فلاسفة الطبيعة: من أين تأتي كل الأشياء في العالم؟

You are currently viewing فلاسفة الطبيعة: من أين تأتي كل الأشياء في العالم؟
فلاسفة الطبيعة الأوائل

فلاسفة الطبيعة هم أوائل الفلاسفة الذين ظهروا في تاريخ بلاد الإغريق وبالتحديد منذ القرن السادس قبل الميلاد. ويطلق عليهم كذلك نظرًا لأن اهتمامهم كان في المقام الأول هو دراسة الطبيعة والظواهر الطبيعية. في هذا المقال نخوض سويًا رحلة شيقة داخل عقول هؤلاء الفلاسفة الذين وضعوا اللبنة الأولى للفلسفة في العصور القديمة.

أصل الموجودات في العالم

من المتعارف عليه أن كل فيلسوف له مشروعه الفلسفي الذي اهتم به، أو على وجه الدقة المسائل التي شغلت عقله. فمن الفلاسفة من يهتم بالسؤال عن وجود الله؛ أو ربما تساءل عن خلود الروح الإنسانية، ومنهم من يهتم بالتساؤل عن أصل الكون أو غاية وجود الإنسان؛ وغيرها من الأسئلة الفلسفية التي شغلت عقول الناس منذ وجودهم على هذه الأرض.

ربما تساءلنا عن أصل العالم وأصل وجود كل الأشياء الموجودة في العالم. وفي عصرنا الحديث نجد أن كثير من البشر يؤمنون بالفكرة التي تقول إن كل شيء قد وجد من العدم في لحظة معينة. لكن هذه الفكرة لم يكن لها وجود عند الإغريق فهم كانوا يعتقدون أن العالم كان موجودا على الدوام. ومن هنا نجد أن هذه الفكرة لم تكن تشغلهم بل كان جوهر اهتمامهم هو معرفة من أين تأتي كل الأشياء الموجودة في العالم. فهم كانوا يلاحظون أن الطبيعة تتحول بصورة مستمرة ودائمة، فالأسماك الحية تخرج أمامهم من الماء، والنباتات الحية تخرج من الأرض الميتة، بل يولد الطفل من بطن الأم. ومن هنا كان السؤال الأهم الذي حاولوا الإجابة عنه هو: كيف يمكن لشيء أن يتحول من جماد إلى كائن حي؟ وهل هناك مادة أولية صنع منها كل شيء؟  وإذا كان الامر كذلك فكيف يمكننا تفسير قدرة هذه المادة الأولية على التشكل لتكوين شجرة ومرة على لتشكل حيوان.


المادة الأولية

بدأت ملاحظة هؤلاء الفلاسفة للطبيعة فتوصلوا إلى الماء يوجد في جميع الكائنات الحية. ولكنهم واجهوا معضلة أخرى هي حتى إذا كان الماء يؤلف 59 في المائة من ثمرة الخيار مثلاً فلا بد أن تحتوي هذه الثمرة على شيء أخر حتى تصبح خيارة بالتحديد وليست أي ثمرة أخرى.

وبعد كل هذه التساؤلات والملاحظات توصلوا في النهاية إلى وجود مادة أولية تتكون منها كل الأشياء في الطبيعة. وأن هذه المادة الأولية هي العلة أو السبب الخفي الكامن وراء كل التغيرات والتحولات التي تحدث في الطبيعة. لذا فهذه المادة هي التي تنشأ عنها الأشياء ومن ثم تعود إليها مجدداً. ومن هنا توصلوا إلى أن الأشياء تنشأ من التراب وتعود إليه مرة أخرى بعد تحللها. لذا لدينا الآن عنصران هما الماء والتراب. فإذا عدنا إلى ثمرة الخيار نجد إنها تتكون من التراب والماء. لكن يعود السؤال مرة أخرى لماذا خيارة وليست أي ثمرة أخرى. إذن لابد ان يكون التراب مؤلف من أكثر من مادة واحد. فإذا كان التراب يتشكل من مواد مختلفة استطعنا أن نتخيل أن يسفر اتحاد التراب بالماء عن ثمرة الخيار، وإذا اختلفت النسبة التي يتكون منها التراب فعندما يتحد مع الماء ينتج لنا دجاجة مثلاً.

اقرأ أيضًا: مفهوم السعادة: ولماذا لا نريد أن نكون سعداء دائماً؟


الأسلوب العلمي في التفكير

وعلى الرغم من أن الأهمية لا تكمن في الإجابة عن هذه الأسئلة التي طرحوها بقدر ما تكمن في معرفة طريقة تفكيرهم في ذلك الوقت. فهم أرادوا تفسير التحولات والتغيرات في الطبيعة وفهمها بعيداً عن التفسيرات الأسطورية التي كانت سائدة في ذلك الوقت. حيث كان من المتعارف عليه في ذلك الزمن انهم كانوا يفسرون ظواهر مثل البرق والرعد مثلاً على إنها انتقام من الآلهة وغيرها من الأساطير التي تحاول تفسير ما يحدث في الطبيعة. لذا يمكن اعتبار هؤلاء الفلاسفة هم أول من استخدموا الأسلوب العلمي في التفكير.

وقد ضاعت الكثير من أفكار هذه الفلاسفة والقدر الضئيل الذي عرفه هو ما كتبه أرسطو عنهم، وذلك بعد قرون من رحيلهم. إلا أن أرسطو قد لخص ما توصل إليه فلاسفة الطبيعة من استنتاجات فحسب ولا نعرف الطرق أو المنهج الذي اتبعوه للوصول إلى هذه الاستنتاجات.

اقرأ أيضًا: لماذا يحتاج البشر إلى الفلسفة؟


فلاسفة الطبيعة الأوائل

ربما كان هناك العديد من فلاسفة الطبيعة في ذلك الزمن إلا اننا لم نسمع سوى عن القليل منهم فحسب. ولعل أشهر هؤلاء الفلاسفة هم ثلاثة كان لهم دوراً فعالاً وهاماً في تاريخ الفكر الإنساني. وهؤلاء الفلاسفة هم طاليس وانكسيمندريس وانكسيمانس. ولسوف نتناول أفكار كل فيلسوف منهم على حدة:

طاليس

يعد طاليس من أوائل الفلاسفة التي سمعنا عنهم. وهو أحد الحكماء السبعة في الفلسفة اليونانية، وعرف عنه اهتمامه بالهندسة. عاش في ملطية وهي مستعمرة يونانية في آسيا الصغرى. وتذكر بعض المراجع عن طاليس أنه كان رحالة سافر إلى العديد من بلدان العالم القديم، ولعل مصر كانت من أهم تلك البلاد التي زارها طاليس. وقد تأثر بأساطير الشرق الأدنى وعلى وجه التحديد الأساطير المصرية إلا إنه تخلى عن ذلك وحاول تفسير العالم تفسيراً عقلياً. حيث يحكى عنه أنه استطاع حساب طول أهرامات مصر من خلال قياس ظل الهرم في اللحظة التي تطابق فيها ظل جسمه هو مع طوله الحقيقي. ويُقال كذلك إنه أول من تنبأ بكسوف الشمس، وكان ذلك في عام 585 قبل الميلاد.

أما بالنسبة لأفكار هذا الفيلسوف فلقد عُرف بأنه أول من حاول رسم صورة للعالم بعيداً عن التصور الأسطوري القديم. حيث كان يعتقد مثل غيره من فلاسفة الطبيعة أن الماء هو أصل كل الأشياء في الطبيعة، ولا نعلم ما الذي كان يقصده من ذلك إلا إننا نتصور أنه يشير إلى أن كل أشكال الحياة الموجودة على سطح الأرض نشأت من الماء.

وقد لاحظ طاليس خلال وجوده في مصر أن المحاصيل الزراعية سرعان ما تنمو بعد أن ينحسر فيضان النيل عن أرض الدلتا. كما لاحظ أن الضفادع وديدان الأرض سرعان ما تخرج من مكامنها بمجرد أن يتوقف هطول المطر، كذلك لاحظ تحول الماء إلى حالاته الثلاثة الصلبة والسائلة والغازية.

أما أشهر ما قاله طاليس فهو: “إن كل الأشياء مليئة بالآلهة”. وكان تصوره أن الأرض تحتوي في طياتها على بذور حية دقيقة وغير مرئية هي التي تخرج جميع من في الوجود.

انكسيمندريس

عاصر طاليس فيلسوف أخر هو انكسيمندريس، وعاش كذلك في ملطية. وكان انكسيمندريس يرى أن عالمنا لم يكن سوى عالم واحد من عوالم عديدة لا تعد ولا تحصى، وكل هذه العوالم قد نشأت أو تولدت من شيء يسميه اللامحدود، لكننا لا نعلم ما الذي كان يعنيه انكسيمندريس باللامحدود. وربما كان يقصد أن المادة التي تنشأ منها كل الموجودات ينبغي أن تكون مختلفة عن الأشياء التي تنشأ عنها. ولما كانت كل المخلوقات محدودة فإن ما يأتي قبلها وبعدها يجب أن يكون لا محدود. ومن هنا ندرك أنه ربما يريد أن يقول إن المادة الأولية التي نشأت عنها كل الأشياء لا يمكن أن تكون شيئاً معروفاً مثل الماء كما قال طاليس.

انكسيمانس

أما الفيلسوف الثالث فهو انكسيمانس، وهو من اتباع مدرسة ملطية أو كما تعرف باسم المدرسة الأيونية، وكان آخر من مثل هذه المدرسة.  تبنى انكسيمانس فكرة طاليس لكنه كان يرى أن الهواء هو أصل كل الأشياء، لقد كان يعرف مذهب طاليس في الماء لكن من أين يأتي الماء وكيف يتحول؟ تصور انكسيمانس أن الماء لابد أن يكون هواء وقد بلغ درجة التركز الكثيف. وكان يتصور أن الماء عندما تزداد كثافته يتحول إلى تراب. فلا ريب إنه لاحظ أن الجليد يتحلل إلى تراب ورمال وبنفس الطريقة في التفكير لم تكن النار في رأيه سوى الهواء مخففاً ومتخلخلاً فالتراب والماء والنار عناصر لها كلها أصل واحد هو الهواء.

وليس من الصعب ملاحظة الصلة بين التراب والماء من جهة وبين النباتات التي تنمو في الحقول من جهة أخرى. ولعل انكسيمانس كان يتصور أن التراب والهواء والنار عناصر ضرورية كلها لخلق الحياة مع اقتناعه أن الهواء هو أصل كل الأشياء. وانكسيمانس يتفق مع طاليس وانكسيمندريس في التأكيد على أن هناك مادة واحدة هي أصل كل التغيرات التي تحدث في الطبيعية وإن اختلفوا في تحديد هذه المادة.


وفي النهاية نرى أن الفلاسفة الطبيعيين الثلاثة كانوا يعتقدون أن أصل العالم هو مادة أولية واحدة. تلك المادة هي التي نشأ عنها كل الموجودات في العالم، ولكن مع ذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه ولم يستطيعوا الإجابة عنه: هو كيف يمكن لهذه المادة الأولية أن تتحول فجأة إلى شيء مختلف تماماً عنها؟


المراجع:

  • فلاسفة اليونان العصر الأول – د. جعفر ال ياسين.
  • تأريخ الفلاسفة اليونان الأوائل – د. شرف الدين عبد الحميد.
  • الدليل الفلسفي الشامل – رحيم أبو رغيف الموسوي.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك