علوم

اكتشاف البنسلين: العفن الذي أنقذ البشرية

لم يكن العفن يومًا رمزًا للشفاء، ولم يكن أحد يتوقع أن شيئًا منسيًا على حافة طبق زجاجي قد يحمل بين خيوطه الدقيقة علاجًا للبشرية جمعاء. في عام 1928، حين عاد الطبيب الاسكتلندي ألكسندر فلمنج إلى مختبره، لم يكن يبحث عن معجزة، بل كان يتابع عمله اليومي. لكنه وجد شيئًا لافتًا: مساحة خالية من البكتيريا حول بقعة من العفن. تلك اللحظة العابرة، التي كان يمكن أن تمر دون ملاحظة، أصبحت نقطة تحوّل غيّرت مستقبل الطب. وهكذا بدأت قصة اكتشاف البنسلين.. قصة عن الصدفة، والعلم، والإصرار البشري في معركة غير متكافئة ضد الكائنات الدقيقة التي لطالما أرعبت الإنسان.

كان اكتشاف البنسلين نتيجة لحادث عَرضي. لكن لم يكن ليُلاحظ لولا أن ألكسندر فلمنج كان يبحث بالفعل عن مضاد حيوي فعّال.

زمن الموت الصامت

لا يتذكر عدد كبير من الناس الأحياء في يومنا هذا زمنًا لم يكن فيه إنترنت، أو تلفاز ملوّن، أو هواتف نقالة. يميل الزمن إلى تمييع الذاكرة، ليس فقط على مستوى الأفراد، بل أيضًا على مستوى المجتمعات. تخيل زمنًا كانت فيه الحمى القرمزية، والدفتيريا، والزهري، أو السل أمراضًا مميتة في غالبية الحالات. زمن كانت فيه أي عدوى — سواء تلك التي تسبب الالتهاب الرئوي أو حتى الناجمة عن جرح صغير في الجلد— قادرة على أن تودي بحياة المصاب. زمن لم يكن فيه أحد يعلم أن تلك الأمراض الرهيبة كانت ناتجة عن كائنات دقيقة أحادية الخلية تُعرف باسم البكتيريا.

كان لا بد أن يأتي لويس باستور ليجمع أعمال كثيرين ويوحّدها. ويضع في ستينيات القرن التاسع عشر النظرية الثورية القائلة بأن العديد من الأمراض تُسبّبها تلك الكائنات الدقيقة، أي الجراثيم الممرضة. وهي النظرية التي أثبتها روبرت كوخ عام 1875. وبمجرد التعرف على العدو، بدأت حملة مطاردته، أي البحث عن شيء يقتله ويعالج بذلك الأمراض التي يسببها.

ألكسندر فلمنج: ميلاد عالم متمرد

سيرة حياة ألكسندر فلمنج
العالم البريطاني ألكسندر فلمنج

بعد ست سنوات فقط من وضع كوخ لافتراضاته، وُلد ألكسندر فلمنج عام 1881 في مزرعة قرب أيرشاير، في اسكتلندا. وبعد أن تجاوز صعوبات مالية ودرس الطب، اتجه بالمصادفة إلى علم البكتيريا الناشئ، متخليًا عن فكرة أن يصبح جراحًا. وخلال الحرب العالمية الأولى، خدم ضمن الهيئة الطبية للجيش البريطاني.

شهد ألكسندر فلمنج في الحرب موت عدد كبير من الجنود بسبب تعفن الدم الناتج عن جروح ملوثة في أرض المعركة. كما لاحظ أن بعض المواد المطهرة المستخدمة لمنع العدوى كانت أكثر ضررًا على المدى الطويل. فقد كانت المطهرات فعالة ضد البكتيريا الهوائية في الجروح السطحية، لكنها في الجروح العميقة بدت وكأنها تقضي على عوامل طبيعية في الجسم كانت تحمي المصابين من البكتيريا اللاهوائية، وهي التي تزدهر في أعماق الجروح.

بدأ ألكسندر فلمنج بعد الحرب بشكل نشط في البحث عن عوامل مضادة للبكتيريا لا تضر بأنسجة الحيوانات. وفي عام 1922، اكتشف في “الأنسجة والإفرازات” مادةً مهمة تقوم بتحليل البكتيريا، أي تقتلها عن طريق إذابتها. وقد كانت تلك المادة هي الليزوزيم، وهي إنزيم طبيعي يوجد في الدموع، واللعاب، والمخاط، ويشكّل خط الدفاع الأول ضد العديد من الكائنات الدقيقة.

اكتشاف البنسلين

وفي عام 1928، بينما كان يعمل على فيروس الإنفلونزا، لاحظ ألكسندر فلمنج أن عفنًا قد نما بالصدفة على طبق بتري يحتوي على مزرعة من بكتيريا العنقوديات. وهي نوع من البكتيريا يسبب مجموعة واسعة من الأمراض لدى الحيوانات، بما في ذلك الإنسان. الظاهرة المثيرة للاهتمام التي لفتت انتباهه كانت أن دائرة خالية تمامًا من البكتيريا تشكّلت حول العفن، فبدأ التحقيق في هذا الاتجاه. وتمكّن من تحديد المادة الفعالة في مستنبت العفن التي كانت تمنع نمو العنقوديات. أطلق على هذه المادة اسم “البنسلين” لأن العفن الذي أنتجها كان من جنس البنسليوم، وهو ما يمكن أن نجده كثيرًا في عفن الخبز.

من المؤكد أنه قد استُخدم الطعام المتعفن طوال آلاف السنين ككمادات لعلاج بعض التهابات الجلد. لكن من دون أن يعرف أولئك الذين استخدموه آلية عمله أو المادة الفعالة التي اكتشفها العالم الاسكتلندي. وقد أثبتت أبحاث فلمنج اللاحقة أن لهذا التأثير المضاد للبكتيريا فعالية في مكافحة أنواع عديدة من الجراثيم، من بينها تلك المسؤولة عن الحمى القرمزية، والالتهاب الرئوي، والتهاب السحايا، والسيلان، والدفتيريا، وإن لم تكن فعالة ضد جميع البكتيريا.

تم الإعلان عن هذا الاكتشاف في “المجلة البريطانية لعلم الأمراض التجريبي” عام 1929، لكنه — وعلى نحو غريب — لم يحظ باهتمام كبير، واستمر فلمنج في بحوثه بعيدًا عن الأضواء.

المضادات الحيوية

اكتشاف البنسلين
اكتشاف المضادات الحيوية

وقد حالت مشكلات عملية، مثل تنقية البنسلين من المستنبتات بكميات كافية لاستخدامه في علاج العدوى لدى البشر، دون تقدم سريع، مما أبقى فلمنج منشغلًا في هذا المجال حتى عام 1940. وحين قرر التوقف عن العمل على البنسلين، أبدى باحثون آخرون اهتمامًا بالأمر، وهم إرنست تشين، وهوارد فلوري، ونورمان هيتلي.. وتمكنوا من تنقية البنسلين وتثبيته، ثم إنتاجه بكميات كافية لإجراء تجارب سريرية، بدعم حماسي من فلمنج.

وبعد نجاح التجارب، تم تطوير الإنتاج بكميات ضخمة. وبحلول عام 1945، حين نفذ الحلفاء العملية الهائلة لإنزال قواتهم على شواطئ نورماندي، كان لديهم مخزون كافٍ لعلاج جميع جرحاهم، مما أنقذ آلافًا، وربما مئات الآلاف من الأرواح. وصل البنسلين بعد ذلك إلى السكان المدنيين، وغيّر مجرى التاريخ حرفيًا.. إذ جعل العديد من الأمراض قابلةً للعلاج. ومهّد الطريق لجيل جديد بالكامل من الأدوية الفعالة، ذات الفائدة الواضحة والآليات المعروفة: المضادات الحيوية.

العفن الذي أنقذ البشرية

تلقى ألكسندر فلمنج العديد من الأوسمة نظير إنجازاته، من بينها منحه لقب “سير” من المملكة المتحدة. ووسام الصليب الأكبر لألفونسو العاشر الحكيم في إسبانيا عام 1948. وجائزة نوبل في الطب أو علم وظائف الأعضاء لعام 1945.

طُوّرت مجموعة كبيرة من المضادات الحيوية منذ اكتشاف البنسلين، موجهة لمكافحة الجراثيم المقاومة لأنواع أخرى من المضادات، أو لتجنب تفاعلات الحساسية لدى بعض الأشخاص تجاه بعض هذه المواد.

وقد أقلقت مقاومة المضادات الحيوية — التي تطورها العديد من الكائنات الدقيقة — فلمنج نفسه في حينه، إذ إن هذه القدرة على التكيف تطوريًا، إلى جانب سوء استخدام المضادات الحيوية، أدى إلى ظهور سلالات جديدة أكثر مقاومة من الكائنات الممرضة، يجب مواجهتها بمضادات جديدة. ومن هنا جاءت الحملات الحديثة التي تدعو إلى عدم وصف المضادات الحيوية في الحالات التي لا تفيد فيها، كالإصابات الفيروسية التي لا تتأثر بالمضادات الحيوية، وأيضًا ضرورة إكمال العلاج الموصوف حتى نهايته لضمان القضاء التام على البكتيريا الممرضة، وتقليل احتمال بقاء تلك القادرة على تطوير مقاومة.

المضادات الحيوية الجديدة

تحتل أجيال جديدة من المضادات الحيوية مكانتها تدريجيًا.. وهذا بفضل فعاليتها عند تناولها فمويًا بدلاً من الحقن، ومعالجاتها الأقصر (والتي تدوم عادةً سبعة أيام، بل حتى جرعة واحدة في بعض الأنواع الحديثة جدًا)، وبفضل مواد مبتكرة مثل الأمينوغليكوزيدات أو الستربتوغرامينات، بينما تفقد أنواع أخرى من المضادات فعاليتها. وتُعتبر هذه المعركة المستمرة دليلاً آخر، بطريقة ساخرة، على صحة نظرية داروين في التطور.

لقد غيّر اكتشاف البنسلين ليس فقط الطب، بل أيضًا علاقة الإنسان بالمرض والموت. فبفضل هذا العفن “المنقذ”، انتقلنا من زمن كانت فيه العدوى جملة شبه نهائية، إلى عصر نستطيع فيه السيطرة على أكثر الأمراض فتكًا. لكن مع القوة تأتي المسؤولية، والمقاومة المتزايدة للمضادات الحيوية تذكرنا بأن الحرب بين الإنسان والجراثيم لم تنتهِ بعد. إنها دعوة مفتوحة لاستخدام العلم بعقل، والدواء بحكمة، في معركة بقاء مستمرة بين الحياة والموت.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!