ألفريد نوبل: كيف تحوّل تاجر الموت إلى رمز عالمي؟
لطالما ارتبط اسم “نوبل” في الأذهان بجوائز مرموقة تمنح سنويًا في مجالات العلم والأدب والسلام، احتفاءً بإنجازات تعد من أعظم ما يمكن أن يقدمه الإنسان للبشرية. غير أن القصة الكامنة خلف هذا الاسم، وتحديدًا خلف شخصية ألفريد نوبل نفسه، تحمل في طياتها فصولًا متشابكة من العبقرية، والتناقض، والندم، والطموح الإنساني. من الكيمياء إلى الفلسفة، ومن المصانع إلى الوصايا، هذه هي الحكاية الحقيقية لرجل حاول أن يكفر عن “ديناميت” اخترعه… بجائزة تخلد قيم السلام.
جائزة نوبل
تكرر وسائل الإعلام مرارًا وتكرارًا اسم نوبل كل عام، وخاصةً في شهر سبتمبر، حين تبدأ التكهنات حول من قد يكون الفائز بالجوائز التي تحمل هذا الاسم. وهي حالة من الترقب الإعلامي يعززها الطابع السري الذي يحيط بعملية اختيار المرشحين. حيث لا يفصح القائمون على الجوائز عن الأسماء التي تؤخذ بعين الاعتبار.
بعد ذلك، وعلى مدار أسبوع أو أسبوعين، يتم الإعلان تدريجيًا عن أسماء الفائزين بجوائز هذا العام في مجالات الفيزياء والكيمياء والطب أو علم وظائف الأعضاء، والسلام، والأدب. وأخيرًا، تقام مراسم تسليم الجوائز في العاشر من ديسمبر في العاصمة السويدية ستوكهولم، باستثناء جائزة السلام، التي تسلم في أوسلو، عاصمة النرويج.
في كثير من الأحيان، يغفل في كم المعلومات الغزير الذي يحتفي بالعلماء والكتّاب والنشطاء من أجل السلام، السبب الكامن وراء اختيار تاريخ تسليم الجوائز.. على الرغم من الإشارة المعتادة إلى أن المبلغ المالي المرافق للشهادة والميدالية مصدره وقف مالي أنشئ من ثروة ألفريد نوبل. وقد بلغ هذا المبلغ، بالمناسبة، أكثر من مليون دولار أمريكي.
تهدف مراسم تسليم الجوائز إلى إحياء ذكرى وفاة منشئها، الذي توفي في العاشر من ديسمبر عام 1896 في مدينة سان ريمو بإيطاليا، إحدى منازله العديدة.
ماذا نعرف عن ألفريد نوبل؟

كان منزله الأول في العاصمة السويدية ستوكهولم. حيث ولد ألفريد نوبل في 21 أكتوبر عام 1833. وكان الرابع بين ثمانية أبناء للمهندس والمخترع الطموح إيمانويل نوبل وزوجته كارولينا. لم يكن ألفريد نوبل قد تجاوز التاسعة من عمره حين اصطحب والده العائلة إلى مدينة سان بطرسبورغ في روسيا. حيث أسس شركة مخصصة لتوريد المعدات إلى جيوش القيصر نيكولا الأول، الذي كان معروفًا بإدارته الكارثية. كما كانت هذه الشركة من أوائل من قاموا بتركيب أنظمة التدفئة المنزلية في روسيا.
وقد عنت هذه النقلة لألفريد أنه اضطر إلى ترك المدرسة الوحيدة التي التحق بها في حياته. إذ تلقى تعليمه بعد ذلك على يد معلمين خصوصيين قدموا له معارف واسعة شملت الفنون، والأدب، واللغات المتعددة. هذا إلى جانب العلوم والتقنية التي غذت حبه للهندسة والمتفجرات، وهو حب عززه والده نفسه. وبعد أن اتضح شغفه، أرسل إيمانويل ابنه ألفريد في عام 1850 إلى الخارج ليدرس الهندسة الكيميائية، متنقّلًا بين السويد وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
شغف المتفجرات وبدايات الاختراعات
لم تعد العائلة إلى السويد إلا في عام 1859، بعد أن أجبرت على مغادرة روسيا نتيجة إفلاس الشركة، بسبب رفض الحكومة الروسية الجديدة الالتزام بالاتفاقيات التي أبرمت مع آل نوبل. وبحلول ذلك الوقت، كان ألفريد قد سجل باسمه ثلاث براءات اختراع بسيطة: مقياس للغاز، ومقياس للسوائل، وبارومتر محسن. لكن شغفه الحقيقي منذ رحلاته تمثل في مادة النتروغليسرين. وهي مادة متفجرة قوية اكتشفها أسكانيو سوبريو عام 1847. واصل ألفريد تجاربه في سان بطرسبورغ، إلى أن قرر العودة إلى السويد عام 1863 حيث انضم إلى عائلته.. وأسسوا معًا مصنعًا لإنتاج النتروغليسرين وعدد من المفجّرات التي اخترعها بنفسه لتفجير هذه المادة.
أبرز ما يميز النتروغليسرين هو عدم استقراره وصعوبة التنبؤ بوقت انفجاره. وهو ما شكل خطرًا كبيرًا؛ إذ توفي شقيق ألفريد، إميل، مع عدد من العاملين في المصنع عام 1864 إثر انفجار وقع في منشآتهم في ستوكهولم. دفع هذا الحادث ألفريد نوبل إلى نقل مختبره إلى مناطق أقل كثافة سكانية. وكان التحدي الأكبر أمام الكيميائيين في ذلك الوقت هو إيجاد طريقة لترويض النتروغليسرين. وجعله مادة مستقرة لا تنفجر إلا عند الرغبة.
ألفريد نوبل واختراع الديناميت

وجد ألفريد نوبل الحل بخلط النتروغليسرين مع تراب خاص يعرف باسم “التراب الدياتومي”. وهو يحتوي على السيليكا.. وهي مادة خاملة (تشكل الرمل في الغالب)، تعمل على تثبيت النتروغليسرين وتحويله إلى معجون يمكن تشكيله على هيئة أنابيب تدخل في فتحات الصخور لتفجيرات أكثر فاعلية. أطلق على هذه التركيبة اسم “الديناميت”.. ومع المفجرات المطورة التي أنتجها، غير مجرى عالم الهندسة. إذ باتت الانفجارات القوية، الخاضعة للتحكم والفعالة، ممكنة لأول مرة. فشهدت قطاعات مثل التعدين، وبناء الطرق، والهدم، وغيرها، ثورة جعلت من نوبل مليونيرًا في وقت وجيز.
ابتداءً من عام 1865، قاده شغفه بالاختراع والصناعة إلى تأسيس أكثر من 90 مصنعًا وشركة في 20 دولة. لا تزال كثير من هذه المنشآت قائمة حتى اليوم من دون أن يعرف أحد صلتها الأصلية بنوبل. كما جمع 355 براءة اختراع، معظمها في مجال المتفجرات. لكنه ساهم أيضًا في تطوير المطاط الصناعي، والجلد الاصطناعي، والحرير الصناعي، وتشكيل الأجزاء المعدنية، وغيرها من الابتكارات.
لكن إنجازه، الذي كان يراه مساهمة عظيمة في التقدم وتحسين حياة الناس من حوله، سرعان ما جذب انتباه الصناعات الحربية. وقد نظر ألفريد نوبل، الذي كان يصف نفسه بوضوح بأنه مسالم، إلى الأمر بقلق بالغ. لم يكن يريد ذلك، لكنه لم يستطع منعه.
تاجر الموت
وفي عام 1888، توفي شقيقه لودفيغ، وهو الآخر مخترع بارز للسفينة الناقلة ومبتكر في صناعة النفط. ظنت بعض الصحف خطأً أن المتوفى هو ألفريد. ونشرت نعيًا يصفه بأنه رجل جمع ثروته من اختراع وسائل أسرع لقتل الناس.. ولقبته بـ “تاجر الموت”. وقد أثر هذا الأمر في نوبل تأثيرًا عميقًا. إذ كان يعتبر نفسه مسالمًا ومثقفًا، يكتب الشعر والمسرحيات، ويعشق الفنون. ويسعى لإنجازات ترفع من شأن مجتمعه. لم يكن، في نظره، تاجر موت، حتى وإن استخدمت اختراعاته بشكل خاطئ من قِبل الآخرين.
عندما توفي في عام 1896، تبين بشكل مفاجئ أنه أوصى بأن تستثمر معظم ثروته في أصول آمنة. وأن توزع أرباحها سنويًا على الأشخاص الذين قدموا للبشرية أعظم الفوائد خلال العام السابق، في خمسة مجالات. وكانت هذه طريقته لتأكيد إيمانه بالسلام من خلال الثروة التي كسبها من الحرب. ومن الجدير بالذكر أن ألفريد نوبل، الذي كان غارقًا دومًا في عمله، لم يتزوّج أبدًا، ولم يرزق بأطفال.
وصية ألفريد نوبل الصادمة
أوصى نوبل بأن يشرف على تنفيذ رغبته اثنان من المهندسين العاملين في شركاته. لكنهما لم يقررا تنفيذ تلك الرغبة بسهولة، خاصة في ظل المعارضة من عائلة نوبل نفسها. استغرق الأمر خمس سنوات قبل أن تمنح الجوائز لأول مرة عام 1901. ومنذ ذلك الحين، لم تخل الجوائز من الجدل، سواء من حيث قرارات منحها، أو طريقة اتخاذها، أو مدى وفائها لروح وصية المخترع.
لم يكن ألفريد نوبل رجلاً عاديًا، بل كان نموذجًا للعبقرية المعذبة التي أدركت متأخرة أثر اختراعاتها في العالم. وبين ما أعطاه للبشرية من أدوات للتقدم، وما جلبته تلك الأدوات من دمار في أيدي الآخرين، ظل نوبل يبحث عن تكفير معنوي يتجاوز حدود العلم والصناعة. ومن رحم هذا الصراع الداخلي، ولدت جوائز نوبل.. لا كرمز للتفوق فقط، بل كنداء دائم لحث البشر على استخدام قدراتهم لأجل السلام، لا الحرب. وقد يكون في هذا الإرث ما يجعل من “تاجر الموت” أحد أكثر دعاة الحياة تأثيرًا في تاريخ البشرية.













