النظرية العلمية: المفهوم والمعايير وأهم النظريات العلمية

You are currently viewing النظرية العلمية: المفهوم والمعايير وأهم النظريات العلمية
تعريف النظرية العلمية وخصائصها

النظريات العلمية هي نتاج رحلة الإنسان الطويلة بحثاً عن الحقيقة والمعرفة. تبدأ النظرية العلمية بأفكار مجردة يقودها المنهج العلمي على طول الطريق من أجل تقديم إجابات مرضية وقابلة للتحقق للظواهر الطبيعية في العالم من حولنا. في هذا المقال نخوض رحلة علمية شيقة نتعرف فيها على مفهوم النظرية العلمية وأهميتها ومعاييرها، وفي النهاية نستعرض بعض الأمثلة للنظريات العلمية.

ما هي النظرية العلمية؟

تشير كلمة “نظرية” إلى معرفة لم يتم إثباتها بعد. وتُستخدم للإشارة إلى فرضية يمكن تطبيقها على العلم أو على مجموعة من القوانين التي تشرح أو تبحث في العلاقات بين الأحداث المختلفة أو الظواهر التي يمكن ملاحظتها. أما كلمة “علمية” فهي ترتبط بالنظام الذي تشكله المعرفة المنظمة التي يتم الحصول عليها من الملاحظة والاستدلال، والتي تنظمها سلسلة من القواعد المحددة جيداً. إذن النظريات العلمية هي مجموعة من المفاهيم المجردة والقواعد التي يتم الحصول عليها من الملاحظة والتجربة مع الواقع الطبيعي. وتساعد النظرية العلمية في تفسير الكثير من الظواهر الطبيعية الموجودة حولنا.


أهمية النظريات العلمية

النظرية العلمية هي الأساس الرئيسي للمعرفة العلمية. والحقيقة التي تصل إليها النظرية العلمية ليست مجرد افتراض، بل تفسيرات يمكن التحقق منها ودعمها لفهم الظاهرة التي تصفها. فهي تمثل طريقة كاملة وموثوقة وصارمة للمعرفة. كما أنها تتويج لكل فكر علمي.


أصول النظرية العلمية

تختلف بعض تعريفات النظرية العلمية باختلاف العصور. فلقد افترض العلم القديم أن باستطاعة العقل وحده أن يصل إلى تفسير الظواهر الطبيعية دون الحاجة إلى التجريب. على سبيل المثال كان أرسطو يشير إلى أن سقوط حجر كبير أسرع من سقوط حجر صغير. لكنه لم يفكر مطلقاً في إثبات ذلك، فلم تكن التجربة جزءً من روح العصر في ذلك الوقت. لكن بعد نهاية هذا العصر ظهر عدد كبير من الفلاسفة والعلماء الذين اتخذوا التجربة أساساً لإثبات ما يلاحظوه عن طريق الحواس. ومن بين هؤلاء جاليليو وفرانسيس بيكون ورينيه ديكارت، وكان تحقيقهم في الظواهر من خلال التجربة لحظة فارقة من لحظات التاريخ وتطور العلم ونظرياته.

وفي بداية القرن الماضي استطاع العلم الحديث أن يصل إلى العديد من الاكتشافات الهامة التي غيرت وجه البشرية مثل النشاط الإشعاعي والأشعة السينية والإلكترون، ومن هذه الاكتشافات استطاع العلماء في عصرنا الحديث التوصل إلى نظريات علمية ساهمت في نقلة حضارية نوعية إلى آفاق جديدة مثل النظرية النسبية وميكانيكا الكم.

اقرأ أيضًا: هل كل ما يُخبرنا به العلم صحيح؟


الفرق بين الفرضية والقانون والنظرية العلمية

يخلط الكثير بين مفاهيم مثل القانون والفرضية والنظرية العلمية، على الرغم من حقيقة أن هذه المفاهيم تمثل مراحل ولحظات مختلفة من المعرفة العلمية. ولفهم الفرق بينهم نشير إلى أن الفرضية هي مجموعة من المبادئ أو المقترحات التي توضع لشرح وتفسير ظاهرة معينة، ويمكن أن تكون الفرضية صحيحة أو خاطئة وهذا الأمر يتوقف على إثباتها فيما بعد. أما القانون فهو مجرد وصف للظواهر ويحدث دائماً بطريقة قابلة للقياس والتكرار والتحقق، لذا فالقانون عالمي ومطلق وإذا تم تطبيقه في أي مكان نحصل على نفس النتيجة، ولكن القانون يصف فقط الظاهرة ولا يفسرها. وفي أغلب الأحيان يُختصر القانون إلى معادلة رياضية على سبيل المثال المعادلة E = mc². إنها قانون يستند إلى بيانات تجريبية، ويقتصر على سلسلة من الشروط لكي يكون صالحاً.

أما النظرية العلمية فليست هي النتيجة النهائية للمنهج العلمي، حيث يمكن إثبات صحة نظرية ما أو دحضها لكنها محاولة لتفسير الظواهر الطبيعية التي نلاحظها كما أشرنا آنفاً. فالنظرية العلمية تشرح وتفسر الملاحظات التي حصلنا عليها حتى يتم إثبات صحتها فيما بعد.

ترتبط القوانين والنظريات العلمية بالنظرية في المنهج العلمي: وضع الفرضية، والتقييم التجريبي للمقدمة، وجمع البيانات التجريبية، والنتائج والاستنتاجات. أيضاً في كلتا الحالتين (النظرية أو القانون) سيتمكن علماء آخرون من تكرار النتائج في ظل ظروف مماثلة.

اقرأ أيضًا: أصل فرضية التطور.. الفكرة التي جمع خيوطها دارون


خصائص النظرية العلمية

مفهوم النظرية العلمية
أهم سمات النظرية العلمية

هناك العديد من الخصائص والسمات التي تتصف بها النظرية العلمية، لكي نستطيع أن نطلق عليها نظرية علمية. وتتمثل الخصائص العامة للنظريات العلمية فيما يلي:

  • إنها مقدمات ومسلمات ذات علاقة منطقية وقابلة للاختبار.
  • يمكن أن تكون هذه النظريات بديهيات ذات قواعد واستنتاجات، أو يمكن أن تكون تعريفات.
  • تستند النظريات على الملاحظة والتحقق التجريبي والعملي.
  • تسترشد بالمنهج العلمي والموضوعية. لا تتعلق بالتقييمات الذاتية أو إرادة الباحث.
  • يتم تحديثها بمرور الوقت، مع ظهور أدوات جديدة وتحسن المعرفة العلمية.

خصائص النظرية العلمية وفقاً لكارل بوبر

قدم الفيلسوف النمساوي كارل بوبر مساهمة كبيرة في هذا الصدد من خلال إنشاء سلسلة من الخصائص التي تحمل أهمية كبيرة في تحديد صحة النظرية العلمية.

  1. لا ينبغي أن تكون التأكيدات هي الركيزة الوحيدة لدعم النتيجة. فإذا أردنا التحقق من صحة النظرية، فمن المحتمل أن نحصل عليه. ولاختبار النظرية فإن أفضل طريقة هي العمل الجماعي.
  2. ينبغي النظر في تلك التأكيدات على أنها نتاج تنبؤات محفوفة بالمخاطر. أي علينا أن نتوقع ظهور أحداث لا تتوافق مع النظرية.
  3. يجب دحض كل نظرية من خلال تفنيدها من خلال حدث يمكن تصوره، وإذا لم نستطع تفنيد النظرية فهي نظرية غير علمية.
  4. لكي نرغب في إثبات نظرية ما بطريقة حقيقية، من الضروري تجربتها في محاولة لدحضها. وتجدر الإشارة إلى أن بعض النظريات العلمية تميل إلى الظهور على أنها خاطئة أثناء التجريب.
  5. لا يكفي الدليل لتأكيد نظرية علمية ما لم يكن نتيجة تحقق حقيقي.
  6. من الممكن دائماً تضمين فرضية مساعدة أو إعادة تفسير نظرية بعد إثبات خطأها من خلال التجربة المناسبة، ولكن هذا يمكن أن يبطلها بل ويلغي الطبيعة العلمية للنظرية.

اقرأ أيضًا: هل الله موجود؟


الشروط والمعايير التي يجب أن تلبيها النظريات العلمية

لكي يتم قبول النظرية العلمية، يجب استيفاء معايير معينة تتطلبها الدوائر الأكاديمية. فالمعرفة العلمية هي معرفة مثبتة. والنظريات العلمية تُشتق بشكل صارم من الملاحظة والتجريب، باتباع الطريقة العلمية، وهي مفتاح لقبول النظرية. أما المعيار الأساسي فهو أن تكون النظرية قابلة للملاحظة وقابلة للتكرار. فالنظرية التي لا يمكن ملاحظتها أو التي لا يمكن اختبار تنبؤاتها لا يمكن اعتبارها نظرية. وتتمثل الشروط الأساسية لقبول النظرية العلمية فيما يلي:

  1. ينبغي أن تقدم تنبؤات يمكن ربطها بالاختبارات المحتملة التي تضعها تحت الاختبار.
  2. لديها تنبؤات ونتائج دقيقة تتفق مع النتائج الموجودة مسبقاً دون تضارب أو تناقض.
  3. يجب أن تكون مؤسسة ومنظمة منطقياً وبشكل جيد دون تعقيدات.
  4. ينبغي أن تكون قادرة على تفسير وتحليل الظواهر التي تدرسها.
  5. لديها قابلية التغيير والتبديل وفقاً للظروف المختلفة.

أهم النظريات العلمية الكبرى

ما هي أهم النظريات العلمية؟ وفقاً للتعريف العلمي للنظرية العلمية، يمكن القول أن النظرية هي فرضية تؤكدها تجارب متعددة. فيما يلي بعض الأمثلة على النظريات العلمية الكبرى:

نظرية مركزية الشمس

هي النظرية المعروفة باسم النموذج الكوبرنيكي طبقاً لمكتشفها عالم الفلك نيكولاس كوبرنيكوس. إنها نظرية علمية فلكية تفيد بأن الشمس هي مركز النظام الشمسي وهي النقطة التي تدور حولها الكواكب بما في ذلك الأرض. حلت هذه النظرية محل نظرية مركزية الأرض في العصور الوسطى. حيث افترضت نظرية مركزية الأرض أن مركز الكون هو الأرض وأن النجوم الأخرى تدور حولها.

نظرية التطور

هذه النظرية هي النموذج العلمي الذي يشرح كيف تتغير الأنواع بمرور الوقت. تحدث هذه التعديلات كاستجابة تكيفية (جسدية وجينية) للتغيرات في البيئة. هذه النظرية هي نظرية علمية صاغها تشارلز داروين وشرح فيها فكرة “الانتقاء الطبيعي” الذي بموجبه يتم تفضيل بعض الأنواع بينما يُحكم على البعض الآخر بالانقراض، اعتماداً على قدرتها على التكيف.

النظرية الذرية

إنه نموذج كيميائي يشرح سلوك المادة والتنظيم البنيوي لجزيئاتها غير القابلة للتجزئة تقريباً والتي تسمى الذرات. هناك مجموعة محدودة من الذرات ومجموعاتها تولد أنواعاً مختلفة من المواد الموجودة، بما في ذلك المواد العضوية، وكذلك تلك الموجودة في أجسامنا.

النظرية النسبية

في القرن العشرين، صاغ العالم ألبرت أينشتاين هذا النموذج الذي يشمل نظرية النسبية العامة ونظرية النسبية الخاصة. في هذه النظرية يحاول الفيزيائي حل التناقضات بين الكهرومغناطيسية وميكانيكا نيوتن الكلاسيكية. عناصر هذه النظرية الأساسية هي المكان والزمان، والتي ترتبط دائماً بحالة حركة الراصد. وقد كسرت هذه النظرية العديد من النماذج التقليدية التي أكدت أن المكان والزمان عنصران مطلقان وثابتان.

نظرية الانفجار العظيم

إنها النظرية التي تشرح أصل الكون وبدايته. ووفقاً لهذه النظرية، شكل الانفجار العظيم نقطة ذات كثافة لا نهائية ظهرت منها المادة (الإلكترونات والنيوترينوات والبوزيترونات والفوتونات، من بين عناصر أخرى). بدأت هذه المادة في التوسع بشكل كبير بعد الانفجار لتشكيل الكون قبل 14 مليار سنة.

نظرية الانجراف القاري

نشأت هذه النظرية من الحاجة إلى الإجابة على بعض الألغاز المتعلقة بعلوم الأرض، مثل التكوينات الجبلية. ففي السابق كان يعتقد أن الأرض تتقلص مع التبريد تاركة التجاعيد على السطح، لكن هذه كانت أفكاراً غير مقنعة. ظاهرة أخرى غير مفسرة كانت أوجه التشابه بين أحافير القارات التي تفصل بينها محيطات كبيرة. ولم يُعرف أيضاً كيف يمكن أن تنتمي الصخور الكبيرة الموجودة على قمم الجبال إلى قاع البحر، أو سبب حدوث البراكين والزلازل في مناطق معينة وليس في مناطق أخرى.

في عام 1912 ظهرت فكرة أن القارات قد شكلت في الأصل كتلة قارية واحدة انفصلت فيما بعد. بعد ذلك، أدت العديد من الاكتشافات إلى نظرية جديدة تسمى نظرية الصفائح التكتونية، والتي بموجبها تتكون القشرة الأرضية من عدة صفائح تتحرك ببطء شديد نتيجة العمليات التي تحدث داخل الكوكب. أحدثت هذه النظرية ثورة في مجال الجيولوجيا، وشرحت هذا الأمر والعديد من الظواهر الأخرى التي لم يتم تفسيرها حتى الآن.

نظرية ماكسويل الكهرومغناطيسية

يقترح ماكسويل في نظريته أن الذرات والجزيئات التي تتكون منها الغازات تتحرك بشكل عشوائي وأنه من الممكن تحديد متوسط ​​سرعتها. كما أنه يحدد كيف تؤدي الزيادة في درجة الحرارة إلى تسريع سرعة الحركة الداخلية للغازات. يقدم مفهوم “الصدفة” تغييراً مهماً في الفيزياء، لأنه يغير حتمية قوانينها وبياناتها، لأفكار الميول والاحتمالات. فمن التحقيقات التي أجراها فاراداي في المجال الكهربائي، توصل إلى صيغة رياضية تصف الظاهرة الكهربائية والمغناطيسية. كما قدم مفهوم الكهرومغناطيسية إلى المفردات العلمية. وقد استندت التطورات العظيمة اللاحقة مثل الأشعة السينية إلى أبحاثه.

نظرية الأوتار

تنص نظرية الأوتار على أن الجسيمات دون الذرية هي في الواقع حالات اهتزازية للجسم الممتد تسمى خيوط. ووفقاً لهذا، سيكون الإلكترون سلسلة صغيرة بدلاً من نقطة صفرية الأبعاد بدون بنية داخلية. يؤكد المدافعون عن هذه النظرية أنها يمكن أن تصبح النظرية الفيزيائية الأكثر تنبؤاً، والقادرة على تفسير ظواهر الطبيعة بمصطلحات هندسية. ومع ذلك، لم يتمكن الفيزيائيون الذين يعملون على هذه النظرية حتى الآن من عمل تنبؤات ملموسة للتحقق من البيانات التجريبية. يُعتقد أنها نظرية طموحة لدرجة أنها يمكن أن تكون حقيقة عظيمة أو خاطئة تماماً.


النظريات العلمية هي الطريقة المقبولة والمثبتة للإجابة على الأسئلة العظيمة التي أثارها الإنسان دائماً بشأن بيئته. لقد أخذنا تطور نظريات العلم هذه، عبر التاريخ، من مجرد عبارات تأملية، دون أي نوع من التحقق من الصحة، إلى المنهج العلمي، بناءً على إجراءات صارمة ومحددة تحاول الوصول إلى الحقيقة بأكثر دقة ممكنة.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك