفة وحدها قد جمعتنا سوياً. لقد أحببت صحبتك كثيراً، ولك أن تعلم أن كل ما بدر مني من تصرفات وأقوال ما هي سوى رد فعل لفتاة عليها أن تواجه مصيرها الذي حدده لها الأطباء ببضعة أشهر هي الباقية لي في عمري. لتعلم أيضاً أن عرض الزواج كان صادقاً. وددت لو أستطيع أن أفرح في أشهري الأخيرة. كان باستطاعتي إغوائك لكني فضلت ألا نتدنس. ربما أخطأ الأطباء في تقديرهم. إن بقيت على قيد الحياة فسآتيك في الشتاء القادم، وإن لم أعد اعتبرني كما لو أني لم أكن هنا يوماً. احرق رسالتي واجعلها حطباً لموقدك في الشتاء القادم، ولا تذكر أن امرأة ذات زمن كانت هنا… وداعاً “.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك