علوم

الأغذية المعدلة وراثيًا: طعام المستقبل أم قنابل صامتة؟

لطالما أثار التقدم العلمي في مجال الوراثة موجات من الحماسة والقلق في آنٍ واحد. ففي حين تبشر الهندسة الوراثية بآفاق جديدة لحل مشكلات إنسانية مزمنة، من الجوع والمرض إلى تدهور البيئة، لا تزال الشكوك والمخاوف تحيط بالأغذية المعدلة وراثيًا، خاصة في مجتمعات لا تزال أسيرة الصور النمطية والريبة من كل ما هو “مصطنع”. فهل نحن بصدد إنقاذ البشرية أم العبث بما لا نفهم تمامًا؟ نسعى في هذا المقال لفتح نافذة متزنة في جدل طغت عليه الأصوات المتطرفة من الجانبين، لنستكشف الحقائق، والمخاوف، والإمكانات الكامنة في الأغذية المعدلة وراثيًا..

كل الكائنات معدلة وراثيًا

اكتسبت فكرة التعديل الوراثي للكائنات الحية دلالة سلبية بعيدة عما يمكن أن تعنيه فعليًا بالنسبة لنوعنا، من حيث فوائدها ومخاطرها. إن جميع الكائنات الحية معدلة وراثيًا. في الواقع، نحن أنفسنا كائنات معدلة وراثيًا، إذ أن التطور ينطوي على تعديل جيني مستمر في المجموعات السكانية لتتكيف مع الأرض، والمناخ، وبقية النظام البيئي، بل وحتى مع مجتمعها.

قام البشر بتعديل بعض الحيوانات الأليفة والنباتات تدريجيًا لتناسب احتياجاتنا ورغباتنا.. قمح أكبر حجمًا.. أبقار تنتج مزيدًا من الحليب.. أغنام ذات صوف أكثر.. كلاب أصغر حجمًا أو “أجمل”، وغير ذلك. يتجاوز تأثيرنا على البيئة أبسط المشكلات البيئية وضوحًا مثل انقراض بعض الأنواع. إذ إننا، خلال هذا المسار، غيرنا العديد من الأنواع الأخرى إلى حد يصعب معه التعرف عليها.

الهندسة الوراثية من الحقول إلى المختبرات

الهندسة الوراثية
ماذا تفعل الهندسة الوراثية؟

لقد أتاح لنا فهمنا للوراثة تسريع هذه العملية. والأهم من ذلك، تحقيق ما يعرف بـ “الهندسة الوراثية”، التي تسمح بإدخال جينات من كائن حي آخر إلى كائن مختلف. يطلق على هذا الإدخال لجينات غريبة أو خارجية اسم “النقل الأفقي للجينات”. وهو يحدث في الطبيعة بشكل نادر نسبيًا، وغير خاضع لتحكم الإنسان.. وعلى حد علمنا، يحدث أساسًا بين الكائنات أحادية الخلية. أما النقل الأفقي للجينات بشكل اصطناعي، فهو ما يعرف بتعديل الكائنات وراثيًا بإدخال جينات من كائنات أخرى.

على سبيل المثال، يمكن أخذ جين بشري مسؤول عن إنتاج الإنسولين، وإدخاله، عبر وسائل مختبرية متعددة، في الشيفرة الوراثية لكائن أحادي الخلية.. وهو لن يكتفي فقط بإنتاج البروتينات اللازمة لحياته الطبيعية، بل سيستخدم جزءًا من طاقته لإنتاج الإنسولين الذي يمكن استخدامه لعلاج مرض السكري. وبالطبع، فإن هذه الإمكانية إيجابية إلى درجة يصعب معها انتقادها. ومع ذلك، فإن هذا الإجراء ينطوي على قدرات يمكن استخدامها بطرق مشكوك فيها، بل وخطيرة أحيانًا.

الفزع من الأغذية المعدلة وراثيًا

بحث حول الأغذية المعدلة وراثيًا
مخاطر التهجين

مثال آخر، أحد المحاصيل المعدلة وراثيًا لمقاومة الآفات بشكل أفضل، وهو الذرة المعروفة باسم “ستارلينك” يحتوي على شكل من بروتين (BT) يهضم بشكل أبطأ من البروتين الموجود في الذرة التي نستهلكها عادة. وبالتالي قد يسبّب رد فعل تحسسي لدى نسبة ضئيلة من الناس. سواء كان ذلك نتيجة التلقيح المتبادل مع محاصيل غير معدلة أو لأسباب أخرى، فقد وصلت ذرة تحتوي على هذا البروتين المعدل إلى الاستهلاك البشري.. مما أثار رد فعل اجتماعيًا من الذعر ربما كان مبالغًا فيه، لكنه غير مبرر، وهو ما أدى إلى سحب المنتج من السوق في أوائل هذا القرن.

إن خطر التهجين مع كائنات غير معدلة وراثيًا يعد مصدر قلق مشروع.. مثلما هو الحال مع استخدام ما يعرف بـ “البذور المعقمة”، التي تنتج بذورًا عقيمة، مما يجبر المزارعين على شراء بذور مرخصة في كل موسم زراعي. من الواضح أن المشكلة في هذه الحالة ليست وراثية، بل تتعلق بالممارسات التجارية والربحية. لكن هذا التطبيق المحتمل لتقنية إنتاج منتجات عقيمة (وهي تقنية لم تطرح تجاريًا حتى الآن) له جانب إيجابي محتمل، يتمثل في إمكانية استخدامها لمنع التهجين غير المرغوب فيه مع كائنات غير معدلة وراثيًا.

في الجدل حول الكائنات المعدلة وراثيًا، أصبح الخطاب الترويجي من قبل المؤيدين (الذين لديهم في كثير من الأحيان مصالح تجارية) والمعارضين (الذين تحركهم القناعات أكثر من المعرفة العلمية) صراعًا دعائيًا يهدف إلى كسب تأييد الرأي العام للحصول على دعم اجتماعي وسياسي، بدلًا من تقديم المعلومات اللازمة لتكوين رأي مدروس، يستند إلى أسس راسخة، ويأخذ في الحسبان جميع الخيارات.

مزايا ومخاطر الأغذية المعدلة وراثيًا

إيجابيات وسلبيات الأغذية المعدلة وراثيًا
مزايا ومخاطر الأغذية المعدلة وراثيًا

تطوير أغذية مدعمة بالعناصر الغذائية الضرورية.. وكائنات يمكنها إنتاج أدوية باهظة التكلفة حاليًا بشكل اقتصادي.. ومحاصيل مقاومة للآفات أو قادرة على النمو بشكل أفضل في المناطق المعرضة للجفاف أو التي تحافظ على خصائصها في ظروف بيئية قاسية.. وبكتيريا مزوّدة بجينات قادرة على التعرف على الأمراض ومهاجمتها.. أو إمكانية علاج الاضطرابات الوراثية — كل هذه احتمالات واقعية يجب أخذها بعين الاعتبار في النقاش.. كما يجب النظر كذلك في المخاطر التي قد تمثلها الكائنات المعدلة وراثيًا.

لكن يبدو أن معظم النقاش يتركز في رفوف الفواكه والخضروات. حيث يحاول قطاع اجتماعي منع وصول الأطعمة المعدلة وراثيًا إلى المستهلكين لمجرد كونها معدلة وراثيًا. ويتمثل الخطر الأساسي الذي يشير إليه هذا القطاع في أن عملية التعديل الوراثي التي تهدف للحصول على صفة مرغوبة قد تؤدي إلى إدخال تعديلات أخرى غير مرغوب فيها أو ضارة بصحة الإنسان دون قصد. وهي مخاوف تستحق بلا شك أن تؤخذ على محمل الجد من خلال وضع لوائح تُلزم بإجراء اختبارات دقيقة على المحاصيل المعدّلة وراثيًا المخصصة للاستهلاك البشري.

طماطم مقاومة للتعفن

ومع ذلك، لا ينبغي أن نغفل عن أنه، منذ إدخال أول محصول معدل وراثيًا إلى السوق في عام 1994 (وكان طماطم مقاومة للتعفن)، لم يتم تسجيل أي حالة تبيّن أن الأطعمة المعدلة وراثيًا كانت ضارة بشكل واضح للمستهلكين. كما توجد متطلبات صارمة للغاية لترخيص كل محصول جديد. وخلال هذه السنوات أجريت مئات الدراسات على هذه المحاصيل واستهلاكها، والتي خلصت إلى أنه لا توجد فروقات خطيرة بينها وبين نظيراتها غير المعدلة.

وكما هو الحال مع أي معرفة جديدة، فإن ما ينبغي أن يثير قلقنا هو كيفية تطبيقها، وتنظيم استخدامها، وتوظيفها تقنيًا. وضمان أن يكون التحكم فيها بيد المجتمع بالدرجة الأولى، لأننا لا نستطيع الرجوع بالزمن إلى الوراء أو إنكار معرفة قد اكتسبناها بالفعل.

الأرز الذهبي

مثال على المخاطر التي قد تنجم عن نقاش يدار بشكل سيئ هو “الأرز الذهبي”.. وهو نوع من الأرز المعدل وراثيًا طوّره كل من بيتر باير وإنغو بوتريكوس، وأضيف إليه جينان يمنحانه محتوى عاليًا من البروفيتامين A على هيئة بيتا كاروتين (الذي يعطيه لونه الذهبي). الهدف من هذا الأرز هو توزيعه مجانًا في مجتمعات آسيوية تعتمد في غذائها الأساسي على الأرز.. وفيها، بحسب بيانات منظمة الصحة العالمية، يصاب بين 250,000 و500,000 طفل بالعمى سنويًا بسبب نقص فيتامين (A).

تسعى عدة منظمات غير حكومية كبرى منذ الإعلان عن المشروع عام 1999 إلى منع وصول هذا الأرز إلى المزارعين والمستهلكين. وذلك لأن موقفها السياسي يقوم على معارضة جميع الكائنات المعدلة وراثيًا، بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى.

الجدل حول الأغذية المعدلة وراثيًا ليس مجرد صراع بين التقدم والتقليد، أو بين الشركات العملاقة والمدافعين عن الطبيعة، بل هو في جوهره سؤال أخلاقي ومعرفي عميق: كيف نستخدم القوة التي منحنا إياها العلم؟ إن رفض التقنية لمجرد كونها جديدة أو القبول بها لمجرد أنها واعدة، كلاهما موقفان قاصران. ما نحتاجه هو وعي علمي. ونقاش اجتماعي نزيه. وتشريعات تُعلي من مصلحة الإنسان والبيئة على حد سواء. فنحن، شئنا أم أبينا، نعيش في عصر لا رجعة فيه من المعرفة، ومسؤوليتنا أن نحسن استخدامه لا أن نخشاه.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!