رتابة الحياة .. تكرارات لا تنتهي

You are currently viewing رتابة الحياة .. تكرارات لا تنتهي
رتابة الحياة .. تكرارات لا تنتهي

قصة قصيرة: رتابة الحياة تقتلني. كل يوم أعيش في نفس التكرارات التي لا تنته. من العمل إلى المنزل في دائرة مملة لا استطع الخروج منها. ما كل هذا الذي يحدث؟ كنت افكر فيما مضى حينما كنت امتلك بعض أوقات الفراغ أما الآن فلا مجال للتفكير. فإما أن أعيش في هذه التكرارات وإما أن أموت جوعاً. ما هذه المعضلة؟ هل خلقت لهذا السبب؟

غبار الشوارع

في الخامسة فجراً أهجر فراشي. أتناول طعامي. أنطلق إلى العمل. بينما أستقل الحافلة بصعوبة، أصل إلى عملي مُجهد. أتجرع العمل كالسم في حلقي حتى أحصل على المال الذي لا يكفيني في نهاية شهر من العذاب اليومي.

أخرج من العمل لأعود مرة ثانية إلى المنزل، ذلك العش الهادئ لأنفض فيه غبار رتابة الحياة اليومية المتكررة. أعود إلى البيت مُنهك، خائر القوى، بعد أن صمّت آذاني ضوضاء المدينة وصخبها. أنظر إلى نفسي في المرآة. غبار الشوارع يغطي ملامحي. الغبار في كل مكان، في الطرقات، في الحافلات، حتى على الأشجار، والغيث حينما يهطل يحمل معه الغبار أيضاً. كل شيء هنا مُطعم بالغبار، وحين أدلف إلى البيت لأغلقه عن كل شيء خارجه يُفاجئني الغبار في الداخل أيضاً.

“اقرأ أيضاً: انفض عنك غبار السنين


تكرارات الحياة الرتيبة

تمر الأيام رتيبة مملة. أحيا في هذه العذابات كل يوم. التكرار في الواقع عذاب لا يطاق. لكن الأيام تمر، ويركض فرس السنين في براري العمر دون أن أشعر به. لا أرغب الآن سوى في شيء يمسح عني آثار تلك العذابات اليومية. لكن يبدو أنني أطلب المحال، أو أن ما أتمناه مجرد وهم.

فكرت في اعتزال العالم، لكن كيف وهو يدخل غرفتي كما الغبار من بابها، من كل نوافذها، من شقوق جدرانها، ومن هاتفي، نافذتي على العالم.

ومع ذلك فلا تكاد تمر سوى بضع ساعات وأنا في المنزل حتى يطرق بابي مَن يفسد عليّ عزلتي، يجلس معي يتبادل أطراف من الأحاديث الفارغة، يشكو لي أحواله، أستمع بلامبالاة، الكل يحمل مشاكل ضاق بها ذرعاً، فجاء إلى عتبة بابي لعله يجد مَن يحملها معه.

“اقرأ أيضاً: تباً لك أيتها الحياة


لوثة عقلية

أستقلى على فراشي في الثانية صباحاً. أستعرض حينها مسلسل رتابة الحياة اليومي الممل. أفكر في الخروج منه دون أن أُصاب بلوثة عقلية، أو عقدة يصعب الشفاء منها.

في تلك الليلة لم استطع النوم. بينما دقات الساعة تشير إلى الثالثة فجراً. ما زلت في قمة صحوي رغم التعب اليومي المعتاد. أشعر بشيء ما يدفعني للرفض، إلى الثورة ربما. أرى على البعد أشياء تتحطم أمام عيني، أشعر بخفة طائر لا يعبأ بقوانين الجاذبية. هذا بالضبط ما كنت أريده، أدركت حينها أن العذابات اليومية عند الفجر القادم ستستحيل إلى فقاعات هوائية.

“اقرأ أيضاً: شعور جيد عليك تجربته


رتابة الحياة في هذا العالم القاسي

في ظل رتابة الحياة لقد ضللت الطريق وتعثرت أحلامي على رصيف هذا الواقع الأليم. بينما تمكن مني القلق والخوف. لا اريد سوى أن أصرخ بقوة. أتمنى أن أجد من يعيدني للحظة ابتسمت فيها، لكني لم أجد سوى شذرات من ذكريات مبهجة، وكثيراً من ذكريات مؤلمة، انتشيت بهما قليلاً لكن كل شيء يسير إلى منتهاه، وكذلك فعلت الذكريات التي تعود دوماً إما لتفرحنا أو لتتركنا أشلاء.

أنا في أشد الحاجة إلى الرحيل عن هذا العالم القاسي الممل. أشعر برغبة عميقة في الهجرة إلى اللامكان. لقد سأمت من هذا الكوكب بأكمله. لم يعد لدي قدرة على الاحتمال. الحياة لم تكن ذات بهجة يوماً ما. لقد تعثرت فيها ولم يعد هناك رغبة كما أنني قد سأمت من البشر. ما احتاجه هو أرض غير الأرض وسماء غير السماء. احتاج رؤية حياة أخرى غير تلك. احتاج النظر إليها بطريقة مختلفة ومن مكان جديد.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك