علوم

كوكب عطارد: الأخ الأصغر الذي يحمل أسرار الشمس

كوكب عطارد هو أحد أكثر الكواكب إثارة للدهشة في نظامنا الشمسي. يبدو كأنه مجرد نقطة لامعة قرب الشمس.. لكن خلف هذا اللمعان الخافت يكمن عالم غامض من التناقضات: كتلة هائلة في جسد صغير، نهارات تذيب المعدن وليالي تجمد الهواء، ونواة منصهرة تحرس سرًا مغناطيسيًا نادرًا. بدأت رحلة الإنسان لفهم كوكب عطارد متأخرة، لكنها تكشف مع كل خطوة أنه ليس مجرد كوكب صغير… بل كتاب مفتوح على لغز الخلق نفسه.

عطارد هو الكوكب الأسرع، والأصغر، والأكثر تطرفًا في درجات الحرارة، والأقل شهرة، وهو يخضع الآن مرة أخرى لمراقبة مسبار روبوتي يسعى لفهم هذا الكوكب.

كوكب عطارد الأصغر في المجموعة الشمسية

عندما قرر الاتحاد الفلكي الدولي في عام 2006 أن بلوتو لا يستوفي جميع الشروط ليعتبر كوكبًا، وأعيد تصنيفه كـ “كوكب قزم”، أصبح عطارد أصغر كواكب المجموعة الشمسية. فهو أصغر حتى من قمر المشتري “غانيميد”، الذي اكتشفه جاليليو جاليلي عام 1610، ومن قمر زحل “تيتان”، الذي اكتشفه الفلكي الهولندي كريستيان هويغنز بعد ذلك بـ 34 عامًا. بالإضافة إلى كونه أقرب كواكب المجموعة الشمسية إلى الشمس، فإنه يتميز بامتلاكه لأكثر المدارات فلكية تطاولًا (أي أكثرها بيضوية).

وبسبب قرب مداره من الشمس، يخفيه وهج نجمنا عن الأنظار، مما يجعل رؤيته صعبة، خصوصًا من دون أجهزة بصرية. ولأنه لا يُرى إلا عند الشفق صباحًا أو مساءً، ظن الفلكيون الأوائل أنه كوكبان مختلفان. ولم يعرف أنه جرم واحد حتى القرن الرابع قبل الميلاد. حيث أطلقوا عليه اسم “هرمس”. حتى جاليليو جاليلي، رائد علم الفلك، وجد صعوبة في رصد عطارد بتلسكوبه.

لكن هذا القرب من الشمس، وبسبب التأثير الكبير لجاذبيتها على الكوكب، أتاح فرصة لإجراء إحدى الملاحظات التي أكدت صحة نظرية النسبية لأينشتاين. إذ لوحظ أن أقرب نقطة في مدار عطارد من الشمس كانت تتحرك تدريجيًا حول الشمس من دون تفسير واضح، إلى أن جاءت حسابات النسبية العامة لأينشتاين لتفسر تلك الحركة من خلال تأثير جاذبية الشمس.

هل يوم عطارد يعادل سنته؟

كوكب عطارد
يوم كوكب عطارد

اعتقد العلماء لوقت طويل أن كوكب عطارد، وهو أسرع كواكب المجموعة الشمسية دورانًا حول الشمس حيث يكمل دورة كاملة كل 88 يومًا أرضيًا فقط، مرتبط بجاذبية الشمس ارتباطًا خاصًا يسمى الاقتران المدّي. ويقصد بذلك أن الكوكب يُبقي دائمًا نفس جانبه مواجهًا للشمس، تمامًا كما يفعل القمر مع الأرض. ووفق هذا الاعتقاد القديم، فإن نصف سطح عطارد يتعرض باستمرار لأشعة الشمس الحارقة، بينما يبقى النصف الآخر غارقًا في ظلام أبدي. ولو صح ذلك، لكان طول اليوم العطاردِي مساويًا لطول السنة على عطارد.

لكن مع التقدم العلمي، خصوصًا في ستينيات القرن العشرين، تغيرت هذه الصورة جذريًا. فبعد مرور أكثر من 350 عامًا على ملاحظات العالم الإيطالي جاليليو جاليلي الذي كان من أوائل من رصد عطارد بالتلسكوب، جاء دور علم الفلك الراديوي ليقدم بيانات جديدة ودقيقة عن هذا الكوكب. وقد مكنت الموجات الراديوية العلماء من دراسة حركة عطارد بطريقة لم تكن ممكنة باستخدام التلسكوبات البصرية التقليدية.

اكتشف العلماء من خلال هذه الملاحظات الحديثة أن عطارد لا يُظهر وجهًا واحدًا للشمس كما كان يعتقد، بل يدور حول محوره ببطء نسبي، مستغرقًا نحو 59 يومًا أرضيًا لإتمام دورة واحدة. غير هذا الاكتشاف فهمنا لعطارد.. وفتح الباب أمام دراسة أعمق لطبيعة توازنه بين دورانه حول نفسه ودورانه حول الشمس.. وهو توازن فريد ينتج عنه اليوم العطاردي الطويل الذي يبلغ 176 يومًا أرضيًا.

الأيام الطويلة والحرارة المستحيلة

يتميز كوكب عطارد بحركة مدارية ودورانية فريدة تؤثر بشكل مباشر في طول يومه وظروفه المناخية القاسية. فعلى الرغم من أن عطارد يدور حول الشمس بسرعة كبيرة نسبيًا، إلا أن دورانه حول محوره بطيء للغاية. في الحقيقة، لا يوجد كوكب أبطأ منه في الدوران سوى الزهرة؛ إذ يحتاج عطارد إلى نحو 59 يومًا أرضيًا ليكمل دورة كاملة حول نفسه، بينما يحتاج الزهرة إلى 243 يومًا أرضيًا للدوران.

هذا التداخل بين سرعته المدارية الكبيرة وبطء دورانه حول نفسه ينتج ما يسمى بـ اليوم العطاردي.. وهو المدة الزمنية بين شروقين متتاليين للشمس على نفس النقطة من سطح الكوكب. وللمقارنة، فإن اليوم العطاردي يعادل تقريبًا 176 يومًا من أيام الأرض، أي أن شروق الشمس على عطارد يحدث بمعدل مرتين فقط كل عام أرضي تقريبًا.

لكن ما يجعل عطارد أكثر إثارة للاهتمام ليس فقط طول يومه، بل الظروف المناخية التي يمر بها. بسبب غياب غلاف جوي كثيف يحفظ الحرارة ويعمل على توازنها كما في الأرض، يعاني سطح عطارد من تباين شديد في درجات الحرارة بين النهار والليل. فخلال النهار العطاردي، عندما تسطع الشمس مباشرة على سطحه، ترتفع الحرارة إلى نحو 465 درجة مئوية، وهي حرارة كافية لإذابة بعض سبائك الألمنيوم والمعادن الأخرى. أما في الليل العطاردي الطويل، حيث يغيب ضوء الشمس تمامًا، فإن الحرارة تهوي إلى نحو –184 درجة مئوية، أي أقل بدرجة واحدة فقط من درجة الحرارة التي يتحول عندها الأكسجين إلى حالة سائلة.

وبهذا يعد كوكب عطارد مثالًا صارخًا على التطرف المناخي في النظام الشمسي: نهار شديد السخونة لدرجة الانصهار، وليالٍ قارسة البرودة تكاد تقترب من الظروف الموجودة في أعماق الفضاء.

جاذبية كوكب عطارد الخفية

معلومات عن كوكب عطارد
جاذبية كوكب عطارد

من المدهش أن عطارد، رغم صغر حجمه مقارنة بالكواكب الأخرى، يخفي في داخله كتلة هائلة. فإذا نظرنا إليه من بعيد سنجد أنه لا يبدو أكبر بكثير من القمر التابع للأرض.. لكن عند الوقوف على سطحه ستظهر الفروق بوضوح من خلال قوة الجاذبية.

تبلغ الجاذبية على سطح كوكب عطارد حوالي 40% من جاذبية الأرض.. وهي نسبة مرتفعة إذا ما قارناها بجاذبية سطح القمر التي لا تتجاوز 17% من جاذبية الأرض. ولتقريب الصورة، تخيل شخصًا وزنه على الأرض 100 كيلوجرام: هذا الوزن سينخفض إلى نحو 16.6 كيلوجرام فقط على القمر.. بينما سيكون قرابة 38 كيلوجرامًا على عطارد. أي أن عطارد، رغم صغر حجمه، قادر على الإمساك بالأجسام بقوة أكبر بكثير مما نتوقع.

يعود السبب في ذلك إلى أن عطارد يتكون بدرجة كبيرة من معادن ثقيلة. ويملك نواة ضخمة غنية بالحديد تشكل نسبة كبيرة جدًا من حجمه الكلي. تجعل هذه الكثافة العالية كوكب عطارد في المرتبة الثانية بعد الأرض مباشرة من حيث الكثافة بين جميع كواكب النظام الشمسي. وبذلك يظل عطارد مثالًا مدهشًا على أن الحجم لا يكشف دائمًا عن حقيقة الكتلة أو قوة الجاذبية.

غلاف جوي بالغ الرقة

ومن السمات الفريدة لكوكب عطارد أنه يكاد يفتقر إلى غلاف جوي حقيقي بالمعنى الذي نعرفه على الأرض. فبدلًا من وجود طبقة سميكة من الغازات تحيط به كما هو الحال في كوكبنا، يمتلك عطارد غلافًا جويًا شديد الرقة يعرف باسم الإكسوسفير.

لا يستطيع هذا الغلاف الرقيق الصمود طويلًا أمام الرياح الشمسية.. وهي تيارات هائلة من الجسيمات المشحونة تنطلق باستمرار من سطح الشمس بسرعة قد تصل إلى ملايين الكيلومترات في الساعة. هذه الجسيمات هي نفسها التي تسبب على الأرض ظاهرة الشفق القطبي المدهشة عندما تتفاعل مع الغلاف الجوي الكثيف لكوكبنا.

لكن على عطارد، الأمر مختلف تمامًا. فالغلاف الرقيق يتعرض دائمًا للمسح والإزالة بفعل هذه الرياح، مما يجعل بقاءه مؤقتًا وغير مستقر. ولهذا السبب، فإن الغلاف الجوي لعطارد يوجد في حالة تجدد دائم؛ إذ تُستبدل جزيئاته باستمرار بجزيئات جديدة قادمة من سطح الكوكب نفسه أو من الفضاء المحيط به.

تجعل هذه الظاهرة كوكب عطارد أقرب إلى بيئة الفضاء المكشوف منها إلى بيئة كوكبية محمية مثل الأرض. كما أن افتقاره إلى غلاف جوي متماسك هو أحد الأسباب الرئيسية للتباين الحاد بين درجات الحرارة على سطحه. حيث لا توجد طبقة تحافظ على الحرارة أو توزعها بشكل متوازن.

أول زيارة للكوكب الجحيمي

كوكب عطارد
زيارة كوكب عطارد

شهدت دراسة كوكب عطارد نقلة نوعية في سبعينيات القرن العشرين، وتحديدًا عام 1974، مع وصول مركبة الفضاء مارينر 10 التابعة لوكالة الفضاء الأمريكية ناسا. كانت المركبة قد أطلقت في نوفمبر من عام 1973، وبعد رحلة دقيقة في الفضاء اقتربت من عطارد حتى مسافة لم تتجاوز 327 كيلومترًا عن سطحه، وهو اقتراب هائل مكن العلماء من الحصول على أوضح رؤية للكوكب في ذلك الوقت.

قامت “مارينر 10” خلال تحليقها بتصوير ما يقارب 45% من سطح عطارد. وهو ما شكل قاعدة معرفية أساسية عن هذا العالم الغامض. وكانت النتائج مفاجئة مقارنة بما تخيله الكتاب والمفكرون من قبل، خاصة في أعمال الخيال العلمي التي افترض بعضها احتمال وجود حياة على سطحه بسبب قربه من الشمس.

لكن الصور التي نقلتها المركبة أظهرت واقعًا مختلفًا تمامًا؛ فقد بدا عطارد عالمًا قاسيًا ذا غلاف جوي ضعيف للغاية، لا يملك القدرة على حماية سطحه من اصطدام النيازك والكويكبات الصغيرة. ونتيجة لذلك، ظهر سطحه مليئًا بالفوهات والحفر، في مشهد يشبه كثيرًا سطح القمر الأرضي.

ولم تتوقف المفاجآت عند ذلك، فقد كشفت بيانات “مارينر 10” أيضًا عن دلائل على نشاط بركاني قديم، مما يعني أن الكوكب لم يكن مجرد عالم ساكن منذ نشأته، بل شهد مراحل جيولوجية نشطة ساهمت في تشكيل تضاريسه الحالية. لقد فتح هذا الاكتشاف الباب أمام تصور أكثر واقعية لعطارد: كوكب قاحل، مليء بالحفر، ضعيف الغلاف الجوي، لكنه في الوقت نفسه يحمل تاريخًا جيولوجيًا غنيًا يستحق المزيد من الاستكشاف.

نواة منصهرة وجليد مستتر

أطلقت ناسا في أغسطس 2004 مسبارًا جديدًا إلى عطارد، أطلق عليه اسم “ماسنجر”. مرت المركبة لأول مرة بالقرب من عطارد في عام 2008.. ثم قامت بزيارتين إضافيتين.. شملت إحداهما المرور بكوكب الزهرة، قبل أن تستقر في مدار حول عطارد في مارس 2011. ومنذ ذلك الحين، تمكن المسبار من تأكيد العديد من الفرضيات حول الكوكب.. فقد أثبت وجود نشاط بركاني كثيف في الماضي. كما وفر بيانات إضافية تدل على وجود جليد مائي في قطبي الكوكب.

وقد كشف مسبار ماسنجر، من خلال أدواته العلمية، أن نواة عطارد الحديدية لم تبرد بعد، كما كان يعتقد سابقًا، بل إنها لا تزال منصهرة وتدور. وتشغل هذه النواة حوالي 85% من حجم الكوكب.. وهو حجم هائل مقارنةً بالنواة الأرضية التي لا تمثل سوى 30% من حجم كوكبنا.. وهي المسؤولة عن توليد مجال مغناطيسي ضعيف يعادل واحدًا من مئة من شدة المجال المغناطيسي للأرض. وتجدر الإشارة إلى أن كوكبي الزهرة والمريخ — وهما أيضًا كوكبان صخريان — لا يملكان مجالًا مغناطيسيًا، مما يجعل دراسة عطارد أداة مهمة لفهم سبب هذا الاختلاف.

لغز كوكب عطارد المستمر

ورغم أن عطارد كان من الكواكب “الكلاسيكية” المعروفة منذ العصور القديمة، فإنه لا يزال أقل كواكب النظام الشمسي استكشافًا ومعرفة، بالرغم من قربه النسبي من الأرض. وهو أمر لافت إذا ما قورن بمدى ما تعلمناه عن كواكب أبعد مثل المشتري… وهي كواكب تختلف كثيرًا عن عالمنا، هذا الكوكب الصخري المعدني الذي لا يزال أمامه الكثير ليتعلمه من عطارد، أخيه الصغير الجحيمي.

لقد كشف لنا كوكب عطارد، أصغر إخوتنا الكوكبيين، عن حقائق عظيمة. لا بموقعه فقط، بل بكثافته وغلافه المتبدد، بنواته الدوارة وبجليده الخفي تحت حرارة مستعرة. وبينما نظن أننا نعرف الكثير عن الكون، يذكرنا هذا الكوكب المتطرف أن العلم لا يسير بالمسافة ولا بالحجم، بل بالدهشة التي توقظها كل إجابة… والسؤال الذي يليها. وربما، حين نحدق من جديد في شروق عطارد، لا نرى مجرد نجم صغير بجوار الشمس، بل نافذة إلى تاريخ الشمس نفسها… ومستقبل فهمنا للكون.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!