علوم

الطعام الطبيعي: وهم الغذاء العضوي

نحب أن نظن أن الطبيعة ما تزال نقية وبريئة، كما كانت منذ فجر الحياة. نبحث عن الطمأنينة في كلمات مثل “الغذاء العضوي” و”الطعام الطبيعي”، وكأنها تعويذات ترد عنا شر التحولات الصناعية. لكن ماذا لو كانت هذه الكلمات لا تشير إلى الحقيقة، بل إلى وهم جماعي؟ حين ننظر في أطباق طعامنا، لا نرى الطبيعة كما كانت، بل كما صغناها نحن على مدى آلاف السنين: بالنار، والصبر، والاختيار. لقد صنع الإنسان الطبيعة التي يحن إليها الآن. وهذه مفارقة تستحق أن تُروى.

طبق من الماضي

تخيل طبقًا يحتوي على بعض الدرنات التي تشبه الجزر الصغير ولكنها متعددة الأشكال ولونها أرجواني قاتم يكاد يكون أسود.. وبعض الثمار الصغيرة المستديرة كالعنب بلون برتقالي داكن.. وسيقان طويلة من العشب تحمل بضع بذور صفراء مستديرة.. وأوراق ذات حواف متموجة تشبه أوراق اللبلاب.

قد يبدو هذا وكأنه كابوس لمعارض متحمس للتعديل الوراثي في الأغذية. لكن ما تم وصفه ليس سوى الجزر البري.. والطماطم البرية.. والذرة البرية.. ونبتة غريبة تدعى الكرنب الزيتي، وهي أصل البروكلي.. وكرنب بروكسل.. والملفوف.. والقرنبيط، وغيرها من الأصناف.. وكلها تنحدر من نفس النبتة المتواضعة التي ما زالت تنمو في أماكن مثل منحدرات الجص على السواحل الإنجليزية.

قصة التحولات العميقة في طعامنا

تدجين الطعام
تاريخ تدجين الطعام

نعلم أن تاريخ طعامنا هو تاريخ تدجين أنواع كثيرة من الحيوانات والنباتات. لكننا لا ندرك دائمًا مدى الاختلاف بين ما نجده اليوم في أطباقنا وبين أسلافه البعيدين. في الواقع، بعض أسلاف أطعمتنا المعاصرة لم يعد لها وجود. لقد وصفنا نوعًا من الذرة الصفراء التي لا تزال موجودة اليوم. لكن في الطبيعة لم يعد هناك وجود للسنابل الصغيرة ذات الحبوب التي تشبه العدس، والتي وجدت في مدافن أمريكا الوسطى القديمة. فقد قام الإنسان، حين وصل إلى أمريكا ووجد هذه النبتة، بتعديلها صناعيًا من خلال تجارب متكررة حتى حصل على الذرة التي نعرفها اليوم. أدت لمسات خفيفة من الانتقاء الصناعي إلى تغييرات مذهلة في الكائن النهائي. نعم، البروكلي والكرنب البنفسجي هما نفس النبتة، نفس النوع، لكن المزارعين استغلوا التنوعات الطبيعية عبر القرون.

لم تكن الحاجة إلى تسهيل الزراعة أو تحسين الطعم هي وحدها الدافع وراء التغييرات التي طرأت على الأنواع المختلفة. ففي حالة واحدة على الأقل من تلك التي ذكرناها في “سلطتنا المرعبة” في الفقرة الأولى، كان الدافع إرضاء الملوك. إذ كان يمكن للجزر في هذا الطبق أن يكون أسود أو أحمر أو أصفر، إلى جانب درجات مختلفة من اللون البنفسجي.

الجزر البرتقالي والطماطم الحمراء

الطعام الطبيعي
كيف أصبح الجزر برتقالي والطماطم حمراء؟

قرر المزارعون الهولنديون في القرن السابع عشر نيل رضا الأسرة الحاكمة “عائلة أوراني – ناساو” وهي كلمة تعني “البرتقالي” في عدة لغات مثل الفرنسية والإنجليزية والهولندية. لذا، أجروا عمليات تهجين وانتقاء حتى حصلوا على نوع من الجزر بلون برتقالي جديد تمامًا لم يُرَ من قبل.

يمكننا أن نتخيل أنه قبل القرن السابع عشر، كانت فكرة الجزر البرتقالي غريبة، بل وربما مرفوضة بوصفها “غير طبيعية”. وربما كان الحال نفسه سينطبق على الطماطم الحمراء الفاقعة.. فالأصناف الأولى من الطماطم المدجنة التي جلبها الغزاة الإسبان إلى أوروبا كانت أقرب إلى اللون الأصفر، مما يفسر الاسم الإيطالي الذي أطلقه عليها عالم النبات بيترو أندريا ماتيولي ” pomodoro” أي “التفاحة الذهبية”.

وفي كثير من الحالات، لا يمكننا حتى أن نعرف كيف كانت تبدو أسلاف مائدة إفطارنا أو عشائنا. لكن التغيرات التي طرأت عليها عبر آلاف السنين من التدجين قد حولتها إلى أشكال من الحياة لا تكاد تشبه ما يمكن أن نعتبره الطعام الطبيعي.

تدجين الحيوانات

تدجين الحيوانات
تاريخ تدجين الحيوانات

فيما يخص الحيوانات، تفصل حوالي 7,000 سنة من التدجين بين الخنازير الحالية وأسلافها الأصلية، ونحو 8,000 سنة تفصل بين الدجاجة الحديثة وأسلافها من جنوب شرق آسيا… وحتى 10,000 سنة قد تكون المسافة الزمنية التي تفصل بين الأبقار الحالية والثيران البرية ذات القرون الطويلة التي دُجنت، شأنها شأن العديد من الأنواع الأخرى، في الهلال الخصيب في الشرق الأوسط.

ما مقدار التغير الذي يمكن أن يطرأ على كائن حي خلال فترة زمنية بهذا الطول؟ ربما يمكننا أن نتخذ من الحيوانات الأليفة أقرب رفيق لنا، الكلب، مثالًا على ذلك. فعلى الرغم من أنه يعيش معنا منذ أكثر من 10,000 سنة، بل وربما أكثر من ذلك بكثير حسب بعض الباحثين، فإن الغالبية العظمى من “السلالات” أو الأصناف التي نعرفها اليوم لم تظهر إلا قبل بضعة قرون. أما أقدمها فلا يتجاوز عمره الألفي عام، مثل فصيلة الروت وايلر، التي كانت تستخدم من قبل الفيالق الرومانية لرعي قطعان الماشية التي ترافقها. أي أن كل هذا التنوع المذهل، وأحيانًا المفرط، في أشكال الكلاب التي نعرفها اليوم هو نتاج اختيار صناعي تم خلال بضع مئات من السنين فقط.

سيكون من الصعب جدًا، إن لم يكن مستحيلًا، أن نأخذ كلبًا من نوع الدانماركي الضخم، وآخر من نوع يوركشاير تيرير، وثالثًا من نوع ماستيف الكناري، ونحاول من خلالهم استنتاج مظهر سلفهم البري، الذئب الرمادي.

الطعام الطبيعي والطبيعة المصنوعة

الهندسة الوراثية
تأثير الإنسان على البيئة

لا شيء يلمسه كائن حي يظل على حاله. يؤثر المفترس والفريسة على بعضهما البعض. ويتسببان في تغيّر وتطور كل منهما. تمتلك الأزهار أشكالًا وألوانًا معينة لجذب النحل. بينما لدى النحل أجهزة حسية متطورة تسمح له برؤية ألوان وأشكال معينة من الزهور، إلى درجة قدرته على الرؤية في نطاق الأشعة فوق البنفسجية، حيث تبعث الزهور إشارات بصرية قوية. حتى الحيوانات التي تعيش في نفس البيئة، سواء كانت تتنافس أو تتعاون أو تحاول ببساطة تجنب بعضها البعض، تؤثر أيضًا في تطور بعضها البعض.

وهذا هو أمر طبيعي تمامًا. وهو نفس ما فعله الإنسان مع النباتات والحيوانات التي استخدمها للبقاء على قيد الحياة وتحسين جودة حياته وإطالتها. سواء شئنا أم أبينا، وسواء أحببنا ذلك أم لا، لا توجد منتجات “طبيعية” كما يتصور البعض، حتى وإن كانت نواياهم حسنة.

لكن إذا كنا الكائن الحي الذي ترك الأثر الأكبر على بيئته وعلى الأنواع الأخرى التي يتفاعل معها، فإننا أيضًا النوع الوحيد الذي يدرك هذا التأثير. ويمتلك الإرادة والوسائل التكنولوجية اللازمة لتقليص هذا التأثير ومنع تفاقمه، بل وإعادة توجيه العديد من أنشطتنا بما يخدم الحفاظ على التنوع البيولوجي، والتوازن البيئي، وصون المساحات المناسبة لحياة الكائنات البرية. وهذا، في نهاية المطاف، قد يكون أكثر ما يمكن أن نفعله “بطريقة طبيعية”.

الطعام الطبيعي والهندسة الوراثية

ما قام به الإنسان على مدى 10,000 سنة من تدجين لأنواع مختلفة من الكائنات، عن طريق التجريب العشوائي والمحاولة والخطأ، أصبح اليوم ممكنًا تنفيذه بدقة وذكاء ووعي كامل بفضل الهندسة الوراثية. لكن الضغط السياسي المناهض لاستخدام التكنولوجيا الوراثية – والذي غالبًا ما يفتقر إلى الأسس العلمية – يعوق التحليل العقلاني لأفضل الحلول الممكنة.

إن التعلق بفكرة “الطبيعي” في الطعام، وإن انطلق من نية حسنة، غالبًا ما يغفل عن الحقيقة الأكثر عراقة وواقعية: أن الإنسان، منذ فجر الزراعة، لم يتوقف عن تشكيل الطبيعة من حوله وفقًا لحاجاته. لكن الفرق اليوم أن لدينا أدوات أكثر دقة، ووعيًا أعمق، ومسؤولية أكبر. فالمفارقة ليست في أن نعدل في الطبيعة، بل في أن ندّعي أننا لم نفعل. نحن نعيش في زمن تتقاطع فيه المخاوف البيئية مع الحاجة لإطعام مليارات البشر. وربما يكون “الطبيعي” الحقيقي هو أن نستخدم العلم من أجل الحفاظ على الحياة، لا أن نحاكمه باسم فكرة رومانسية عن الماضي لم تكن يومًا موجودة كما نظن.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!