علوم

اختراع التلفاز: حكاية طويلة من الضوء والحلم

هل يمكنك أن تتخيل حين تحدّق اليوم في شاشتك المسطحة عالية الدقة، أن هذا العالم البصري الواسع انطلق من فكرة ولدت في ذهن فتى مزارع وهو يحرث الأرض. لم يكن التلفاز مجرد ابتكار تكنولوجي، بل ثورة في طريقة رؤيتنا للعالم والتواصل معه. يعود الفضل في اختراع التلفاز إلى فيلو فارنسوورث، العبقري الذي حوّل الحلم إلى صورة… ثم إلى شاشة. هذه قصة فكرة وُلدت في حقل، وسافرت عبر الإلكترونات، لتصبح أكثر الاختراعات تأثيرًا في القرن العشرين.

أول بث إلكتروني للتلفاز

في السابع من سبتمبر عام 1927، نجح فيلو تايلور فارنسوورث، وهو شخص مجهول تعلّم الكهرباء من خلال دورة بالمراسلة، في إجراء أول بث تلفزيوني إلكتروني في مختبره الصغير الواقع في 202 شارع جرين، بمدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا. كانت الصورة تتكون من 60 خطًا فقط من الدقة، في حين أن التلفاز العادي يحتوي على 520 خطًا، أما التلفزيون عالي الدقة فيحتوي على 1125 خطًا.

كان ذلك أول خطوة في مسيرة وسيلة إعلامية زادت أهميتها وانتشارها وتأثيرها منذ ذلك الحين، باعتبارها أحد التطورات التكنولوجية التي ساهمت في ديمقراطية المعرفة والمعلومات والترفيه، إلى جانب المطبعة والراديو والسينما وتسجيل الموسيقى وبالطبع الإنترنت.

فتى المزرعة العبقري

مخترع التلفاز
فيلو تايلور فارنسوورث

وُلد فارنسوورث عام 1906 لعائلة من المزارعين بولاية يوتا. وقد استحوذ عليه شغف مبكر بظاهرة الكهرباء المستجدة. حيث صنع في سن الثانية عشرة فقط، محركًا كهربائيًا. وبعد ذلك بوقت قصير، صنع آلة لغسل الملابس لعائلته. أما فكرته عن التلفاز فقد بدأت بشكل متواضع في عام 1921، عندما كان شابًا يبلغ من العمر 15 عامًا يحرث الأرض. راودته فكرة مفادها أنه يمكن استخدام حزمة من الإلكترونات داخل أنبوب أشعة مهبطية (كاثودية) لمسح صورة في خطوط تشبه الأخاديد التي كان يحرث بها أرض المزرعة العائلية. ويمكن للصورة التي يتم ترميزها بهذه الطريقة أن تُرسل إلى جهاز استقبال يعيد تركيبها وعرضها. وخلال السنوات الست التالية، كرس نفسه لدراسة الفكرة وتحقيقها عمليًا.

السوابق التاريخية

بول نيبكو
بول نيبكو مخترع نظام التلفاز الأول

لكن فكرة اختراع التلفاز لم تكن من ابتكار فارنسوورث بشكل كامل. في الواقع، كانت الفكرة تتردد في مختبرات المهنيين والهواة المهتمين بالكهرباء والفيزياء والإلكترونيات منذ منتصف القرن التاسع عشر. وقد ساهمت اكتشافات عديدة في تشكيل هذا الابتكار.

على سبيل المثال، نشر المهندس الكهربائي البريطاني ويليوبي سميث عام 1873 اكتشافًا مفاده أن عنصر السيلينيوم يمتلك خاصية التوصيل الضوئي.. أي أن قدرته على توصيل الكهرباء تتغير تبعًا لكمية الضوء الذي يتعرض له. وكان لهذا الاكتشاف أثر بالغ، إذ بدا من الممكن استخدام السيلينيوم لتحويل الصور إلى إشارات إلكترونية. وتبيّن لاحقًا أن بالإمكان نقل هذه الإشارات عبر الراديو، الذي لم يكن قد وجد بعد. ولم يحدث ذلك إلا عام 1895 حين نجح غولييلمو ماركوني في إجراء أولى عمليات البث الإذاعي.

اقترح طالب الهندسة الألماني بول نيبكو في عام 1884 نظام التلفاز الأول في العالم وسجّل براءة اختراعه. وكان هذا النظام شكلًا من أشكال “التلفاز الميكانيكي”. حيث كان يلتقط الصور من خلال قرص اخترعه بنفسه يحتوي على 18 ثقبًا مرتبة بشكل حلزوني وتدور بسرعة عالية لتمكينه من مسح الصورة على عنصر من السيلينيوم. وهكذا، كانت هذه الثقوب الثمانية عشر تنتج صورة مكونة من 18 خطًا فقط من الدقة.

كل هذا كان لا يزال في طور النظرية، إذ لا يُعرف ما إذا كان نيبكو قد نجح فعليًا في صنع نموذج أولي من جهازه التلفزيوني. ولم تطلق التسمية التي نعرفها اليوم — التلفزيون — على هذا الاختراع إلا في عام 1900، عندما استخدم العالم الروسي كونستانتين بيرسكي كلمة “تلفزيون” لأول مرة في خطاب ألقاه خلال المعرض الدولي في باريس، وهو نفس العام الذي بني فيه برج إيفل.

تجارب الرواد الأوائل في اختراع التلفاز

وقد وجد التلفاز الميكانيكي رائدًا حقيقيًا له في شخصية المهندس الإسكتلندي جون لوجي بيرد. حيث قدم أول عرض علني ناجح لنظام تلفزيوني حقيقي في 26 يناير عام 1926 في لندن أمام نحو 50 عالمًا. وفي عام 1927، تمكن من نقل الصور لمسافة تزيد على 700 كيلومتر عبر خط هاتف. وحقق أول بث تلفزيوني عبر المحيط الأطلسي في عام 1928.

لكن نظام التقاط الصور الميكانيكي، الذي درسه وطوّره أيضًا المخترع الأمريكي تشارلز فرانسيس جينكينز، لم يكن مُرضيًا تمامًا، لأنه لم يكن قادرًا إلا على نقل صور صغيرة الحجم. أما التلفزيون الإلكتروني، فقد كان يتطور بالتوازي دون تلك القيود. حيث طوّر المخترع الروسي فلاديمير كوزما زوريكين أول أنبوب أشعة مهبطية يمكن استخدامه في كاميرا تلفزيونية إلكترونية. وبعد سنوات، أثناء عمله في شركة راديو أمريكا الإذاعية العملاقة، طوّر نظامًا يسمح لحزمة من الإلكترونات بإعادة إنتاج الصور التلفزيونية على أنبوب أشعة مهبطية مطلي بالفوسفور… وهي شاشة التلفاز التي ظلت سائدة حتى بدأت تستبدل بتقنيات الشاشات المسطحة المختلفة منذ عام 2000.

حاولت شركة راديو أمريكا أن تنسب مفاهيم التلفاز الأساسية إلى زوريكين.. مما أثار معركة قانونية بشأن براءات الاختراع، انتهت بفوز فارنسوورث، الذي اعتبر بذلك واحدًا من القوى الفكرية الرئيسية التي وقفت وراء تطوير التلفزيون.

التلفاز يدخل الأسواق

دخول التلفزيون إلى الأسواق
أول جهاز تلفاز في الولايات المتحدة

لم يكن نظام التلفزيون الذي أصبح شائعًا عالميًا بعد الحرب العالمية الثانية قد ترسخ بعد، عندما بدأت الفكرة الجديدة في دخول السوق. فقد بيع أول جهاز تلفاز في الولايات المتحدة عام 1928 بسعر يعادل نحو 70 دولار حاليًا. وبعد عام واحد أُطلقت خدمة التلفزيون في إنجلترا وألمانيا. أما أول إعلان تجاري فبث عام 1930 عبر شركة جون لوجي بيرد. وفي عام 1931 ظهرت خدمة التلفزيون في فرنسا وفيما كان يعرف حينها بالاتحاد السوفييتي. وبحلول عام 1934، بدأ التلفزيون الميكانيكي يستبدل نهائيًا بالتلفزيون الإلكتروني، الذي لم يعِق انتشاره سوى اندلاع الحرب العالمية الثانية.

فيلو فارنسوورث، ذلك العبقري الإلكتروني الذي حوّل فكرة نشأت في حقل محروث إلى واقع وهو في الحادية والعشرين من عمره، واصل الابتكار في مجال التلفزيون. ووسّع اهتماماته لتشمل مجالًا مختلفًا كليًا: الاندماج النووي. حيث طور في عام 1959 تقريبًا، مفاعل اندماج صغير يعرف باسم “الاندماج النووي فارنسوورث – هيرش”، مستخدمًا كمسرعات للجسيمات بعض أنابيب أشعة مهبطية مأخوذة من شاشات التلفاز التي كان قد درس خصائصها سابقًا.

العبقرية الخفية

ولا يزال العمل قائمًا حتى اليوم على مفاعل فارنسوورث.. ليس فقط لاستكشاف إمكانياته في مجال البحث عن طاقة اندماج نووي بديلة، بل أيضًا كمصدر صغير ورخيص وفعّال للنيترونات. ورغم أن هذا المفاعل، بما يعد به من تغيير عميق في العالم قد يفوق حتى اختراع التلفاز، لم يكن سوى واحدة من أكثر من 300 براءة اختراع مسجلة باسم ذلك الفلاح القادم من يوتا، والذي أصبح أحد المخترعين الرئيسيين في القرن العشرين. وقد توفي فيلو فارنسوورث في 11 مارس عام 1971، في مدينة سولت ليك، في مسقط رأسه بولاية يوتا.

لقد منحنا التلفزيون القدرة على أن نرى دون أن نتحرك. وأن نشهد الأحداث دون أن نشارك فيها. وأن نعيش القصص من خلف الزجاج. ولكن خلف هذه المعجزة البصرية يقف رجل قلما يعرفه الناس: فيلو فارنسوورث.. العقل الذي التقط الضوء من الهواء، وغرسه في الزمن. رحل، لكن الصورة بقيت… تتحرك، وتنقل، وتلهم.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!