علوم

نظرية القرود الخمسة: حقيقة علمية أم تجربة وهمية؟

يتناقل الناس الكثير من القصص والأساطير باعتبارها وسيلة لتعلم الدروس ونقل الحكمة، لكن ماذا يحدث عندما تتحول إحدى هذه القصص إلى أسطورة زائفة تقدم على أنها تجربة علمية موثوقة؟ نظرية القرود الخمسة أو قصة تجربة القرود الخمسة التي تُروى على نطاق واسع كدرس حول تأثير العادات الاجتماعية والموروثات الثقافية هي واحدة من تلك القصص التي غزت الإنترنت وانتشرت كالنار في الهشيم. لكن، هل كانت هذه التجربة حقيقية؟ وهل فعلاً تُجسد درسًا عمليًا حول السلوك البشري؟ دعونا نتأمل في تفاصيل هذه القصة ونفكك خيوطها بين الحقيقة والخيال.

تجربة القرود الخمسة والموز

منذ فترة طويلة وأنا أجد نفسي أواجه قصة تجربة القرود التي تكيفت على الوضع بفعل رش الماء البارد عليها. وهي حكاية منتشرة بشكل واسع على الإنترنت في الصفحات الإلكترونية، ورسائل البريد الإلكتروني، والشبكات الاجتماعية، والمدونات، والمنتديات، وما إلى ذلك. تتكرر القصة بنفس الشكل تقربيًا في كل مكان، وهناك بعض النسخ بتغييرات طفيفة. دعونا في البداية نستعرض هذه التجربة:

قام مجموعة من العلماء بوضع خمسة قرود في قفص، وفي وسطه وضعوا سُلَّمًا وعليه مجموعة من الموز. في كل مرة حاول فيها أحد القرود صعود السلم للحصول على الموز، كان العلماء يرشون بقية القرود بالماء البارد. بعد فترة، أدركت القرود العلاقة بين صعود السلم ورش الماء، فبدأوا في ضرب أي قرد يحاول الصعود. تكررت التجربة عدة مرات، حتى أصبح أي قرد يجرؤ على الصعود يتعرض للضرب دون أن يضطر العلماء لرش الماء.

حين تصبح العادة أقوى من السبب

بعد ذلك، بدأ العلماء باستبدال أحد القرود بآخر جديد. أول ما فعله القرد الجديد عند رؤية الموز كان محاولة الصعود، لكن بقية القرود أسقطته وضربته دون أن يعرف السبب. وبعد عدة محاولات، تعلَّم القرد الجديد القاعدة: لا تصعد السلم.

تكررت عملية استبدال القرود، وفي كل مرة كان القرد الجديد يتعرض للضرب حتى يتعلم عدم الصعود. وبعد فترة، استبدل العلماء جميع القرود، حتى لم يبق أي قرد من المجموعة الأصلية التي تعرَّضت لرش الماء البارد. ومع ذلك، استمرت القرود الخمسة الجديدة في ضرب أي قرد يحاول الصعود، رغم أنهم لم يتعرضوا قط لرش الماء البارد. ولو سألت أحدهم عن السبب، لأجابك: لا أعلم، هكذا تجري الأمور هنا.

رسالة نظرية القرود الخمسة

رسالة نظرية القرود الخمسة
اقتباس منسوب خطأ لأينشتاين

لا يمكن إنكار أن القصة تحمل رسالة قوية، لكن هناك بعض الأمور التي لا تتماشى تمامًا مع المنطق. غالبًا ما تضاف في نهاية القصة عبارات إرشادية مثل: “لا تفوت فرصة مشاركة هذه القصة مع أصدقائك، ليتساءلوا لماذا نقوم بالأشياء كما نقوم بها، وهل يمكننا القيام بها بشكل مختلف”..

وأحيانًا تُرفق القصة باقتباس ينسب إلى أينشتاين:

يا لها من حقبة حزينة تلك التي نعيشها! من الأسهل تفتيت ذرة من تغيير تحيز..

إضافة إلى ذلك، غالبًا ما تُعرض نظرية القرود الخمسة في سياق تطوير الذات أو النجاح في عالم الأعمال بدلاً من كونها دراسة سلوكية جادة.

ماذا يحدث إذا حاولت معرفة من هم هؤلاء العلماء الذين قاموا بهذه التجربة؟ لن تجد شيئًا. فمعظم المواقع تكتفي بتكرار القصة نفسها بنفس الكلمات. وفي بعض الأحيان، يخطئ البعض وينسب التجربة إلى أينشتاين بسبب الاقتباس الذي يظهر في نهاية القصة. ولا أستطيع تخيل أينشتاين وهو يرشق القرود بالماء البارد!

من أين جاءت القصة؟

نظرية القرود الخمسة
من هو صاحب نظرية القرود الخمسة

إذا استمريت في البحث، تبدأ في العثور على الخيط الذي يقودك إلى أصل قصة القرود الخمسة. المستشار الإبداعي مايكل ميشالكو سرد القصة في مدونته، وتلقى تعليقًا من عالم متخصص في دراسة الرئيسيات يسأله عن مصدر القصة. رد ميشالكو بأن القصة مستوحاة من دراسة أجراها شخص يدعى ستيفنسون عام 1967 بعنوان Cultural acquisition of a specific learned response among rhesus monkeys.[1]. لكن يبدو أن تجربة ستيفنسون كانت مختلفة تمامًا عن القصة التي انتشرت.

العالم النفسي بينيت جيف جاليف شكك في إمكانية إجراء مثل هذه التجربة المعقدة في ستينيات القرن الماضي. وبحسب جاليف، فإن القصة قد تكون مزيجًا من تجارب ستيفنسون وتجارب أخرى مثل عمل فولفغانغ كولر مع الشمبانزي، ودراسات جاكوب وكامبل حول انتقال القواعد العشوائية بين الأجيال البشرية، وأبحاث سوزان مينكا التي أعادت النظر في تجارب ستيفنسون.

لماذا لا نكتفي بالرسالة الجميلة للقصة بدلاً من التحقق من صحتها؟ أولًا، لأن القصة إذا كانت غير حقيقية، فإن مصداقيتها تكون موضع شك، وهذا ما أثبتته مينكا. ثانيًا، بسبب الطريقة التي انتشرت بها القصة وتستمر في الانتشار. هل من الضروري تقديمها على أنها دراسة علمية بدلاً من كونها مجرد أسطورة أو حكاية رمزية؟

الحقائق الوهمية التي نقبلها دون تفكير

عندما نقرأ قصة على الإنترنت، نتوقع – وربما بسذاجة – أن تكون المعلومات التي تُقدَّم لنا موثوقة ومدعومة بالأدلة. وهنا تتحول القصة إلى مفارقة. من يقومون بنشر قصة نظرية القرود الخمسة دون التحقق من صحتها، يقعون في نفس الفخ الذي وقع فيه القرود: تكرار سلوك بلا مبرر، دون التساؤل عن أصله. ربما لن يتعرضوا لرش الماء البارد، لكنهم يكررون سلوكًا معينًا دون تفكير، تمامًا كما فعلت القرود. ولو سألت أحدهم لماذا نشر القصة، قد يجيبك: “لا أعلم، هكذا تجري الأمور هنا”.. فلنجعل تضحية القرود الخمسة غير عبثية، ولنسعَ لتقديم المعلومات الموثوقة والمستندة إلى الأدلة.

قصة القرود الخمسة ليست استثناءً؛ فهي مثال حي على قوة التكرار في تشكيل الحقائق الوهمية التي نقبلها دون تفكير. بدلاً من إعادة نشر القصص دون تمحيص، لنكن أكثر حرصًا في استقاء المعلومات من مصادر موثوقة، ولنُعزز ثقافة التحقق والتفكير النقدي قبل أن نقع فريسة للخرافات المتداولة.

هوامش

[1] Cultural Acquisition of a SpecifIc Learned Response Among Rhesus Monkeys.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!