النيوترينو: الجسيم الشبح الذي يعبرنا بلا أثر
نتخيل الكون مليئًا بالأجرام، بالنجوم والكواكب، بالمادة الصلبة والغازات، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. تجتازنا بلا توقف في كل لحظة تمر، مليارات من الجسيمات التي لا نراها ولا نحس بها، ومع ذلك فهي تحمل في صمتها أسرارًا عميقة عن نشأة الكون وبنيته الخفية. النيوترينو، هذه الجسيمات الأشبه بالأشباح، تمثل واحدة من أعظم الألغاز العلمية في العصر الحديث، فهي لا تترك أثرًا تقريبًا، لكنها قد تكون المفتاح لفهم أعقد ألغاز الفيزياء: من الأشعة الكونية حتى المادة والطاقة المظلمتين.
تمر مليارات المليارات منها عبر أجسامنا في كل ثانية دون أن نلاحظ، إذ إن النيوترينوات هي أغرب الجسيمات الأولية (حديقة الحيوانات الجسيمية) التي تكوِّن كوننا.
ما هو النيوترينو؟
النيوترينوات هي الجسيمات ذات الكتلة الأكثر وفرة في الكون، بعد الفوتونات التي تكوِّن الضوء والتي لا كتلة لها. تتولد في التفاعلات النووية، سواء كانت اندماجية أو انشطارية (أكبر مصدر متاح لنا من النيوترينوات هو شمسنا نفسها)، وأيضًا في المستعرات العظمى عندما تنفجر.
النيوترينوات لها كتلة، صغيرة جدًا، لدرجة أنه حتى عام 1998 كان يُعتقد أنها عديمة الكتلة، وكأنها نوع من الأشباح الجسيمية. لا تحمل هذه الجسيمات شحنة كهربائية.. وتسافر بسرعة تقارب سرعة الضوء، وهي صغيرة جدًا. نحتاج إلى عشرة ملايين نيوترينو للوصول إلى كتلة إلكترون واحد.
جعلت هذه الخصائص دراستها شديدة الصعوبة، لأن النيوترينوات نادرًا ما تتفاعل مع باقي المادة. فهي لا تتأثر بقوتين من القوى الأساسية الأربع في الكون: الكهرومغناطيسية والقوة النووية الشديدة.. لكنها تتأثر بالقوة النووية الضعيفة، التي لا تعمل إلا على مسافات قصيرة جدًا، وبقوة الجاذبية تأثرًا ضئيلًا جدًا نظرًا لكتلتها. لذا فهي لا تؤثر عادةً في الجسيمات الأخرى، ولا تتأثر بها.
الغالبية العظمى من النيوترينوات التي تصل إلى الأرض تمر من خلالها دون أن تتفاعل مع أي جسيم. كما لو أن مركبة فضائية تمر في الفضاء دون أن تصطدم بأي جسم سماوي. والجدير بالذكر هنا أن ما نعتبره مادة صلبة (أو سائلة) يتكون في الواقع في معظمه من فراغ.
ومع ذلك، ورغم كون النيوترينو صغيرًا وغير مادي تقريبًا، فهو أساسي لفهم الكون من حولنا. على سبيل المثال فقط، إذا استطعنا تحديد مصدر النيوترينوات التي تصل إلى الأرض، فربما نتمكن من معرفة مصدر الأشعة الكونية التي تقصفنا باستمرار. وهي أشعة ذات طاقة هائلة، لم نستطع حتى الآن توليدها في مختبراتنا.
المتعادل الصغير

اقترح الفيزيائي النظري فولفغانغ باولي، أحد رواد فيزياء الكم والحاصل على جائزة نوبل عام 1945 وجود ما نسميه اليوم “النيوترينو” في عام 1931. وخلص إلى أن الطاقة لا تبدو محفوظة في عملية الاضمحلال الإشعاعي المعروفة باسم “بيتا”. حيث يتحول نيوترون في نواة ذرة مشعة إلى بروتون وإلكترون. كان هناك جزء مفقود من الطاقة في هذه العملية. ونظرًا لأن الطاقة لا تستحدث ولا تفنى، افترض باولي أن جسيمًا متعادلًا (كان غير قابل للكشف آنذاك) هو من أخذ تلك الطاقة. وبعد ثلاث سنوات، أطلق الفيزيائي إنريكو فيرمي على هذا الجسيم اسم “نيوترينو”، أي “المتعادل الصغير”، واعتبره أساسيًا لشرح الاضمحلال الإشعاعي كما كان يلاحظ في التجارب في ذلك الوقت.
كيف أمسك العلماء بالشبح؟
لكن لم يتم تأكيد وجود النيوترينوات إلا في عام 1956، عندما نجح كلايد كوان وفريدريك راينز في إثبات وجودها باستخدام مفاعل نووي كمصدر لها. وقد مُنح راينز جائزة نوبل في الفيزياء عن دوره في هذا الاكتشاف. ولسوء الحظ، وبما يشبه حالات سابقة، لم يمنح كوان الجائزة بسبب وفاته المبكرة، إذ لا تُمنح الجائزة بعد الوفاة.
أما السمة الأغرب للنيوترينوات فهي أنها، على عكس الجسيمات الأولية الأخرى، “تتذبذب” باستمرار، أي أنها تغير شكلها. بل يمكن أن تكون مزيجًا من أشكال متعددة. أي أن تحتوي جزئيًا على خصائص نيوترينو إلكتروني وجزئيًا على خصائص نيوترينو ميوني.
وكما أشرنا، فإن معظم النيوترينوات تمر عبر الأرض دون تفاعل. لكن لرصد القلة القليلة التي تتفاعل، نحتاج إلى أنظمة ضخمة ومعزولة عن الإشعاعات الأخرى. ولهذا تبنى مراصد النيوترينوات في أعماق كبيرة تحت الأرض، حيث لا تصل إليها الأشعة الكونية والجسيمات الأخرى.
مطاردة النيوترينو

ومن بين أكثر المراصد إثارة للإعجاب، هناك مرصد “سوبر كاميوكاندي”، رغم أنه لا يشبه ما نطلق عليه عادة “مرصدًا”. فهو خزان أسطواني من الفولاذ المقاوم للصدأ بارتفاع 40 مترًا وقطر 41 مترًا، يقع على عمق ألف متر تحت الأرض في منجم موزومي السابق، ويحتوي على 50 ألف طن من الماء النقي جدًا.
يحيط بالخزان أكثر من 11 ألف أنبوب قادر على تضخيم أي وميض ضوئي صغير إلى عشرات الملايين من المرات. ويعمل المرصد كالتالي: عند حدوث أحداث مثل تحلل بروتون أو اصطدام جسيم بإلكترون أو نواة ذرة ماء، فإنها تنتج مخروطًا من الضوء. هذا الظاهرة، المعروفة باسم “إشعاع تشيرينكوف”، ترى على شكل حلقة ضوئية خافتة بواسطة الأنابيب الكاشفة. ومن خلال البيانات التي تسجلها هذه الأنابيب يمكن معرفة نوع الجسيم الذي تسبب في الضوء. على سبيل المثال، استطاعت هذه الكواشف في عام 1987 تسجيل 11 نيوترينو جاء من انفجار مستعر أعظم.
لماذا نهتم بالنيوترينوات؟
ما العلاقة بين النيوترينوات والجسيمات المرتبطة بها (الإلكترون، الميون، التاو)؟ لماذا وكيف تتذبذب وتتحول من واحدة لأخرى وهي تعبر الكون بسرعات هائلة؟ هل للنيوترينوات علاقة، كما يشك بعض الفيزيائيين، بالمادة المظلمة والطاقة المظلمة التي تشكل 95% من الكون ولم نتمكن بعد من رصدها؟ هذه بعض الأسئلة التي تحفز البحث في مجال النيوترينوات. أجهزة ضخمة، مكلفة، وشديدة الحساسية، يديرها رجال ونساء على أعلى مستوى من الكفاءة، يدرسون جسيمات تكاد تكون غير موجودة.
رغم أنها لا تُرى، ولا تحس، ولا تكاد تُمسك، فإن النيوترينوات تمثل بالنسبة لعلماء الفيزياء نافذة مفتوحة على أعماق الكون الأولى وعلى قواه الأكثر خفاءً. إنها تذكير دائم بأن أكثر الأشياء تأثيرًا قد تكون أيضًا الأكثر تواريًا، وأن الكون – مثل الإنسان – قد يخبئ جوهره فيما لا يُرى. وبينما تستمر هذه الجسيمات في عبور أجسادنا بصمت، يواصل الباحثون في أعماق الأرض وفي مختبرات العالم البحث عن أجوبة لأسئلة تحلق في قلب المجهول.













