علوم

ما هي المجرات؟.. حدائق الكون الخفية

تخيل كونًا لا تنتهي عجائبه، حيث توجد مجرات بحجم لا يمكن للعقل البشري استيعابه، وثقوب سوداء تبتلع النجوم كما لو كانت ذرات غبار… والآن تخيل أن هناك مجرات توصف بأنها حلقات نارية، وأخرى تشبه الحيوانات المنوية، وأخرى تخفي نواتها بين سحب من الغبار الكوني. في هذا العالم الساحر، تتسع حدود المعرفة مع كل تلسكوب جديد، وتتكشف لنا أشكال من المجرات لم تخطر على خيال أشد الحالمين جرأة. ما الذي يجعل بعض المجرات تبدو كأنها خرجت من قصة خيال علمي؟ وهل نحن على وشك اكتشاف ما هو أغرب؟ هيا نغوص معًا في أغوار هذا الكون العجيب!

ما هي المجرات؟

اتسعت رؤيتنا للكون في أقل من قرن، لتشمل عددًا هائلًا من المجرات، كل واحدة منها تحتوي على عدد كبير من النجوم، وبعضها يتمتع بمظهر أو سلوك غير عادي. المجرة هي نظام يتكون من نجوم، سواء كانت نشطة أو في طور التكوين، ومن بقايا نجوم أنهت حياتها إما بانطفائها أو بانفجارها كـ”سوبرنوفا”، بالإضافة إلى غبار نجمي وأجرام أخرى، ترتبط جميعها بالجاذبية مشكلة عنقودًا أو تجمعًا مميزًا، ومنفصلًا عن غيره من التجمعات المماثلة.

كان يعتقد منذ أقل من مئة عام مضت، أن مجرة درب التبانة (وهي كلمة تعني الطريق اللبني)، تلك الحزمة اللامعة من النجوم التي نراها في الليل، كانت هي الكون بأسره. وكان لا بد أن يظهر العالمان الفلكيان إيرنست أوبك وإدوين هابل في عام 1922 ليثبتا أن “السُدم” التي تم رصدها لم تكن سحبًا داخل مجرتنا، بل كانت في الحقيقة تجمعات أخرى من النجوم، أي مجرات أخرى، تقع على مسافات هائلة من مجرتنا.

اكتشاف المجرات.. من درب التبانة إلى حدود الكون

المجرات وأسمائها
اكتشاف المجرات

لقد كانت القفزة المعرفية في فهمنا للكون خلال العقود الأخيرة مذهلة بلا شك. ففي حين كان علماء الفلك في عشرينيات القرن العشرين يعرفون عددًا قليلًا من السدم التي تم التعرف عليها كمجرات مشابهة لمجرتنا، فإن التقديرات اليوم، استنادًا إلى ملاحظات تلسكوب هابل في أعماق الفضاء، تشير إلى وجود ما لا يقل عن 140 مليار مجرة. لكن هذا الرقم هو الأصغر والأكثر تحفظًا. حيث يعتقد بعض علماء الفلك أن عدد المجرات قد يصل إلى تريليون مجرة أو أكثر في الكون.

أشكال المجرات

تميل المجرات لأن تكون تجمعات ذات شكل شبه قرصي، تحدد ملامحها بفعل القوى الجاذبية الهائلة لجميع مكوناتها. تتخذ بعض المجرات شكلًا بيضويًا يمكن أن يقترب من الشكل الكروي. وهذه عادةً ما تكون الأكبر حجمًا، ويرجّح أنها نتاج تصادم مجرتين أو أكثر. أما معظم المجرات فهي لولبية (حلزونية)، لها ذراعان أو أكثر تمتد من مركز يضم نجومًا أقدم. وقد تكون هذه الأذرع مصحوبة بشريط يعبر المركز. يتحدد شكلها من خلال دورانها حول هذا المركز.

الثقوب السوداء في قلب كل مجرة

الثقوب السوداء
شكل الثقب الأسود

يعد تركيز الكتلة الأكبر في مركز المجرات أحد العوامل التي تجعل علماء الفيزياء الفلكية يعتقدون بوجود ثقب أسود فائق الكتلة في مركز كل مجرة. أما مجرتنا نحن، درب التبانة، فهي مجرة لولبية ذات شريط مركزي، تشكلت بعد الانفجار العظيم الذي يعتقد أنه بداية كوننا. وهي، في الواقع، مجرة من النوع الشائع إلى حد كبير. أما النجوم الأحدث، مثل الشمس، فهي تقع في الأذرع التي تدور حول المركز، وتستغرق ما بين 225 و250 مليون سنة لتكمل دورة واحدة كاملة. بمعنى آخر، في آخر مرة كان فيها موقع الشمس كما هو الآن، لم تكن الثدييات قد ظهرت بعد على سطح الأرض.

المجرات الغريبة

لكن، إلى جانب المجرات ذات الأشكال والخصائص المألوفة، تم خلال هذه السنوات اكتشاف مجرات لا يمكن وصفها إلا بالغريبة. دعونا نتعرف على بعضها..

NGC 1277.. مجرة تسكنها متفردة عملاقة

المجرات والكون
مجرة NGC 1277

إذا كانت جميع المجرات تحتوي في مركزها على ثقب أسود، فإن المجرة NGC 1277، التي تبعد حوالي 220 مليون سنة ضوئية، في كوكبة حامل رأس الغول (فرساوس)، يمكن تعريفها بشكل أدق على أنها ثقب أسود تحيط به مجرة. لا تشكل الثقوب السوداء في أغلب الأحيان أكثر من 0.1% من كتلة المجرة. بينما يحتوي الثقب الأسود في NGC 1277، وهو من أكثر الثقوب السوداء ضخامة التي تم رصدها حتى الآن، على14% من كتلة المجرة. ويبلغ قطره أكثر من 11 ضعفًا لمدار نبتون حول الشمس. إن نظامنا الشمسي بأكمله يعتبر ضئيلًا مقارنةً بهذه المتفردة الضخمة، التي تعادل كتلتها 17 مليار شمس مثل شمسنا.

مجرات الحلقات النارية.. آثار تصادم كوني

نشأة المجرات
مجرات الحلقات النارية

ومن الحالات الخاصة أيضًا المجرات الحلقية، والتي يعتقد علماء الفيزياء الفلكية أنها ناتجة عن تصادم مجرتين، بحيث تمر إحداهما عبر مركز الأخرى. وبالطبع، نظرًا للمسافات الشاسعة بين النجوم داخل كل مجرة، لا يحدث تصادم مادي مباشر بين النجوم، بل يحدث تصادم بين قوى الجاذبية. وتكون النتيجة مجرات تحتوي على حلقة من النجوم الزرقاء الفتية، يتوسطها عنقود من النجوم الأقدم، كما هو الحال فيما يعرف بـ”مجرة هوغ” التي اكتشفت عام 1950 ويضم ثمانية مليارات نجم.. أو المجرة الحلقية ZW II 28 ذات اللون الوردي والبنفسجي، والتي لم يرصد مركزها بعد، لكن من المتوقع أن يكون موجودًا.

ماركايان.. مجرة بذيل ونواتين

علم الكونيات
ماركايان

ومن بين المجرات الغريبة الناتجة عن تصادم مجرتين، تبرز المجرة المعروفة باسم مجرة ماركايان (Mrk 273). وهي مجرة تحتوي على نواتين نشطتين وذيل طويل يجعلها تشبه الحيوان المنوي. لكن ما يثير اهتمام علماء الفلك ليس شكلها فقط، بل كون الثقبين الأسودين الفائقي الكتلة في مركز التجمعين الأصليين سيلتحمان في نهاية المطاف، مشكلين ثقبًا أكبر بكثير قد يطلق نشاطًا هائلًا في مركز المجرة.

تلسكوبات جديدة وعوالم غريبة

اكتشاف المجرات
تلسكوب وايز

يتسارع اكتشاف أشكال وأنواع جديدة من المجرات مع ازدياد عمليات الرصد باستخدام تلسكوبات أكثر تطورًا، لا تقتصر على الضوء المرئي فقط، بل “ترى” أيضًا ضمن ترددات مختلفة من الطيف الكهرومغناطيسي، مثل الأشعة تحت الحمراء، والأشعة السينية، وموجات الراديو، وأشعة جاما.

وهكذا، في عام 2012، أُعلن أن تلسكوب وايز (WISE) التابع لوكالة ناسا قد اكتشف 563 مليون جرم سماوي.. العديد منها ثقوب سوداء، بالإضافة إلى مجموعة غريبة من نحو ألف مجرة محجوبة عنا بسبب غبار نجمي، لكنها تشع ضوءًا يعادل إشعاع 100 تريليون نجم مثل شمسنا. وتتميز هذه المجرات بكونها أكثر سخونة بمرتين من المجرات المماثلة. ونظرًا لأن الكتلة المقدرة لها أكبر من كتلة النجوم المرئية فيها، فمن المحتمل أنها تحتوي على ثقوب سوداء هائلة الحجم.

إن الإطلاق المقبل لتلسكوبات مثل جيمس ويب، الوريث المتقدم تقنيًا لتلسكوب هابل، أو تلسكوب الأشعة السينية الصيني، مستكشف الأشعة فوق البنفسجية، سيجعل أعضاء العائلة الكونية الذين نعرفهم اليوم ضمن عائلة الكون، يبدون عاديين مقارنةً بما قد يكتشف لاحقًا من أجزاء الكون المرئية ضمن أطوال موجية مختلفة… وكل ذلك دون أن نحسب الجزء غير المرئي، الذي يشكل أكثر من 95% من كتلة الكون، والمكون من المادة المظلمة والطاقة المظلمة، وهما الهدف الأكثر طموحًا في العلم الحديث.

كيف تُسمى المجرات؟

تحمل المجرات الأكثر وضوحًا أسماءً تقليدية مثل أندروميدا، لكن لها أيضًا أسماء وفقًا لعدة فهارس فلكية. حيث تشير الأحرف الأولى من اسم المجرة إلى الفهرس الذي تنتمي إليه، مثل:

  • (NGC) الفهرس العام الجديد.
  • (ESO) المرصد الجنوبي الأوروبي.
  • (IR) القمر الصناعي الفلكي بالأشعة تحت الحمراء.
  • (Mrk) فهرس ماركاريان.
  • (UGC) الفهرس العام لأوبسالا.

على سبيل المثال، تعرف مجرة أندروميدا باسم (NGC 224) في الفهرس العام الجديد. وتدار جميع هذه التسميات من قبل الاتحاد الفلكي الدولي.

ومع كل اكتشاف جديد، يزداد اتساع الكون في أعيننا ويضيق إحساسنا بالمعرفة المكتملة. فالمجرات الغريبة ليست سوى تلميحات إلى أعماق ما زلنا نجهله، وإشارات إلى أن قوانين الطبيعة تخبئ في طيّاتها مفاجآت مذهلة. وبينما نستعد لإطلاق تلسكوبات أكثر تطورًا، يظل السؤال مفتوحًا: ما الذي لم نره بعد؟ وما الذي تخفيه لنا المادة المظلمة والطاقة المظلمة؟

ربما لا نعرف بعد، لكن المؤكد أن الرحلة في دروب المجرات لم تبدأ لتتوقف… إنها البداية فقط.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!