علوم

تدجين الحيوانات: أيادي وأقدام وعيون غير بشرية

تخيّل أن يفرك قرد جبينك حين تعجز عن رفع يدك، أو يرشدك حصان صغير خلال الزحام بدلًا من كلب… يبدو مشهدًا من فيلم خيالي، أليس كذلك؟ لكنه واقع حيّ يتكرّر كل يوم، ووراءه قصة طويلة من الوفاء والذكاء والتطور المذهل للعلاقة بين الإنسان والحيوان. إنها ليست حكاية تدجين الحيوانات فقط، بل رحلة عاطفية وإنسانية تعيد تعريف معنى “اليد الممدودة” حين لا تكون بشرية.

قرود الكبوشي.. رفقاء غير مستأنسين

تاريخ تدجين الحيوانات
قرد الكبوشي

تشكل الحيوانات الخدمية حالة فريدة في العلاقات التي أقامها البشر مع غيرهم من الكائنات الحية على مر التاريخ. رأينا منذ بضعة عقود فقط صورة شخص لا يستطيع استخدام يديه وهو يصدر أوامر لقرد صغير من نوع الكبوشي ليلتقط مفاتيحه، ويضع طعامه في المايكروويف.. أو يغسل له وجهه، ويفتح الباب.. أو يؤدي مجموعة واسعة من المهام المنزلية. المريض الذي يساعده هذا القرد، سواء كان ضحية لبتر متعدد، أو لإصابات في العمود الفقري، أو لأشكال من التدهور العضلي، يجد في هذا القرد رفيقًا يمثل يديه.

والمثير للاهتمام، أن هذا الحيوان لا يعد من الحيوانات الأليفة المستأنسة تقنيًا.. أي أنه لا يزال من الحيوانات البرية، رغم أن جميع الحالات التي تم فيها إقران هذه القرود بأشخاص يحتاجون إلى مساعدتها، أظهرت علاقات مستقرة وودية، استمرت أحيانًا لأكثر من عشرين عامًا.

هذه العلاقة التعايشية الغريبة بين الإنسان والقردة هي الفصل الأخير في قصة بدأت حين قام الإنسان ولأول مرة بتدجين أحد الحيوانات – على الأرجح الكلب – الذي أصبح دعمًا أساسيًا للصيادين قبل أكثر من 10,000 سنة. هذا رغم وجود مؤشرات على أن العلاقة بين الإنسان والكلب ربما تعود إلى 30,000 أو حتى 80,000 سنة مضت أو أكثر.

رحلة تدجين الحيوانات

مفهوم تدجين الحيوانات
تاريخ تدجين الحيوانات

قام الإنسان بعد ذلك بتدجين حيوانات أخرى لم تكن رفقاء، بل فرائس تربى بحيث لا يكون الحصول على مواردها — كاللحم، أو الحليب، أو الجلود — مرهونًا بتقلبات الصيد. ووفقًا لما توصل إليه العلماء، فإن الحيوان التالي الذي تم تدجينه كان الخروف، وذلك في عام 8500 قبل الميلاد في غرب آسيا. تلاه الماعز بعد حوالي 500 عام.. ثم في عام 7000 قبل الميلاد جاء تدجين الأبقار في الصحراء الشرقية، والدجاج الذي يعود أصله إلى آسيا.

تدجين الحيوانات عملية فريدة تتضمن قيام البشر بتربية نوع ما بشكل انتقائي بمرور الوقت. وتعديله وراثيًا ليناسب رغباتهم أو احتياجاتهم، لجعله أكثر هدوءً وإنتاجية. أو للتكيف مع المناخات والأطعمة الجديدة، وجعله معتمدًا على البشر من أجل البقاء. وهذا ما يميز الحيوان المستأنس عن الحيوان البري، الذي يمكن ترويضه للتأقلم مع مرافقة البشر دون أن تُعدّل جيناته، كما هو الحال مع ترويض السنوريات الكبيرة أو الدببة، التي تظل برية وغير متوقعة حتى مع أقرب البشر إليها.

هذه الفروق واضحة جدًا حالة الكلب والخنزير. إذ لا يزال كل منهما ينتمي لنفس فصيلة الذئب والخنزير البري، لكنهما أصبحا في نسختيهما المستأنستين. ويمكن تهجين الكلاب مع الذئاب، والخنازير مع الخنازير البرية، وإنتاج نسل خصب.

قد تتغير فائدة السلالة المُدجّنة بمرور الوقت. فقد استأنست الأغنام لأكثر من ألفي عام للحصول على حليبها ولحومها حصريًا. ولكن حوالي عام 6000 ميلادي، بدأ الرعاة في اختيارها لصوفها، وسرعان ما أنتج صوفًا وافرًا كان المادة الخام للمنسوجات. أما الكلاب، التي كانت في الأصل حيوانات نفعية بحتة، فقد أصبحت تُربى كحيوانات أليفة ورفيقة وزينة. ومن الأمثلة الأخرى الدور المزدوج للماشية كمصدر للحوم والحليب وكمحرك للمحراث، والذي يعود تاريخه إلى 8000 عام في مصر القديمة. ومن المثير للاهتمام أيضًا أنه لم يتم تدجين أي حيوان مهم خلال الألفي سنة الماضية.

كلاب الإرشاد.. قرون من الخدمة الصامتة

مساعد الكلاب للمكفوفين
كلاب الإرشاد

هناك وثيقة صينية يعود تاريخها إلى عام 1200 تظهر رجلًا أعمى يقوده كلب. وفي القرون التالية، ظهرت إشارات وصور متفرقة في مختلف أنحاء العالم تشير إلى مكفوفين تمكنوا من التنقل بمساعدة الكلاب، حتى القرن الثامن عشر. لكن طريقة مساعدة الكلاب للمكفوفين لم تكن منظمة ولا ممنهجة إلا عندما وضع النمساوي يوهان فيلهلم كلاين، الذي أسس معهدًا للمكفوفين في فيينا عام 1819، خططًا مكتوبة لتدريب الكلاب كي تكون دليلًا لطلابه. وفي عام 1847، كتب السويسري ياكوب بيرير عن تجاربه مع كلب قام بتدريبه شخصيًا، وخدمه كدليل لمدة خمس سنوات.

بدأت الكلاب المرشدة تصبح واقعًا فعليًا مع ملاحظات الطبيب غيرهارد ستالينغ، الذي كان يعتني بجنود ألمان فقدوا بصرهم نتيجة إصابات في الحرب العالمية الأولى. فقد لاحظ أن الكلاب كانت تولي اهتمامًا خاصًا بأولئك الذين يبدون في حالة ارتباك. وشرع ستالينغ في تصميم أساليب لتدريب الكلاب كي ترشد المكفوفي. وافتتح في عام 1916 أول مدرسة للكلاب المرشدة في مدينة أولدنبورغ. وقد قامت هذه المدرسة خلال العقد التالي بتدريب آلاف الكلاب التي قدمت خدماتها لمكفوفين من مختلف الدول الأوروبية.

ورغم أن العلاقة بين الإنسان والكلب تعد علاقة خاصة ومتفردة بين سائر العلاقات في عالم الحيوان، فإن العلاقة بين الإنسان والحيوان الذي يمثل يديه أو عينيه أو ساقيه (كما في حالة الخيول) هي أكثر فرادة وتميزًا.

تدجين الحيوانات.. قرود الخدمة

أما قرود الخدمة، فقصتها أحدث بكثير. وقد نشأت فكرتها على يد ماري جوان ويلارد، وهي عالمة نفس تجريبية بدأت عام 1977 بالعمل مع قردين من نوع الكبوشي سبق استخدامهما في البحث العلمي. وقد تمكنت ويلارد ومعها علماء نفس آخرون من تطوير برنامج تدريب (يستغرق أحيانًا أكثر من عام) للقرود الكبوشية، لتتحول إلى “أيدٍ” وأحيانًا “آذان” للأشخاص الذين تعمل معهم.

وتعد هذه الحيوانات قادرة على تقديم خدمات لمدة تتراوح بين 20 و30 عامًا. وتكون علاقات وثيقة للغاية مع الأشخاص الذين تعتني بهم. ورغم أنها لا تستطيع القيام بكل شيء، ولا يزال المصابون بالشلل النصفي بحاجة إلى مساعدة بشرية، فإن هذه القرود تعيد إليهم القدرة على أداء العديد من المهام اليومية التي لا نفكر فيها عادةً — مثل حكّ جلد صاحبها حين يشعر بالحكة. وهذا ليس أمرًا تافهًا، حين نتذكر كم يكون مزعجًا الشعور بحكة لا نستطيع الوصول إليها لنحكّها بأنفسنا.

الخيول القزمية

تدجين الحيوانات
الخيول القزمية

الخيول القزمية أو المهجنة هي أحدث إضافة إلى فئة الحيوانات الخدمية. فهي قادرة على جرّ العربات أو الكراسي المتحركة، ومساعدة من يعانون من مشاكل في الحركة على المشي، بل ويمكن تدريبها لتكون مرشدًا للمكفوفين — وهو خيار مفيد لأولئك الذين يحتاجون إلى حيوان مرشد لكنهم يعانون من حساسية تجاه الكلاب.

لم تكن العلاقة بين الإنسان والحيوان مجرد قصة تدجين وتحكم، بل حكاية تعايش وتكافل ممتدة عبر آلاف السنين. وبينما تستمر الأبحاث والتجارب في توسيع نطاق الاستفادة من قدرات الحيوانات، يبقى الجوهر الإنساني لهذا الارتباط حاضرًا: احتياج متبادل، ورغبة في العون، ورفقة تتجاوز الكلمات. في زمننا الحالي، قد تبدو رؤية قرد يُطعم إنسانًا أو حصان يرشد كفيفًا مألوفة، لكنها تذكّرنا دومًا بأن الإنسانية أوسع مما نتصور.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!