حقيقة مقتل النبي يحيي ولماذا وُضع رأسه على طبق من فضة؟
مقتل النبي يحيي

حقيقة مقتل النبي يحيي ولماذا وُضع رأسه على طبق من فضة؟

مقتل النبي يحيي مسألة تحمل الكثير من الغموض. وخاصةً بعد علمنا أن الراقصة سالومي هي التي تسببت في مقتله، وطلبت تقديم رأسه على طبق من فضة. فما هي قصة النبي يحيي عليه السلام؟ ذلك النبي الذي قُطع رأسه؟ وأين توجد رأس يوحنا المعمدان؟

حقيقة مقتل النبي يحيي طبقاً للكتاب المقدس

يسرد علينا الكتاب المقدس في إنجيل متى قصة يحيي عليه السلام منذ ولادته وحتى قتله على يد الملك هيرودس ملك اليهود حينذاك. فماذا يقول الإنجيل عن النبي يحيي؟

بداية القصة

في قديم الزمان كان هناك ملك يحكم اليهود يدعى هيرودس، ولم يكن يهودي نقي الأصل. وقد احتال على اليهود بالكذب والغش والخداع حتى وصل إلى سدة الحكم.

هذا الملك أراد أن يتزوج زوجة أخيه فيلبس والتي تدعى هيروديا. في ذلك الوقت كان لظهور النبي يحيى أثر عظيم على الشعب اليهودي. حيث ذاع صيته والتف حوله جموع الشعب تقديراً واحتراماً لجلال نبوته.

ولمَا رأى هيرودس ذلك من الشعب أوغر صدره الحقد تجاه يحيى، وخاصةً بعد أن علم يحيى بنيته من الزواج من زوجة أخيه وهو مازال على قيد الحياة، ولمَا أخبره هيردوس بذلك قال له يحيى

” لا يحل أن تكون لك امرأة أخيك ” إنجيل مرقس (6: 18)

التخطيط لقتل النبي يحيي

في ذلك الوقت جلسا هيرودس وهيروديا سوياً ليخططا كيف يتخلصان من زوجها فيليبس، وبالفعل تم قتله. هنا ثار يحيى وسط جموع الشعب يندد بالفعل الأثيم الذي قاما به هيردوس وهيروديا، مما أغضب هيرودس عليه كثيراً وخطط لقتله، لكنه تراجع حتى لا يثور عليه شعب بني إسرائيل، وكان الحل الوحيد هو سجنه، وظل يحيى في السجن طويلاً.

وفي أحد الأيام أقام هيرودس احتفالية عظيمة. وقد اجتمع حوله كبار معاونيه. في تلك اللحظة دخلت عليهم الراقصة سالومي ابنة هيروديا بلباسها الشفاف المثير. وشرعت في الرقص للجموع الحاضرة حتى أشعلت عواطفهم وغرائزهم. وبعد أن انتهت من رقصها نهض إليها هيرودس المخمور وقال لها: اطلبي ما شئت فأعطيك إياه حتى ولو كان نصف مملكتي، وأقسم لها أنه مهما كان طلبها سينفذ على الفور، هنا تفكرت سالومي طويلاً ثم خرجت إلى أمها هيروديا وسألتها، فقالت بلا تردد: رأس يوحنا المعمدان.

قطع رأس النبي

حينما أخبرت سالومي هيرودس بطلبها توقف للحظات لا يدرك ما هو فاعله. ولكن من أجل قسمه أمر سيافه أن يذهب إلى السجن ويحضر إليه رأس يحيي على طبق من فضة. نفذ السياف الأمر وأحضر له ما طلبه. ثم أعطاه للراقصة سالومي وهي بدورها أعطته لأمها هيروديا، وهكذا قطع رأس نبي عظيم في حفل رقص.

إلى هنا تنتهي قصة يحيي عليه السلام في الكتاب المقدس. لكن مع ذلك فإن للتاريخ رأياً آخر.

“اقرأ أيضاً: لماذا تُرسم الهالات النورانية على رؤوس القديسين في الكنائس؟


النبي يحيي في التاريخ

قصة يحيي عليه السلام
يوحنا المعمدان يقوم بالتعميد

بعد السرد الطويل لقصة يحيي عليه السلام  في الكتاب المقدس، يذكر المؤرخ اليهودي جوزيفوس أن أحد جيوش هيرودس قد تم تدميره عام 36 ميلادياً، ويقول:

” الآن يعتقد بعض اليهود أن تدمير جيش هيرودس جاء من عند الله، وأنه كان من العدل كعقاب على ما فعله ضد يوحنا. لأن هيرودس قتله وهو رجل صالح. وأمر اليهود أن يمارسوا الفضيلة من أجل البر لبعضهم البعض، والتقوى من أجل الله”.

وفقاً للأناجيل الأربعة الخاصة بالعهد الجديد، بالإضافة إلى رواية المؤرخ اليهودي جوزيفوس، فإن يوحنا المعمدان قد قتل بأمر من حاكم محلي في وقت ما قبل صلب المسيح.

وتقول الأناجيل أن الملك قطع رأسه ووضع رأسه على طبق. لكن لا أحد يعطي أي فكرة عن المكان الذي انتهى به رأس يوحنا المعمدان، أو بقية جسده.


أين رأس القديس يوحنا المعمدان؟

حقيقة مقتل النبي يحيي
رأس يوحنا المعمدان

على مر القرون، احتلت قصة النبي الذي قُطع رأسه مرتبة عالية في المسيحية، وكذلك رأس يوحنا المعمدان كان ضمن قائمة الآثار الأكثر رواجاً في المسيحية. يعتقد أن مقتل النبي يحيي، الذي يُحتفل به كواحد من أوائل القديسين المسيحيين، قد مهد الطريق لابن عمه البعيد، عيسى بن مريم، الذي عمده يوحنا الشهير في نهر الأردن.

يقول روبرت كارجيل، الأستاذ المساعد للكلاسيكيات والدراسات الدينية في جامعة آيوا، ومحرر مجلة علم الآثار التوراتية:

“هذا شيء مشترك مع الأساطير التوراتية. في أي وقت لا يذكر بالتحديد ما حدث لجسد شخص ما، فإنه يفسح المجال لجميع أنواع التقاليد حول المكان الذي كان يمكن أن يكون فيه.”

لم يذكر جوزيفوس مكان دفن يوحنا المعمدان ولا الكتاب المقدس، على الرغم من أن إنجيل متى ذكر أن تلاميذه “جاءوا وأخذوا الجسد ودفنوه وذهبوا وأخبروا يسوع” (متى 14:12). منذ القرن الرابع (بعد ثلاثة قرون من وقوع هذه الأحداث)، كان يعتقد تقليدياً أن مكان دفن يوحنا في سبسطية (السامرة في الأصل)، الآن في فلسطين.

من ناحية أخرى، فإن ما حدث مع رأس يوحنا المعمدان هو سؤال أثار إعجاب الباحثين عن الآثار لعدة قرون. يقول كارجيل:

“لديك آلاف الروايات المختلفة حول مكان دفن جسده، ومكان دفن رأس يوحنا المعمدان، وأشياء من هذا القبيل”.

روايات مختلفة

وفقاً للروايات المختلفة، هناك ما لا يقل عن أربعة مواقع تطالب برأس النبي المقتول.

  • في دمشق بسوريا، تم بناء الجامع الأموي في القرن الثامن بعد الميلاد على موقع كنيسة مسيحية تحمل اسم يوحنا المعمدان. يقال أن رأسه مدفون في ضريح هناك.
  • تعرض جمجمة تم تحديدها على أنها رأس يوحنا المعمدان في كنيسة سان سيلفسترو في روما، وقد بنيت لإيواء القطع الأثرية من سراديب الموتى الرومانية.
  • تم بناء الكاتدرائية التي تعود إلى القرن الثالث عشر في أميان بفرنسا خصيصاً لإيواء رأس يوحنا المعمدان، الذي يفترض أن الصليبين جلبوه من القسطنطينية في عام 1206.
  • في ميونيخ بألمانيا، يضم متحف ريزيدينز جمجمة جون من بين عدد من الآثار التي تم جمعها بواسطة دوق بافاريا فيلهلم الخامس بإذن من البابا في منتصف القرن السادس عشر.

“اقرأ أيضاً: قراءة في حياة ” لازاروس ” الرجل الذي أحياه المسيح


اكتشافات أثرية في العصر الحديث

قصة يحيي عليه السلام
صورة رمزية للراقصة سالومي

ظلت قصة النبي الذي قُطع رأسه الشغل الشاغل لعلماء الآثار على مدار العديد من السنوات. ففي عام 2010 أعلن علماء الآثار البلغاريون أنهم عثروا على ذخائر تحتوي على عدد من العظام في أنقاض دير من القرون الوسطى في سفيتي إيفان أو “القديس يوحنا” باللغة البلغارية. وهي جزيرة على البحر الأسود قبالة الساحل الجنوبي لبلغاريا.

كشف التأريخ بالكربون المشع والاختبار الجيني في وقت لاحق أن العظام التي عثر عليها في سفيتي إيفان تنتمي إلى رجل عاش في ما يعرف الآن بالشرق الأوسط في القرن الأول الميلادي. مما يجعل من الممكن تصور أنها عظام يوحنا المعمدان – على الرغم من عدم وجود طريقة لإثبات أنها هذه.


في النهاية فإن هناك الكثير من الادعاءات بشأن حقيقة مقتل النبي يحيي، والادعاءات المتنافسة المتعلقة برأس النبي يحيي قد لا تتحدث عن التاريخ بقدر ما تتحدث عن تأثير الآثار المتعلقة بحياة عيسى بن مريم، ومن أمثال هذه الآثار المحيرة كفن تورينو أو الكأس المقدسة. ولقد اكتسب مكان رأس يوحنا المعمدان مكانة أسطورية كبيرة على مر القرون، بسبب أهمية النبي في قصة المسيح، ومع ذلك فإن قصة النبي الذي قُطع رأسه مازالت من الأمور الغامضة في التاريخ.


المصادر:

1. Author: Jimmy Akin, (6/24/2020), ​​​​Who Was St. John the Baptist? 11 Things to Know and Share, www.ncregister.com, Retrieved: 10/22/2020.

2. Author: Sarah Pruitt, (3/19/2019), Where is the Head of Saint John the Baptist?, www.history.com, Retrieved: 10/22/2020.

3. Author: John Strugnell, (5/8/2020), John the Baptist, www.britannica.com, Retrieved: 10/22/2020.

وائل الشيمي

كاتب وأديب مصري

اترك رد