اللانهاية: مفهوم يتخطى حدود العقل
اللانهاية.. تلك الفكرة التي تتجاوز حدود الزمان والمكان، لطالما أثارت فضول الإنسان وأشعلت خياله. فعلى الرغم من أنها تبدو بسيطة في تعريفها—كونها ما لا نهاية له—إلا أن تخيلها يضع العقل البشري أمام هاوية الإدراك. من مفارقات زينون الفلسفية إلى فنادق هيلبرت اللانهائية، ومن قردة بوريل إلى محاكيات شكسبير، يحاول الإنسان منذ آلاف السنين أن يقبض على هذا السر الهارب من حدود الفهم، ليرسم له صورًا عقلية لا تقل روعة عن الخيال العلمي.
مفهوم اللانهاية
اللانهاية مفهوم أسهل في تعريفه من تخيله. فهو ببساطة شيء لا نهاية له. حتى العدد “جوجل بليكس”، وهو من أكبر الأعداد التي تم تصورها، لا يقترب بأي شكل من الأشكال من مفهوم اللانهاية. والجدير بالذكر أن مجرد كتابة جميع الأصفار في عدد جوجل بليكس تتطلب ورقة متصلة أكبر من الكون المعروف. في الواقع، اخترع إدوارد كاسنر العدد “جوجل” فقط لتوضيح الفرق بين ما هو كبير بشكل لا يمكن تصوره، وبين اللانهاية.
وربما يكون هذا الطابع الذي لا يمكن الإحاطة به هو ما جعل اللانهاية تثير فضول الإنسان منذ بدايات الحضارة. ومع ذلك، وبسبب كونها شيئًا لا يمكن تصوره، اضطر الفلاسفة والرياضيون إلى إطلاق العنان لمخيلتهم من أجل دراستها، فابتكروا استعارات تتجاوز في كثير من الأحيان الخيال الأدبي.
مفارقات تسبق الرياضيات
كان أول من فعل ذلك الفيلسوف ما قبل السقراطي “زينون الإيلي”، الذي استخدم مفهوم اللانهاية لصياغة مفارقاته الشهيرة. بحسب زينون، فإن السهم الذي يُطلق لا يصل أبدًا إلى هدفه، لأنه دائمًا يشغل حيّزًا محددًا من المكان، وبالتالي فهو ثابت في كل لحظة.
لكن المفارقة التي أكسبته شهرة عالمية كانت مفارقة “أخيل والسلحفاة”. فقد منح أخيل السلحفاة ميزة التقدّم عليه بمقدار كيلومتر، ووفقًا لزينون، فإن أخيل لن يتمكن أبدًا من اللحاق بها، لأنه عندما يقطع الكيلومتر الذي سبقته به، ستكون السلحفاة قد تقدّمت مسافة جديدة، وهكذا إلى ما لا نهاية. وقد قام عالم الرياضيات “جيمس غريغوري” بحل هذه المفارقة بالقول إن مجموع عدد لا نهائي من القيم قد ينتج عنه نتيجة نهائية محدودة.
فندق هيلبرت اللانهائي
لكن دعونا نقفز، قفزة كبيرة وإن لم تكن لا نهائية، إلى القرن العشرين. اثنتان من أكثر الاستعارات جاذبية حول اللانهاية هما استعارة ديفيد هيلبرت وفندق اللانهاية الخاص به، ومبرهنة القرد اللامنتهية لإميل بوريل.
كان هيلبرت، المعروف بمشكلاته الثلاثة والعشرين التي شكّلت أساسًا كبيرًا للبحث الرياضي في القرن العشرين، قد أنشأ – في خياله – فندقًا لا نهائيًا. امتلأ ذلك الفندق عندما استضاف عددًا لا نهائيًا من النزلاء. ومع ذلك، عندما جاء نزيل جديد بعد ذلك، وُجدت له غرفة أيضًا. ثم وصلت لاحقًا حافلة تحمل عددًا لا نهائيًا من السيّاح، وتم إيجاد طريقة لاستيعابهم جميعًا. بل إنه حتى عندما وصلت حافلات لا نهائية، كل منها تحمل عددًا لا نهائيًا من السيّاح، استطاع الفندق أن يستوعبهم جميعًا. وهكذا، يمكن الاستمرار في تعقيد المسألة إلى ما يقارب اللانهاية.
وقد قرأت في مكان ما أن رجل أعمال رأى في الأمر فرصة، فافتتح عددًا لا نهائيًا من الفنادق اللانهائية. لكن بسبب الأزمة الاقتصادية اضطر لإغلاقها جميعًا ما عدا الفندق الأصلي؛ وبالطبع، تطلب الأمر إعادة إيواء جميع النزلاء في الفندق الوحيد المتبقي. يتيح لنا فندق هيلبرت اللانهائي تأمّل بعض خصائص اللانهاية؛ على سبيل المثال، حاصل ضرب اللانهاية في اثنين يظل لا نهائيًا ـ بينما إذا حاولنا ضرب اللانهاية في نفسها، فإن الناتج يكون لا نهائي.
مبرهنة القرد اللامتناهية
أما واحدة من أكثر الاستعارات المفاجئة حول اللانهاية، فهي مبرهنة القرد اللامتناهية التي طرحها إميل بوريل عام 1913، والتي تنبّأ بها بشكل طريف الكاتب جوناثان سويفت في رحلات غوليفر. يقول بوريل، إذا جلس قرد يضغط على مفاتيح آلة كاتبة بشكل عشوائي لمدة زمنية لا نهائية، فسيكون قادرًا على كتابة أي كتاب موجود في المكتبة الوطنية الفرنسية. بل إنه سيكون قادرًا على كتابة نفس الكتاب عددًا لا نهائيًا من المرات.
وفي نسخة شعبية أكثر انتشارًا، يقال إن هذا القرد سيكون قادرًا على كتابة جميع أعمال وليم شكسبير. لكن ينبغي التأمل، لفهم ضخامة مفهوم اللانهاية، في أن احتمال حدوث ذلك في فترة زمنية تساوي عمر الكون هو احتمال يقارب الصفر. لقد أثرت هذه الاستعارة بشكل عميق في الخيال الجمعي. حيث ألهمت العديد من الأعمال، من بينها قصة مكتبة بابل لخورخي لويس بورخيس.. والقصة التي لا تنتهي لميشائيل إنده.. ومسلسلات مثل عائلة سمبسون.. وحتى محاكاة إلكترونية بعنوان محاكي قردة شكسبير، الذي تم إطلاقه في 1 يوليو 2003، وتمكن حتى الآن من إنتاج مقطع صغير مكوّن من 24 حرفًا من مسرحية هنري السادس.
اللانهاية.. حد الخيال وبدايته
هذه مجرد أمثلة قليلة من الأمثلة الرائعة والمليئة بالخيال التي لجأ إليها الإنسان للإشارة إلى شيء لا نهاية له، وهو بعيد المنال كما هو عصيّ على الوصف. كل ما يمكن للإنسان معرفته له نهاية. أما اللانهاية، فلا.
ربما يكمن سحر اللانهاية في كونها فكرة لا يمكن بلوغها، ولا التحقق منها.. لكنها في الوقت ذاته تلهم عقول العلماء والفلاسفة والأدباء على حدّ سواء. هي المرآة التي يرى فيها الإنسان حدود قدرته على الفهم.. وفي الوقت ذاته، مفتاح لآفاق لا تنتهي من التأمل والتساؤل والإبداع. فما دام العقل يحاول أن يتصور ما لا يمكن تصوره، ستظل اللانهاية رفيقة الخيال البشري إلى الأبد.