علومفلسفة

الفطرة السليمة بين نور المعرفة وظلام الجهل

منذ أن رفع الإنسان عينيه إلى السماء وتساءل عن سر النجوم، بدأ صراع خفي بين ما يبدو بديهيًا وما هو حقيقي. بين الفطرة السليمة التي اختبر بها أسلافنا العالم بأدواتهم الغريزية، والعلم الذي شق طريقه بصعوبة وسط ظلمات الخرافة والسلطة. لقد كانت الفطرة مرشدًا بدائيًا، لكنها لا تملك مفاتيح فهم الكون كما هو، بل كما يبدو. وفي زمن يتسارع فيه العلم وتتعقّد فيه المعرفة، تتباعد المسافة بين ما “نظنه” وما “نعرفه”. ويصبح العقل البشري ساحة معركة بين الحدس والمعلومة، بين البساطة المضللة والدقة المكلفة. هنا تحديدًا، يصبح دور العلماء والنخب الفكرية محوريًا: لا في احتكار الحقيقة، بل في بناء الجسور التي تصلها بالناس، قبل أن تسدها تيارات التجهيل وتستثمرها الخطابات الشعبوية.

لكن هذا الجسر مهدد بالانهيار. فبينما يتراكم العلم في مؤسساته، ويصاغ بلغة معقدة محاطة بجدران أكاديمية، تظل الجماهير خارجه، مسلحة فقط بفطرتها التي لم تُصمَّم لفهم النسبية أو فيزياء الكم أو التغيّر المناخي. ويكمن الخطر في أن تملأ الفجوة بين الطرفين قوى تتغذى على الجهل والريبة، فتروج لأفكار مبسطة وخادعة، تستبدل البرهان بالحماسة، والمنهج العلمي بالحدس الشعبي.

وهكذا، يطرح هذا المقال سؤالًا محوريًا: هل لا تزال الفطرة السليمة صالحة كدليل معرفي في عصر التلسكوبات الدقيقة والخوارزميات المعقدة؟ أم أن التعلق بها أصبح ثغرة يستغلها منكر العلم للهروب من الحقيقة؟ إن الإجابة على هذا السؤال ليست حكرًا على المختبرات، بل تمس مستقبل وعينا الجمعي، وقدرتنا على النجاة من عواصف الزيف المتنكرة في هيئة البديهة.

بين الغريزة والبصيرة

إن العقل البشري، منذ فجر التاريخ، كان سيفًا ذا حدين؛ فمن جهة، زودنا بالفطنة والقدرة على الاستكشاف، فشق لنا طريق العلم والمعرفة. ومن جهة أخرى، قيدنا بأغلال الأوهام والمغالطات، فأوقعنا في فخاخ التحيز والإنكار. لقد اعتمدنا لقرون على “الفطرة السليمة”.. تلك البوصلة الداخلية التي قادتنا في دهاليز الحياة اليومية، لكنها وحدها لم تكن كافية لفهم العالم المترامي الأطراف من حولنا. فالعلم، بآلياته الدقيقة وأدواته الصارمة، لم يكن مجرد رفاهية فكرية، بل كان طوق النجاة الذي مكننا من اختراق الحجب وكشف المستور. ومع ذلك، كلما تعمّقنا في دروب العلم، زادت الفجوة بينه وبين حدسنا البسيط، مما أتاح للديماغوجيين فرصة التلاعب بمخاوف العامة. وتسخير الفطرة الساذجة كأداة لمقاومة الحقيقة.

لكن الإشكالية ليست في الناس وحدهم، بل في النخب التي أغلقت على نفسها قلاع المعرفة، تاركة الجماهير نهبًا للجهل والشك. واليوم، في عالم تعصف به الشعبوية والمعلومات المضللة، تقف الإنسانية أمام مفترق طرق: هل ستسمح للجهل بأن ينهش مكتسباتها، أم ستعيد بناء الجسور بين العلم والعامة، بين المعرفة والحكمة، بين الحقيقة والإيمان بها؟

ماذا تعني الفطرة السليمة؟

معنى الفطرة السليمة
مفهوم الفطرة السليمة

الفطرة السليمة تعني الحسّ الجيد؛ إنها عقلية خام، غير مصقولة، فكرة أولية عن الأشياء العادية، حالة وسيطة بين الغباء والذكاء. إن القول بأن شخصًا ما يفتقر إلى الفطرة السليمة يعد إهانة فظة، لكن القول بأنه يمتلكها هو أيضًا إهانة، لأنه يعني أنه ليس غبيًا تمامًا، لكنه يفتقر إلى الذكاء..

يحمل البشر في أدمغتهم قدرات معرفية متأصلة تمكنهم من ممارسة العلم. نحن فضوليون بطبيعتنا، نحب الاستكشاف والتجربة (ماذا يحدث إذا فعلت هذا أو جمعت ذلك مع ذاك؟).. نراقب ونميز الأنماط.. نستمتع بالعدّ والقياس وتصنيف الأشياء من حولنا.. كما أننا بارعون في استنتاج معلومات جديدة من البيانات المعروفة. لكن الأهم من ذلك، أننا نمتلك عقلًا مرنًا ذا قدرة عالية على التكيف مع مختلف الظروف، مما مكننا من ابتكار استراتيجيات متنوعة وأدوات ثقافية قابلة للنقل عبر الأجيال، لمساعدتنا في التكيف مع بيئاتنا وظروفنا الاجتماعية.

الفطرة السليمة والبذور الأولى للعلم

وُجد الإنسان العاقل (Homo sapiens) منذ ما يقارب 200 ألف عام، لكننا لم نمارس الزراعة إلا خلال الـ 12,000 عام الأخيرة فقط. وهذا يعني أننا أمضينا ما يقارب 190,000 عام كصيادين وجامعين نعيش في مجتمعات صغيرة. بعبارة أخرى، فإن 95% من تاريخ البشرية كان في عصور ما قبل التاريخ. وقد مكنتنا قدراتنا المعرفية الأساسية، أي فطرتنا السليمة، من البقاء والازدهار عبر تلك العصور. كما أدت إلى تطوير مجتمعات معقدة وثقافات متنوعة، وبالطبع، إلى نشوء العلم.

لذلك، ليس من المستغرب أن يكون العلم قد نشأ منذ بدايات الإنسانية، أو على الأقل ظهرت ملامح أولية له. حتى قبل ظهور الزراعة والكتابة والمدن، كان لدينا بالفعل علم الفلك والرياضيات. حيث تشهد المعالم الصخرية الضخمة من عصور ما قبل التاريخ على ذلك. وقد حققت جميع الحضارات الكبرى في العصور القديمة إنجازات علمية مذهلة. فقد امتلك المصريون معرفة بالكيمياء والطب. وقسم الكلدانيون الدائرة إلى 360 درجة، وابتكروا الدقائق والثواني. واخترع المايا والهنود، كل على حدة، مفهوم الصفر. عبر مختلف الأزمنة، حيثما وجد الإنسان، وجدت معه بذور العلم.

ولكن، حتى مع استعدادنا الطبيعي ومع كل المعرفة والتقنيات التي راكمناها على مدار آلاف السنين، لا تزال هناك العديد من التفاصيل التي تحتاج إلى صقل. أخبرتنا الأعشاب الطبية بأن نباتات معينة تساعد في تخفيف بعض الأمراض. لكن كيف يحدث ذلك؟ ما الذي تحتويه هذه النباتات؟ وكيف تتفاعل مع الجسم؟ هل يمكن أن تكون هناك روح طيبة تسكن النبات؟ أم أن هناك تجاذبات وتنافرات بين بعض المواد؟ سمح لنا علم الفلك بحساب أن مرور القمر عبر كوكبة معينة يعني اقتراب موسم الأمطار. لكن ما العلاقة بين النجوم والقمر والمطر؟ هل كانت تلك الكوكبة إلهًا يرسل المطر عندما يزوره القمر؟ ولماذا يدور القمر في السماء دون أن يسقط؟ وما هي النجوم أصلًا؟

الثورة العلمية

المنهج العلمي
المنهج العلمي والتفكير الاستقرائي

كان ينقصنا وضع منهج تجريبي دقيق ونموذج صارم للتفكير الاستقرائي؛ كان علينا أن ندرك أن الرياضيات هي الأساس لكل العلوم. وأن الاستدلال الخطابي وحده لا يكفي للوصول إلى استنتاجات موثوقة. وكان من الضروري التخلي عن التفسيرات الخارقة للطبيعة عند تفسير الظواهر. وإدراك أنه لا بد من تحدي التقاليد والسلطات. كما كان علينا تطوير آليات للتحقق والتفنيد، من أجل تقليل الأخطاء الفردية والتوصل إلى توافقات ذات معنى. ورغم أن الوصول إلى كل هذا كان ثمرة حكمة متراكمة عبر عصور وثقافات مختلفة، فإن تلاقي عوامل تاريخية معينة جعل اللحظة الحاسمة تحدث في أوروبا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر مع الثورة العلمية.

كانت قوة المنهج العلمي عظيمة لدرجة أنه في غضون أربعة قرون فقط منذ أن نظر جاليليو لأول مرة عبر تلسكوبه، تمكن الإنسان من الوصول إلى القمر. كما نجح الإنسان أيضًا في العثور على علاجات لأمراض عديدة، وزدنا من متوسط العمر المتوقع وجودة الحياة. أما حقيقة أن هذه الفوائد لم تصل إلى الجميع حتى الآن، فهذه مسألة تتعلق بعدم المساواة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.

العقل في مواجهة الفطرة السليمة

المشكلة هي أنه، كما أن عقولنا تمتلك القدرات التي مكنتنا من تطوير العلوم، فإنها أيضًا مليئة بنزعات تقودنا إلى الخطأ.. نحن نميل إلى رؤية أنماط حيث لا توجد أي منها.. وننسب النية والهدف إلى أحداث عشوائية.. ونصدر تعميمات متسرعة.. ونعتقد بأن تجاربنا الشخصية تمثل الواقع بأسره. كما أننا نميل إلى تصديق ما يقوله من نعتبرهم شخصيات ذات سلطة، أو ما تؤمن به جماعتنا.. ونتمسك بمعتقداتنا لمجرد أنها ملكنا، فنرفض المعلومات التي تتعارض معها بينما نضخم تلك التي تؤكدها.

الحقيقة هي أن عقولنا لم تتطور لفهم كل شيء، بل لضمان بقائنا، وقد كانت ناجحة للغاية في ذلك. نحن نطلق على تلك القدرة الأساسية على التفكير التي يمتلكها الجميع اسم “الفطرة السليمة” دون أن نكون على دراية بعمليات التفكير لدينا. وهذه الفطرة السليمة كافية في الأمور العملية للحياة اليومية، كما كانت كذلك عبر معظم تاريخنا.

لكن العلم، باعتباره نشاطًا اجتماعيًا وجماعيًا يخضع للتصحيح المستمر.. ويسمح لنا بتحييد ميولنا الفردية نحو الخطأ.. ويمنحنا الأدوات التي مكنتنا من معرفة العالم وفهمه بطرق تتجاوز بكثير قدراتنا المعرفية الفطرية، بل وحتى حدود حواسنا. ولكن مع تقدم العلم وتزايد تعقيده، تصبح المعرفة المتراكمة أكثر تعقيدًا، بحيث تبتعد شيئًا فشيئًا عن نطاق ما يمكن لفطرتنا السليمة فهمه ببساطة. ومن هنا تفقد تلك العبارة التي قالها توماس هكسلي دقتها – العلم هو الفطرة السليمة في أفضل صورها – كلما توغلنا في مجالات أكثر تعقيدًا. وكما قال كارل ساجان:

قد يكون الواقع محيرًا. وقد يكون من الصعب التعامل معه. وربما يكون غير بديهي، ويتعارض مع تحيزات مترسخة بعمق. قد لا يتوافق مع ما نتمنى بشدة أن يكون صحيحًا. لكن تفضيلاتنا لا تحدد الحقيقة..

هل تكفي الفطرة السليمة؟

الفطرة السليمة
هل يمكننا الاعتماد على الفطرة السليمة فقط؟

تتكون الأجسام الصلبة من حولك من عدد لا يحصى من الجسيمات التي تتحرك بلا توقف. هذه حقيقة تتجاوز ما يمكن أن تنقله لنا حواسنا وإدراكنا الفطري. لكنها ليست مجرد فرضية أو رأي أو عقيدة إيمانية، بل حقيقة مثبتة تجريبيًا، وستظل كذلك حتى لو تجاهلها البشر جميعًا.

لكن لأن هذه الأمور يصعب استيعابها فورًا، فإن ميلنا المفرط إلى الاعتماد على الفطرة السليمة يجعلنا عرضة للديماغوجيين المعادين للفكر العلمي. وكما هو الحال مع كل الديماغوجيين، فإنهم يستغلون العامة ويحرّضونهم ضد النخبة، التي يصوّرونها على أنها فاسدة وشريرة. في هذه الحالة، تكون النخبة المستهدفة هي العلماء والخبراء عمومًا، ويُروَّجون لفكرة أنهم “لا يعرفون شيئًا” لأن الفطرة السليمة لدى الناس العاديين كافية لفهم كل شيء.

يتم التلاعب بالناس من خلال الإطراء: “أنت، أيها الأب، وأنتِ، يا ربة المنزل، تفهمان ما هو صحيح وما هو جيد أكثر من هؤلاء الخبراء بدراساتهم ومختبراتهم، الذين لا يقولون سوى الهراء. كيف يمكن أن تكون حقنة تحتوي على مرض مفيدة لك؟ وكيف يمكنهم الادعاء بأن الإنسان جاء من القرد؟ ولماذا يزعمون أن العالم يزداد حرارة بينما نشعر بالبرد؟ وكيف لا يكون من الفظيع إدخال جينات حيوان إلى نبات؟ كيف يمكن أن يؤثر بخاخ أستخدمه في غرفة مغلقة على طبقة الأوزون؟”

لفهم هذه الأمور حقًا، نحتاج إلى حد أدنى من المعرفة العلمية والتفكير النقدي والعقلاني، لأن الفطرة السليمة وحدها لا تكفي. هناك سبب يجعل منكري العلم لا يذهبون إلى المؤسسات العلمية لطرح آرائهم، بل يتوجهون إلى الأماكن التي يسيطر فيها غير المختصين. حيث يسعون إلى إقناع الناس العاديين، المستهدفين بهذه التلاعبات، واستخدام أعدادهم الكبيرة لمعادلة تأثير الخبراء. وهذه النزعة المعادية للعقل لا تقتصر على العلوم الطبيعية أو الدقيقة فحسب، بل تمتد إلى القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية أيضًا.

وهذا الوضع خطير، لأنه يدفعنا إلى التخلي عن أفضل المعارف المتاحة لنا لصالح إجابات تبسيطية وخاطئة. وهذه المعرفة قد تكون الفارق بين الحياة والموت، ليس فقط بالنسبة لكل فرد منا، بل للبشرية بأسرها.

كيف يمكننا تجنب التلاعب؟

ما هي الفطرة السليمة
كيف نتجنب التلاعب من النخب؟

كمجتمع غير متخصص، أي كأشخاص ليس لديهم معرفة متخصصة في مجالات العلماء والخبراء، علينا أن ندرك أن فطرتنا السليمة وحدها لا تكفي لفهم واقع شديد التعقيد. وأن الوصول إلى المعرفة الحقيقية يتطلب جهدًا ودراسة. يمكننا أن نخصص بعض الوقت لتدريب أنفسنا على التفكير المنطقي، وتعلم ولو القليل عن المواضيع التي نريد مناقشتها—الحد الأدنى الذي يسمح لنا بتمييز متى يتم خداعنا ومتى يمكننا الوثوق بالمعلومات المقدمة لنا. تقع على عاتقنا مسؤولية التعلم والتثقيف الذاتي للدفاع عن أنفسنا ضد الديماغوجيين الذين يستغلون فطرتنا السليمة لإنكار العلم.

مسؤولية العلماء

لكن الأهم من ذلك، هو أن العلماء والخبراء لا يمكنهم الاستمرار في التعامل مع الناس العاديين بازدراء. ولا ينبغي لهم اتخاذ موقف “نحن نعرف أكثر منكم، استمعوا لنا أيها الجهلة، واصمتوا”. يستشهد كارل ساجان بمأساة مكتبة الإسكندرية، التي دمرها العامة، مشيرًا إلى أنه من السهل إلقاء اللوم على ذلك “الحشد الجاهل”، لكن السؤال الأهم هو: ماذا قدمت لهم المكتبة؟ كيف يمكن أن يدركوا قيمة ما كانت تحتويه؟

لم يكن يعمل في المكتبة ويدرس فيها في ذلك العصر إلا نخبة من المثقفين. حيث يدخل العلماء والعالمات ويدرسون، بينما كان أغلب الناس يمرون بجوارها دون أدنى فكرة عما كان يجري هناك. لم يكن ذلك الصرح العظيم في متناول الجميع. ولم يكن له أي تأثير مباشر على حياة الناس الفقراء والجوعى. وكما قال ساجان بحزن: “لم يشكك حكماء الإسكندرية يومًا في النظام الاجتماعي والسياسي لعصرهم”. كيف يمكن إذن أن نتوقع أن يشعر عامة الناس بالاحترام أو التقدير لذلك المكان؟

يجب ألا تكون المعرفة حكرًا على نخبة مثقفة، بل يجب أن تكون متاحة وعلى صلة بالناس العاديين. إذا أراد العلماء الدفاع عن العلم ضد التلاعب والديماغوجية، فعليهم جعل المعرفة في متناول الجميع، وتقديمها بلغة يمكن للناس فهمها والتفاعل معها. فالمعرفة التي لا تصل إلى الناس، مثلما حدث في الإسكندرية، قد تصبح مجرد كنز مدفون، لا يحميه أحد عندما تهب العاصفة.

المعرفة التي لا تصل إلى الناس

نشر ستيفن هوكينغ قبل وفاته بفترة وجيزة مقالًا مؤثرًا في صحيفة الجارديان، بدأ فيه بالاعتراف بالمكانة المتميزة التي عاش فيها طوال حياته. لكنه أشار إلى أن النظامين الاجتماعي والسياسي في عصرنا قد خلق تفاوتًا رهيبًا بين الناس، مما جعلهم يشعرون بعدم الأمان والخوف والاستياء تجاه النخبة التي تعيش في فقاعاتها الخاصة. الآن، صار من الضروري أن تلتفت هذه النخب إلى قضايا الناس العاديين إذا كانت تريد أن تُسمع، فلا يكفي أن تمتلك سلطة المعرفة، بل تحتاج أيضًا إلى سلطة أخلاقية، تأتي من كونها تُرى على أنها تهتم وتعمل لصالح الجميع. فمستقبل كوكبنا يتوقف على ذلك.

قد تشتعل النيران، ليس بفعل الأعداء، بل بإهمال الحراس. وكما التهمت ألسنة اللهب مكتبة الإسكندرية، يمكن لتيارات الجهل أن تلتهم ما تبقى من نور المعرفة في عالمنا اليوم. ليس كافيًا أن يعرف العلماء الحقائق، بل عليهم أن يجعلوها مفهومة، مؤثرة، حاضرة في وجدان الناس، قبل أن يحل محلها الوهم والشعوذة والخرافة.

لقد كان ستيفن هوكينغ محقًا حين أشار إلى أن النخب قد خذلت شعوبها، وأن الغضب الشعبي، وإن كان مضللاً في اختياراته، يستند إلى ألم حقيقي. فإذا كانت البشرية تريد النجاة، فعلى العلم ألا يكتفي بالكشف، بل أن يكون منارة تُضيء الطريق لكل من يبحث عن الحقيقة. فالمعرفة التي تبقى حبيسة الصروح العاجية مصيرها الزوال، أما تلك التي تمتد جذورها إلى وعي الناس، فستبقى عصيةً على الاحتراق، عصيةً على الاندثار.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!