اختراع الهاتف المحمول: كيف بدأ كل شيء؟
منذ أن نطق ألكسندر جراهام بيل أول جملة عبر جهازه الغريب، وحتى اللحظة التي رفع فيها مارتن كوبر هاتفًا محمولًا في قلب مانهاتن، شهد العالم تحولًا جذريًا في الطريقة التي نتواصل بها. مر اختراع الهاتف برحلة تطور مذهلة بين الأسلاك النحاسية التي امتدت تحت المحيطات، والأقمار الصناعية التي حلّقت فوق رؤوسنا. وقد نقلته هذه الرحلة من أداة بسيطة لنقل الصوت إلى مركز حيوي في حياتنا اليومية، يُلازمنا أينما ذهبنا. دعونا نتعرف على قصة اختراع الهاتف المحمول منذ البداية؟
اختراع الهاتف الأول
التقط مارتن كوبر في 3 أبريل عام 1973 هاتفًا ضخمًا في الجادة السادسة بمدينة مانهاتن في نيويورك. وأجرى مكالمة إلى جويل إنجل ليخبره بأن السباق لاختراع أول هاتف محمول قد انتهى، وأن إنجل قد خسر. كان مارتن كوبر عالِمًا في شركة موتورولا، وكان جويل إنجل خصمه في مختبرات بيل. وكان كلاهما يسعى لاختراع هاتف محمول عملي. لكن لم تكن تلك هي بداية القصة..
قبل أقل من مئة عام من ذلك، وتحديدًا في 10 مارس 1876، نجح ألكسندر جراهام بيل في بوسطن، ماساتشوستس، في الاتصال بمساعده توماس واتسون وطلب منه أن يأتي إليه في غرفة أخرى داخل نفس المنزل. وكان لبيل أيضًا منافس هو إليشا غراي. لكن نتيجة هذا السباق لم تكن واضحة كحال كوبر وإنجل. ولا يزال الجدل قائمًا حتى اليوم حول من يستحق أن يعتبر المخترع الحقيقي للهاتف. في ذلك الوقت، لم يمضِ عام واحد حتى تم تركيب أول خدمة هاتفية تجارية.
هكذا يعمل الهاتف

كان التلغراف أول محاولة لاستخدام الكهرباء في الاتصال. وقد اعتمد على مبدأ بسيط: إحداث تغيير في التيار الكهربائي داخل سلك عند إغلاق دائرة كهربائية، بحيث يمكن تسجيل هذا التغيير في الطرف الآخر من السلك. استخدم الهاتف نفس الأساس ولكن بشكل أكثر تعقيدًا؛ فإذا أمكن جعل الصوت يغير التيار الكهربائي، فإن هذه التغيرات يمكن تسجيلها في الطرف الآخر من السلك وتحليلها لإعادة بناء الصوت.
كان جهاز الاستقبال ميكروفونًا. وجرى تحسين ميكروفون بيل سريعًا من قبل مخترعين آخرين، من بينهم توماس إديسون. ويستخدم مبدأه حتى اليوم في جميع أنواع الميكروفونات: حيث توجد صفيحتان معدنيتان رقيقتان، مفصولتان بحبيبات من الفحم، يمر بينهما تيار كهربائي. عندما تهتز إحدى الصفائح (التي تعمل كغشاء) نتيجة للصوت، فإنها تضغط بشكل متغير على الفحم، مما يغير المقاومة الكهربائية بين الصفائح. ويسجل التيار هذا التغير وينقله عبر سلك إلى مكبر صوت يعيد العملية بالعكس.. حيث يحوّل تغير التيار إلى اهتزاز في الغشاء ليعيد إنتاج الصوت الأصلي.
من عاملات التوصيل إلى الأنظمة الآلية
بنيت صناعة الهاتف بالكامل على هذا المبدأ، بدايةً في الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى. وتطلب هذا النظام أن يكون كل هاتف متصلًا بمركز هاتف عبر كابلات. وكان المركز مسؤولًا عن توصيل الهاتف المتصل بالهاتف المطلوب التحدث إليه. في البداية، كان ذلك يتم عبر لوحات توصيل يدوي، تشغّلها موظفات غالبًا. يستجبن للمكالمة ويأخذن الرقم المطلوب، ثم يوصلن الكابل من المتصل إلى الرقم المراد الاتصال به. ومن الجدير بالذكر أن وظيفة عاملة الهاتف كانت من أوائل المجالات التي شهدت بدايات الحركة النسوية العمالية، من خلال تأسيس أولى النقابات الكبرى للعاملات منتصف القرن العشرين.
سرعان ما استُبدلت العاملات إلى حد كبير بأنظمة آلية تتعرف على الرقم المطلوب وتوصله باستخدام المرحلات الكهربائية. لكن كان كل الطريق بين هاتف وآخر، سواء في نفس المبنى أو على الجانب الآخر من العالم، يتكوّن من كابلات فيزيائية. ولم تبدأ محاولات نقل المكالمات عبر موجات الراديو إلا في بدايات القرن العشرين. ومع هذه الموجات، بدأت المكالمات العابرة للقارات في عام 1915.
حلم المكالمات البعيدة

لكن لجعل هذه المكالمات في متناول الناس، كان من الضروري مدّ كابلات عبر قاع المحيط لربط أنظمة الهاتف على الجانبين. دخل أول كابل من هذا النوع الخدمة عام 1921. وغطى مسافة قصيرة (130 كيلومترًا) بين كي ويست في فلوريدا وكوبا. أما الكابل الذي ربط أوروبا بأمريكا فلم يصبح واقعًا حتى عام 1956. ثم جاءت القفزة الكبرى التالية في عام 1962، عندما بدأ القمر الصناعي للاتصالات “تيلستار 1” في توفير خدمة هاتفية باستخدام موجات الميكروويف التي تربط محطات أرضية بشكل موثوق. وجدير بالذكر أن هذا القمر صُمم وطُوّر من قبل مختبرات بيل.
لكن حتى قبل هذا الكابل الأول وقبل هذا القمر الصناعي، كانت مختبرات بيل قد طورت في عام 1947 فكرة مبتكرة. كانت روابط الراديو تعاني من مشكلة كبيرة: الحاجة إلى قدرة إرسال ضخمة، تزداد كلما زادت المسافة بين الأجهزة. وكان الهاتف المحمول عبر الراديو، كأول تلك الهواتف التي بدأ تسويقها عام 1946، يحتاج إلى مصدر طاقة هائل. والفكرة الجديدة هي بناء شبكة من المحطات القاعدية، كل واحدة منها تقع في مركز خلية سداسية، مثل خلايا النحل. وبهذا، فإن كل محطة تحتاج فقط إلى طاقة كافية للتواصل مع المحطات الست المحيطة بها. بينما تحتاج الهواتف نفسها فقط إلى التواصل مع أقرب محطة قاعدية (أو برج هوائي). وعندما يبتعد الهاتف عن إحدى المحطات ويدخل في نطاق محطة أخرى، يتم تمرير الاتصال تلقائيًا دون أن يلاحظ المستخدم أي فرق.
أول شبكة هاتف خلوي
وهكذا، باستخدام طاقة قليلة جدًا، تمكن مارتن كوبر وفريق موتورولا من إنشاء أول شبكة هاتف خلوي تجريبية، أجرى بها مكالمته التاريخية. وبعد عشر سنوات، بدأ بيع الهواتف الكبيرة والثقيلة والمكلفة جدًا، ذات البطارية التي تدوم بضع ساعات فقط… لكنها كانت تملك الميزة الحاسمة: أنها متحرّكة. ومنذ ذلك الحين، لم نعد نتصل بمكان يوجد فيه هاتف، بل بدأنا نتصل بأشخاص، أينما كانوا.
أما التطورات التالية فتمثلت في تصغير الحجم. وزيادة كفاءة البطاريات. واستخدام الأنظمة الإلكترونية لتحويل هواتفنا إلى “سكاكين الجيش السويسري” للاتصال والمعلومات… لكنها ما تزال، في جوهرها، أداة لأداء ما فعله بيل: الاتصال بشخص آخر.
موجات الهاتف المحمول
لطالما استمر الاعتقاد الخاطئ بأن موجات الراديو التي تستخدمها الهواتف المحمولة قد تكون ضارة بالصحة. لكن الحقيقة هي أنه حتى اليوم لم يُثبت وجود أي تأثير سلبي لها. بل إن احتمال تسبب هذه الموجات في ضرر يبدو ضئيلًا جدًا، لأنها أضعف بكثير (من حيث التردد وعرض النطاق) من موجات الضوء المرئي. ولو كانت ضارة، لكان الضوء أشد ضررًا منها. في الواقع، الإشعاعات الكهرومغناطيسية الخطيرة هي تلك التي تقع فوق نطاق الضوء المرئي، أي تلك التي تبدأ في نطاق الأشعة فوق البنفسجية، والتي نحمي أنفسنا منها عن وعي باستخدام واقيات الشمس.
ربما كان اختراع الهاتف المحمول شاهدًا على إبداع الإنسان وسعيه المتواصل لتجاوز الحواجز. وما يزال يقوم بأبسط مهامه وأكثرها أهمية: إيصال صوت إنسان إلى آخر، عبر الزمان والمكان، بضغطة زر.













