أجراس الموت هي قصة قصيرة عن الحرب وما يمكن أن تحمله هذه الحروب من مآسي لن يشعر بها سوى مَن عان منها. إنها واحدة من القصص الواقعية التي ترصد الواقع الأليم للبشر في ظل الحروب.

( العائلة) قبل أن تدق أجراس الموت

في صباح هذا اليوم، كانت الزوجة سمية تقوم بإعداد الفطور لزوجها ياسر وولدها الصغير عمّار والجدة العجوز. دلفت إلى المطبخ بينما كان ياسر يجلس في إحدى زوايا المنزل يتابع عن كثب بعض الأخبار العاجلة، والمشاهد المروعة لمجازر القتل الذي يقوم بها الاحتلال في بلده المُعذب. كان ينصت جيداً لصوت المذيع الحزين حينما قاطعه صوت إنفجار ضخم هز أرجاء البيت. سقط عن كرسيه، وجحظت عيناه، وهو ينظر لسقف البيت بعد أن تحول في غمضة عين إلى فضاء رمادي. الدخان الأسود ملأ رئتيه، والضباب قد طاف في أرجاء المكان فحجب عنه الرؤية. إرتعش جسده ككل مرة يحدث فيها قصف، لكن هذه المرة كان ذهوله أشد حدة عن ذي قبل.

حاول النهوض متثاقلاً وهو يحاول أن يستوعب ما يحدث. الأرض تهتز تحت قدميه وكأن زلزالاً قد أصابها. استجمع شتات نفسه وأفكاره وركض مسرعاً ناحية أهل بيته ليطمئن عليهم بينما دوى انفجار أخر أفزع سكان المنطقة بأكملها، ودوت صرخات النساء والأطفال في أنحاء المكان.

انطلق يفتش في البيت الذي يهوى سريعاً، لكنه لم يعثر على أحد. لم ينتظر ليُفكر فيما سوف يفعله، بل ركض ناحية الشارع لعله يجد ضالته. فوضى عارمة. الجميع يركض في كل مكان. القذائف تنهال على البيوت مسعورة، وما أن هبط بأولى خطواته خارج البيت حتى هوى المنزل على الأرض. نظر إليه في أسى والرعب يدب في أوصاله، بعد أن تحول بيته الشامخ الذي طالما جذب جماله واتساعه أنظار الجميع إلى أطلال.

اقرأ أيضاً: رواية الأجنحة السوداء .. البداية (1)


حطام من البشر – أجراس الموت قد دقت

قصص واقعية - قصص قصيرة - قصص عن مآسي الحروب
مآسي الحروب

انتصر على خوفه واتجه مسرعاً يبحث عن نصفه الآخر وطفله بين الحشود التي تسير في الطرقات تحت ضجيج القصف. بينما خطوات تائهة وأكوام من البشر تتساقط وسط برك من الدماء. بيوت تهوى ونساء تصرخ. كانت كل الموجودات تودع الحياة بنظرات توسل واستجداء.

قادته قدماه ناحية بعض المسعفين الذين أتوا من المخيم القريب. كانوا ينتشلون أكواماً من اللحم البشري. جثث مفككة، أقدام وأيادي لصغار وكبار. رؤوس تقطر منها الدماء، بطون نساء حوامل انفجرت بداخلها الأجنة. كان يخشى أشد الخشية أن تكون إحدى هذه الجثث لأحد من عائلته الصغيرة، حتى عثر عليها يد ممتلئة بتجاعيد يعرفها جيداً مازالت أصابعها تحتفظ بخاتمها الذهبي والمسبحة البيضاء مازالت بين يديها. أزاح عنها الحجارة فرأى أنها الجدة، لكن جسدها ممزقاً بين الركام. لم يظهر سوى رأسها ذو الشعر الأبيض مقطوعة على مقربة من كومة لحم. كان المشهد مخيفاً. خر على ركبتيه وهو يقاوم الدموع، وخرجت من فيه صرخة إهتزت على إثرها نفسه، وبعد أن هدأ قليلاً حتى ثارت الأفكار في عقله كالبركان. كانت خشيته أن يجد جسد زوجته وطفله الوحيد بجانبها، لكن بعد البحث الطويل اطمئن قلبه حينما لم يجدهما بين الجثث.

اقرأ أيضاً: غربال الحقيقة


طفولة بريئة

في تلك الفترة ومع الفوضى التي سرت في المكان كانت الأم سمية تحمل بين ذراعيها طفلها الذي رزقت به بعد ثمان سنوات، في محاولة أخيرة منها للنجاة. إجتازت نصف الطريق تحت إشتداد الضربات، أصابتها قذيفة مدفعية فسقطت أرضاً. احتضنت إبنها، وحاولت أن تضمه، تنهض بصعوبة بالغة لكي تحتمي من القذائف التي تنهمر فوق رؤوس الجميع. تبحث عن ملاذ آمن تختبئ فيه مع الطفل. كانت تمشي بصعوبة وهي تحمل الطفل. تجر قدميها والدماء تسيل منها بغزارة. تصارع الموت والسقوط، لكن آلات الحرب اللعينة لم تُمهلها فتسقط قذيفة أخرى بجانبها تصيبها إصابة ثانية، فتسقط على الأرض تارة أخرى. تتحامل على نفسها وهي تحتضن الطفل بكل ما أوتيت من قوة. لم تستسلم أبداً، لكن مع اشتداد الضربات نزعت قذيفة طفلها من على صدرها لتقتله في لحظة. ركضت ناحية الطفل الغارق في دمائه على الأرض. حملته وهو ينزف بشدة. تجري بذهول ودماء الطفل تسيل على يديها بينما روحه قد ارتقت إلى السماء السابعة. تبقى الأم محتفظة بجسده، وهي تركض وسط الغبار والدماء. لا تصدق أن طفلها الوحيد الذي انتظرته طويلا قد وافته المنية.

توقف كل شيء حينما نظرت إلى ولدها تهزه فلا يُحرك ساكناً. صمت كل شىء حولها وبداخلها. أطاحت الصدمة بتلابيب عقلها فمنعتها حتى من الصراخ، وبعد لحظات سكت صوت المدافع، ولم يتبق سوى صراخ الأمهات المكلومة حولها، والآهات التي تتصاعد متوسلة إلى السماء.

نظرت حولها لترى البشر في غدوهم ورواحهم وهم يحملون جثث أقاربهم وذويهم، ويضمدون جراح المصابين. الدموع المنسابه من بين وجنتيها جعلت الرؤية ضبابية. عادت لتبصر طفلها الذي أسكته الموت وتصرخ عالياً وهي تقول: نموت معاً، لا تتركني، لقد انتظرتك طويلاً.


أجراس الموت قد توقفت عن القرع

حتى ذلك الوقت يأبى عقلها أن يُصدق أن الطفل قد مات. بينما نظرت عن يمينها وعن شمالها تطلب النجدة من أحدهم. يفزعها رؤية زوجها ياسر وقد أصابته قذيفة جعلته لا يتحرك من مكانه. لم تتحمل أكثر من ذلك فغشيتها غيبوبة طويلة، وتم نقلها إلى عيادة المخيم القريب من المكان.

مضت الأيام وسمية تتلقى العلاج في العيادة. في حين فتحت الحياة أبوابها من جديد. أجراس الموت قد توقفت عن القرع وإبتلاع مزيد من البشر. جفت الدموع في الأحداق، لكن دموع سمية لم تجف بعد. الفطرة الإنسانية المتمثلة بالبكاء تجسدت في ملامح وجهها. قطرات تجري على خدها لم تكن ماءً مالحاً فحسب، إنما أرواح ذابت في روحها فتقطرت عيناها حنيناً.

كان بجانبها على السرير المقابل شيخاً قد بلغ من الكبر عتياً يتلقى أيضاً العلاج. بينما بدت على ملامحه المأساة وهي تضرب بجذورها في باطن روحه، حينما رأى الدموع تناسب من عينيها قال لها في آسى: لا عليك يا بنيتي… هكذا نحن البشر بغيابهم الطويل نتعاطى الحياة بصعوبة بالغة. نبتلع غصة الفراق. من رحل فقد استراح، لكن المعاناة والألم تُصيب فقط من ظل باقياً… اهدئي قليلاً… أخبريني ماذا حدث آنذاك؟

اقرأ أيضاً: تحت ظل شجرة


مأساة لن تنته

طفقت تتحدث بعد أن استعادت أنفاسها وعادت بذاكرتها إلى الوراء، لكن المأساة لم تنته برحيلهم، وذاكرتها لا تتسع لشلالات الدم وصرخات الطفل…..

قالت كلماتها في اقتضاب، وشردت بذهنها بعيداً بين تنهيدة وأخرى ثم تاهت صرخاتها المكتومة بين أهداب الرجاء. عاد قلبها باحثاً عن جذور تركها في أرض الماضي وغاب. عن لحظات تُشبه مرور السحاب في أفق السماء فيمطر ما في جعبته ثم يذوب في غياهب السماوات. كانت تنظر إلى بسمة طفلها البريء الذي يركض ويلهو تحت زخات المطر. كم تتمنى رؤيته ولو لمرة واحدة أخرى وترحل بعدها إلى قلب الموت. لهفة الاشتياق تُلقي بها في خضم الأماني. تلوح أمام عينها صورة طفلها الذي اختفى. تبللت وجنتيها بالدموع، بينما عادت روحها تزوي في ركن بعيد من تحت وطأة الحزن، ترتجف وتثور، وتمني النفس أنه مازال حياً؟

أمنيات كثيرة تدور في أروقة النفس تبحث عن حلم طال انتظاره. إنها في أشد الحاجة إلى الصراخ. بينما تتلهف إلى لقاء. ترنو إلى دفء حضن يساوي لديها كنوز الكون. فجأة بدا لها طفلها يجلس أريكة من استبرق بين جدته وأبيه، وقد بدا على وجوههم نوراً أضاء المكان، وطفت على خدودهم حمرة. أسنانهم كاللؤلؤ، ولهم أجنحة ملونة شفافة وبراقة. بينما شعرت حينها بالفرح الممزوج بالآهات وعادت الدموع المعطرة بالبسمة تطفو على سطح وجهها الحزين.

وائل الشيمي

إنسان ينتمي لكوكب الأرض
0 0 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments