علوم

التوحد بين الحقائق والأساطير: ما الذي نعرفه حقًا؟

تتكرر الأرقام، وتتزايد التشخيصات، وتتفاقم المخاوف.. تقول العناوين أن طفلًا من كل 88 مصابون بالتوحد.. لكن خلف هذا التصاعد الظاهري في حالات التوحد، تكمن قصة أكثر عمقًا وتعقيدًا — قصة تغيّرت فيها التعريفات، وتوسّعت الأدوات، وانقلبت النظرة من الشفقة إلى الفهم. في هذا المقال، نغوص في عالم التوحد لنفكك الأساطير، ونعيد النظر في الاختلاف، ونسأل: هل التوحد مرض أم طريقة أخرى للنظر إلى العالم؟

اضطراب سلوكي مخيف

التوحد اضطراب سلوكي مخيف وغير معروف، ولا يزال محاطًا بالأساطير والخرافات. تروج وسائل الإعلام المختلفة، وخاصةً في شبكات التواصل الاجتماعي، لفكرة وجود وباء من التوحد، إذ إن عدد التشخيصات لهذه الحالة أعلى بكثير اليوم مما كانت عليه في الماضي. لكن الأمور غالبًا ما تكون أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه من النظرة الأولى.

يختلف التوحد المشخص اليوم اختلافًا كبيرًا عما كان يُطلق عليه “توحد” عند ظهور هذا المصطلح لأول مرة. وهذه التعريفات المتغيرة، إلى جانب الخوف الذي تثيره الكلمة بحد ذاتها، تتحمّل جزءً كبيرًا من مسؤولية هذه الزيادة في التشخيصات.

أصل التوحد

اضطراب طيف التوحد
اكتشاف التوحد

استخدم مصطلح “التوحد” للمرة الأولى عام 1911 من قبل الطبيب النفسي السويسري يوجين بليولر، لوصف بعض أعراض الفصام. أما في عام 1943، فقد بدأ المصطلح يستخدم بمعناه الحالي تقريبًا، في دراسات الطبيب النفسي المختص بالأطفال ليو كانر، الذي أطلق اسم “توحد” على اضطراب يعاني فيه الأطفال من صعوبة أو عجز تام في التواصل مع الآخرين، إلى جانب مشاكل في التواصل اللفظي وغير اللفظي، وسلوكيات مقيدة ومتكررة. وقد أطلق عليه اسم “التوحد الطفولي المبكر”.

متلازمة أسبرجر

ما هي متلازمة أسبرجر
متلازمة أسبرجر

تكثفت دراسة هذا الاضطراب، وأسبابه، وطرق علاجه في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، عندما بدأ المفهوم يدخل الثقافة العامة. وخلال هذه المرحلة، اقترحت عدة فرضيات حول أصل الاضطراب وعلاجه، لكنها رفضت لاحقًا. وفي الوقت نفسه تقريبًا وصف الطبيب النمساوي هانز آسبرجر أطفالًا لديهم أنماط سلوكية مشابهة، شملت ضعف القدرة على تكوين صداقات، والميل إلى احتكار الحديث، والتركيز الشديد على موضوع معين (ولهذا أطلق عليهم اسم “الأساتذة الصغار”، لأنهم كانوا قادرين على الحديث المطول حول المواضيع التي تثير شغفهم). وفي ثمانينيات القرن العشرين، بدأ يطلق على هذه الحالة اسم “متلازمة أسبرجر”، عندما أعاد الأطباء النفسيون المختصون بالأطفال تقييم مفهوم التوحد.

اضطراب طيف التوحد

اضطراب طيف التوحد
أصل الاضطراب

أدى وجود أعراض معينة، حتى وإن لم تكن بنفس شدة الحالات الأولى التي وصفها كانر، إلى التطور السريع لتعريف “التوحد” ليصل إلى ما يعرف اليوم باسم “اضطراب طيف التوحد”. وهو مفهوم أوسع يشمل عدة اضطرابات كانت تعتبر سابقًا منفصلة. وذلك بحسب ما يحدده دليل التشخيص والإحصاء للاضطرابات النفسية الصادر في عام 2013 عن الجمعية الأمريكية للطب النفسي.

تكمن المشكلة التي يواجهها الخبراء الذين يصوغون هذا الدليل، والذين يعملون في مجال الاضطرابات السلوكية التي لا تستند إلى خلل بيولوجي يمكن ملاحظته بموضوعية، في أنهم مضطرون إلى تحديد الخط الفاصل بين الطبيعي، وغير الطبيعي، والمرضي، استنادًا إلى خبرتهم السريرية وآراء عدد كبير من المتخصصين. وتتغير هذه الحدود مع الزمن.

إذًا، فإن الزيادة الواضحة في عدد الأطفال الذين يتم تشخيصهم بأحد اضطرابات طيف التوحد، وخصوصًا في الولايات المتحدة حيث تصل النسبة إلى طفل واحد من بين كل 88، لا تعني بالضرورة أن هناك مزيدًا من الحالات، بل تشير إلى تعريف أوسع وأدوات تشخيص أفضل للكشف عن الأعراض أو العلامات المختلفة.

أعراض التوحد

أعراض التوحد
ما هي أعراض التوحد

تنقسم علامات الاضطراب إلى ثلاث مجموعات رئيسية:

العلامات المتعلقة بالتفاعل الاجتماعي والعلاقات

تتراوح من مشكلات حادة في تطوير مهارات التواصل غير اللفظي، إلى العجز عن تكوين صداقات.. أو قلة الاهتمام بالتفاعل مع الآخرين.. أو انعدام التعاطف أو الفهم لمشاعر الآخرين.

العلامات المتعلقة بالتواصل

تشمل تأخرًا كبيرًا في تعلم الكلام أو عدم التحدث إطلاقًا.. وصعوبات في بدء أو متابعة المحادثات.. واستخدام نمطي أو تكراري للغة.. وصعوبات في فهم وجهة نظر الشخص الآخر (مثل صعوبة فهم النكات أو السخرية)، مع الميل لتفسير الكلام حرفيًا وعدم “قراءة ما بين السطور”.

العلامات المتعلقة بالاهتمامات والسلوكيات

مثل التركيز على أجزاء معينة من الأشياء بدلًا من النظر إلى الصورة الكاملة.. أو الانشغال بمواضيع محددة.. أو الحاجة إلى الحفاظ على روتين وسلوكيات متكررة، إضافةً إلى بعض التصرفات النمطية.

لكن هذا لا يعني أن كل من يظهر عليه بعض هذه الصفات يعاني من هذا الاضطراب. حيث يتم التشخيص بناءً على مجموعة الأعراض وشدتها. وكذلك على أساس مدى تأثيرها في قدرة الشخص على التفاعل في المجتمع. وأخيرًا، يمكن أن يظهر التوحد في طيف يتراوح بين أشكال خفيفة وغير مؤثرة، كما في حالة متلازمة أسبرجر، إلى الحالات الشديدة التي وصفها الدكتور كانر سابقًا.

التوحد من الداخل.. بين المرض والاختلاف

أطفال مختلفون
مرض أم اختلاف

ليس كل من يشخص بالتوحد يمكن اعتباره مريضًا، بل قد يكون ببساطة مختلفًا. وهذا ما أثبته عدد متزايد من الأشخاص الذين شخصوا بالتوحد وبدأوا في الحديث عن حياتهم ومشاعرهم ورؤيتهم للعالم. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الدكتورة تمبل جراندين، المتخصصة في علوم الحيوان، والأستاذة في جامعة ولاية كولورادو، والمؤلفة لعدة كتب ناجحة. وقد سمح لها ما مرت به من تجارب شخصية ليس فقط بالعمل في علاج الأشخاص المصابين بالتوحد، بل أيضًا بتصميم مرافق للحيوانات في المزارع، بما في ذلك المسالخ، تقلل من التوتر الذي تتعرض له هذه الحيوانات.

ووفقًا للمعايير الحالية، يمكن أن يتم تشخيص أشخاص مختلفين جدًا على أنهم مصابون بالتوحد بدرجات متفاوتة، مثل الممثلة داريل هانا، والعالم ألبرت أينشتاين، وفولفغانغ أماديوس موتسارت، وتشارلز داروين، وإسحاق نيوتن، وإيميلي ديكنسون. وهذا ما يعيدنا إلى جوهر الإشكال: أين تنتهي “حدود الشخصية الطبيعة” وبداية “المرض”؟

ولهذا السبب أيضًا، أعادت النسخة الأخيرة من الدليل التشخيصي للأطباء النفسيين الأمريكيين DSM-V، تقييم اضطراب طيف التوحد بشكل جعل العديد من الأشخاص الذين كانوا يعتبرون سابقًا مصابين بهذا الاضطراب، إلى التوقف عن اعتبارهم كذلك. وهو ما يعكس بوضوح مدى ما لا نزال نجهله عن هذا الاضطراب.

أسطورة اللقاحات

في واحدة من أكثر الفضائح العلمية صخبًا في السنوات الأخيرة، نشر الطبيب البريطاني السابق أندرو ويكفيلد عام 1998 دراسة ربط فيها بين اللقاح الثلاثي الفيروسي (MMR) – لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية – والتوحد ومشكلات أخرى. وبما أن أي باحث لم يتمكن من تكرار نتائجه، أعيد فحص الدراسة ليكتشف أن البيانات كانت ملفقة بالكامل.. وأن ويكفيلد اختلقها بهدف الترويج للقاح خاص به. ورغم سحب الدراسة وتجريد ويكفيلد من رخصته الطبية، إلا أن دراسته ساهمت في إشعال حركة مناهضة للتطعيم، شكلت خطرًا كبيرًا على الصحة العامة.

وما بين الأساطير العلمية، والخطوط الفاصلة بين الطبيعة والاضطراب، والقصص الملهمة لأشخاص كسروا القوالب النمطية، يثبت هذا الاضطراب أنه ليس مجرد “تشخيص”، بل مرآة تظهر مدى محدودية فهمنا للاختلاف الإنساني. فكلما ازددنا وعيًا، اقتربنا من رؤية التوحد لا كوصمة أو مشكلة، بل كتنوع في الإدراك والشعور والتواصل. وربما تكون هذه الخطوة الأولى نحو مجتمع يرى في “الاختلاف” قوة لا تهديدًا.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!