الإنفلونزا والزكام: معركة الشتاء بين الفيروسات والمناعة
هناك مشهد مألوف يتكرر مع بداية فصل الشتاء: أنوف تسيل، وسعال متواصل، وأجساد منهكة تحت وطأة الحمى والتعب. إنها الفترة التي تتجدد فيها مواجهة الإنسان مع اثنين من أكثر الأمراض انتشارًا: الزكام (نزلة البرد) والإنفلونزا. وعلى الرغم من التطور الطبي الهائل، لا تزال هذه الفيروسات قادرة على إصابتنا عامًا بعد عام. فما الفرق بين الزكام والإنفلونزا؟ ولماذا لا نزال نعاني منهما رغم وجود اللقاحات؟ هذا ما سنكتشفه في السطور التالية، حيث نغوص في عالم الفيروسات والمناعة والوقاية.
لماذا يصعب علاج الإنفلونزا والزكام؟
تأتي كل عام تلك الفترة التي نربطها بالبرد، والعطلات، والإفراط في الطعام… وكذلك سيلان الأنف، والسعال، والحمى، والانزعاجات الناتجة عن الإنفلونزا، ذلك المرض الذي تسببه الفيروسات والذي لا تزال العلوم الطبية الحيوية عاجزة عن القضاء عليه.
كونه مرضًا فيروسيًا هو في حد ذاته مؤشر أولي على طبيعة المشكلة التي تواجهها العلوم. حتى اليوم، لا نملك وسيلة فعالة لعلاج الأمراض التي تسببها الفيروسات، باستثناء حالات نادرة مثل التهاب الكبد الوبائي (فيروس سي). يمكننا الوقاية من بعضها من خلال اللقاحات، ولهذا تُبذل جهود أكبر لإيجاد لقاح ضد أمراض مثل فيروس الإيبولا بدلاً من محاولة علاجها. يمكننا كذلك السيطرة على بعض الفيروسات، مثل فيروس نقص المناعة البشرية المسبب للإيدز. ولكن المضادات الحيوية، التي تقتل البكتيريا التي تهاجمنا، لا تنفع في حالة الفيروسات.
الجهاز المناعي.. الجندي المجهول

ربما يعود الفضل في التعافي من مرض فيروسي إلى جهاز المناعة في أجسامنا في الغالبية العظمى من الحالات، وليس بسبب العلاجات المنتشرة. إن العديد من الأعراض المزعجة المرتبطة بالإنفلونزا أو الزكام، مثل الحمى والتعب، هي نتيجة لردة فعل الجسم الدفاعية.
عندما يدخل فيروس إلى الجسم، فإن الاحتمال الأكبر هو أن يتم تدميره بواسطة جهاز المناعة. ولولا ذلك لعانينا باستمرار من عدد هائل من الأمراض الفيروسية، إذ أن الفيروسات تحيط بنا من كل جانب. حيث يفوق عدد الفيروسات عدد أي كائن حي آخر… إذا اعتبرنا الفيروسات كائنات حية. وإذا كانت كذلك، فهي كائنات غريبة جدًا؛ فهي لا تملك وظائف تنفسية أو هضمية أو حركية، بل هي مجرد غلاف بروتيني يحيط بسلسلة من الحمض النووي RNA أو DNAوتتمثل وظيفتها الوحيدة في الالتصاق بخلايا حية معينة و”حقن” مادتها الوراثية داخلها.
أعراض مزعجة

تعمل هذه المادة الوراثية كقرصان يخطف الخلية، ويجبرها على تسخير عملياتها الأيضية لإنتاج آلاف النسخ من الفيروس (أي الغلاف البروتيني والسلسلة الوراثية). وعندما تُستنفد طاقة الخلية، تنفجر، مطلقة آلاف النسخ الفيروسية، كل منها جاهز لإصابة خلية جديدة وتكرار العملية.
ليس من الصعب أن نفهم كيف أن بعض دورات العدوى وإطلاق النسخ الفيروسية يمكن أن تسبب آثارًا كبيرة نتيجة موت الخلايا. وإذا كانت الخلايا المصابة، كما في حالة الإنفلونزا، تنتمي إلى الجهاز التنفسي، تظهر لدينا الأعراض المألوفة: سيلان الأنف، التهاب الحلق، السعال. ما يحدث في داخلنا هو معركة حقيقية ضخمة بين الفيروسات وجهازنا المناعي. وعادة ما ينتصر الجهاز المناعي، لكن في بعض الحالات يمكن أن تؤدي الإنفلونزا إلى الوفاة.
هذه الاستجابة المناعية تسمح لجسمنا باكتساب مناعة ضد تلك السلالة من الفيروس. حيث تتعلم الخلايا المسؤولة عن القضاء على الدخلاء شكل الفيروس وكيفية تدميره، مما يجعلنا في الأساس مقاومين له مستقبلاً. وتُستغل هذا الآلية لتصنيع اللقاحات، حيث تحقن في الجسم فيروسات ميتة أو مضعّفة، أو بروتينات محددة، لتحفيز هذه المناعة دون الحاجة للإصابة بالمرض.
الفرق بين الإنفلونزا والزكام

لماذا نتحدث عن “الإنفلونزا أو الزكام”؟ لأننا في الحقيقة لا نتحدث عن مرض واحد، بل عن حالتين صحيتين على الأقل لهما أعراض متشابهة، إحداهما أكثر خطورة، وكلتاهما ناجمة عن فيروسات مختلفة. وغالبًا لا نكون مدركين لهذا الفرق.
الزكام الشائع أو نزلة البرد هو مرض مزعج يمكن أن يصيبنا في أي وقت من السنة. وتتمثل أعراضه في سيلان أو انسداد الأنف، ألم في الحلق، عطاس، حمى خفيفة، سعال، صداع وتعب بسيط، ويختفي عادة خلال أسبوع. يسببه عدد كبير من فيروسات الأنف التي تنشط طوال العام، لكن بشكل أكبر في أوائل الخريف ونهاية الربيع. هناك ثلاث أنواع رئيسية من فيروسات الأنف وأكثر من 99 نوعًا فرعيًا معروفًا منها. وتشكل فيروسات الأنف سببًا لحوالي نصف حالات الزكام المشابهة للإنفلونزا في العالم، وهي العدوى الأكثر شيوعًا لدى البشر. وفي الغالب تكون خفيفة، رغم أنها قد تكون خطيرة في بعض الحالات الاستثنائية.
أما الإنفلونزا الموسمية، التي تظهر عادة مع الطقس البارد، فهي أكثر خطورة، لأنها إلى جانب أعراض الزكام، تتسبب في حمى مرتفعة، وقشعريرة، وآلام عضلية حادة وتعب شديد قد يستمر أكثر من أسبوعين. تتسبب بها ثلاثة أنواع من فيروسات الإنفلونزا، والتي يمكن أن تصيب أنواعًا أخرى غير الإنسان. ولكن الفيروسات المسؤولة عن الجوائح العالمية تنتمي إلى الفئتين A و B، ويتم تصنيفها حسب وجود بروتينين على سطحها: الهيماغلوتينين (H) والنورامينيداز (N)، مع 18 نوعًا فرعيًا للأول و11 للثاني. على سبيل المثال، كان فيروس H1N1 هو المسبب لكل من الإنفلونزا الإسبانية 1918 وإنفلونزا الخنازير في 2009.
هل تحمينا اللقاحات حقًا؟

يُجرى الوقاية من الإنفلونزا عبر لقاحات توفر حماية ضد ثلاثة أو أربعة من الأنواع الفرعية الأكثر شيوعًا من النوعين A و B. ومع ذلك، فإن هذه اللقاحات لا تقدم حماية شاملة كما في حالات لقاحات أخرى. ويجب تجديدها سنويًا، لأن لقاح سنة ما لا يحمي ضد فيروسات السنة التالية. السلاح الرئيسي لفيروس الإنفلونزا لمراوغة جهاز المناعة هو قدرته على التحور، أي تغيير بروتيناته السطحية من عام إلى آخر، ما يجعل الجهاز المناعي يراها كعدوى جديدة.
قد يكون لبعض مضادات الفيروسات تأثير محدود على أنواع معينة من فيروس الإنفلونزا، لكن بشكل عام، سواء في حالة الزكام أو الإنفلونزا، يبقى العلاج الوحيد هو استخدام الأدوية التي تخفف الأعراض المزعجة، والراحة، والصبر. إلا في حالات المضاعفات الخطيرة، التي تؤدي إلى وفاة أكثر من 100,000 شخص كل عام.
البرد والزكام
رغم أننا نميل إلى ربط الإنفلونزا بنزلة البرد، إلا أن هذا الارتباط ليس مباشرًا أو على الأقل ليس بسبب أن جهاز المناعة يصبح أقل فعالية نتيجة البرد، كما يعتقد البعض. لدى العلماء عدة فرضيات: أن انخفاض رطوبة الجو يساعد على انتقال الفيروس.. أن الناس يقضون وقتًا أطول في الأماكن المغلقة ومع الآخرين خلال الطقس البارد، مما يسهل العدوى.. وأن الفيروس في درجات الحرارة المنخفضة يكوّن آلية حماية تجعله يعيش أطول وتزيد من فرص إصابته لشخص آخر. لذلك، فإن التدفئة الجيدة وارتداء الملابس الثقيلة، كما تنصح الأمهات، لا يمنع الإصابة بالإنفلونزا.
رغم التقدم العلمي، لا تزال الفيروسات تحظى بالأسبقية في لعبة التحور والمباغتة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالإنفلونزا. وبينما نملك بعض الأدوات للوقاية أو التخفيف من الأعراض، يبقى الرهان الأكبر على جهاز المناعة، والوعي الصحي، والوقاية المجتمعية. وفهم الفروقات الدقيقة بين الزكام والإنفلونزا يمنحنا قدرة أفضل على التصرف والعلاج، ويذكرنا بأن الحذر والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة قد يصنعان فرقاً كبيرًا في صحتنا خلال مواسم البرد.













