الرياح الشمسية: العاصفة التي تعبر الفراغ
تنبض شمسنا بحياة لا تهدأ، حيث تطلق انفجاراتها النارية ورياحها العاتية في كل اتجاه، وتؤثر علينا بطرق لم نكن لنتخيلها إلا قبل قرن ونصف. وما بدأ بمشهد غريب في سماء الليل تحول إلى اكتشاف غيّر نظرتنا إلى الفضاء، وفتح الباب أمام احتمالات تلامس الخيال: من تعطيل شبكات التلغراف إلى أحلام الإبحار بين الكواكب بأشرعة ضوئية. دعونا نستكشف قصة الرياح الشمسية… ذلك الزائر الخفي الذي يربط الشمس بالأرض، والمستقبل بالممكن.
شرارة البداية.. توهج الشمس الذي هز الأرض
بدأت القصة في الأول من سبتمبر عام 1859، وكان الوقت قبل الظهر بقليل، حين رصد اثنان من الفلكيين الهواة، ريتشارد كريستوفر كارينغتون وريتشارد هودجسون، بشكل مستقل ولأول مرة في التاريخ البشري، توهجًا شمسيًا — انفجار مفاجئ على سطح الشمس يطلق ما يشبه وهجًا قويًا من طاقة يصعب تخيل قوتها.
وفي مساء اليوم نفسه، سجّل الفيزيائي الإسكتلندي بلفور ستيوارت، مدير مرصد كيو المغناطيسي في لندن، شذوذًا مغناطيسيًا شديدًا في الشمس. تلاه في الساعة الرابعة من صباح اليوم التالي عاصفة جيومغناطيسية عنيفة، هي الأعنف على الإطلاق منذ بدء التسجيل وحتى يومنا هذا.
وقد شوهد الشفق القطبي أو “أضواء الشمال” في سماء البلاد القريبة من خط الاستواء. وكان من الشدة بحيث أفادت صحيفة نيويورك تايمز أن الناس استطاعوا قراءة الجريدة في الواحدة صباحًا باستخدام تلك الأضواء الشبحية وحدها. وأدى تأثير آخر لهذه العاصفة المغناطيسية القوية إلى تعطل مؤقت في أنظمة التلغراف في جميع أنحاء نصف الكرة الشمالي. وبحلول الرابع من سبتمبر، هدأت العاصفة المغناطيسية أخيرًا.
لم يمض وقت طويل حتى ربط العلماء بين الثوران الشمسي الذي رصده كارينغتون وهودجسون، وبين الاضطراب المغناطيسي والعاصفة التالية له. فقد تبيّن أن تغيّرًا مفاجئًا وهائلًا في الشمس يمكن أن يؤثر على كوكبنا بطريقة لم يكن يتصورها سوى عدد قليل من المنظرين.. مما فتح آفاقًا جديدة كليًا للبحث في الكون.
ما هي الرياح الشمسية؟

تطلق الشمس باستمرار وفي جميع الاتجاهات تيارًا من البلازما (الحالة الرابعة للمادة، ليست غازية ولا سائلة ولا صلبة)، مكوّنة من إلكترونات حرة وبروتونات وأيونات عالية الطاقة.. تنطلق بسرعة متوسطة تقارب 400 كيلومتر في الثانية. وقد تكون أسرع من ذلك بكثير في حال وقوع ثورانات شمسية عنيفة. هذا هو ما يسمى “الرياح الشمسية”..
وقد اكتشفها في خمسينيات القرن العشرين الفلكي الألماني لودفيغ بيرمان، الذي لاحظ أن ذيل المذنب يشير دائمًا بعيدًا عن الشمس، بغض النظر عن موقعه في مداره. وطرح فرضية مفادها أن السبب هو تيار مستمر من الجسيمات المنبعثة من الشمس. وهي فكرة سبق أن اقترحها الفيزيائي الفلكي آرثر إدينغتون عام 1910.
لا تنتج الرياح الشمسية فقط عن حرارة الشمس (التي تقدر بـ 15 مليون درجة مئوية في باطنها، و6000 درجة مئوية على سطحها)، بل أيضًا عن الحقل المغناطيسي الشمسي. في الواقع، تهرب الرياح الشمسية من الغلاف الجوي الشمسي بشكل رئيسي عبر أقطابه المغناطيسية.
الرياح الشمسية شديدة القوة. ولتقريب الصورة، تظهر بيانات مركبة “الماسح الشامل للمريخ” أن كوكب المريخ المجاور لنا كان يملك في الماضي غلافًا جويًا أكثر كثافة.. لكن هذا الغلاف قد دفع حرفيًا إلى الفضاء بفعل الرياح الشمسية.
لماذا لا يحدث الأمر نفسه مع الأرض؟ ألا نواجه خطر هذه الانبعاثات الشمسية الهائلة التي قد تجرّدنا من غلافنا الجوي الثمين والحيوي؟ كنا سنواجه هذا الخطر لولا امتلاكنا لشيء لا يملكه الكوكب الأحمر: الحقل المغناطيسي للأرض.
لماذا لا تحرقنا الرياح الشمسية؟

يتميز الحقل المغناطيسي للأرض، أو ما يعرف بالمجال المغناطيسي، بمنطقتين تعرفان باسم “أحزمة فان آلن الإشعاعية”. وهما على شكل كعكة دائرية أو “طارة” كما يسميها علماء الطوبولوجيا، تحيط بكوكبنا. وتتكوّن من جسيمات عالية الشحنة مصدرها الأشعة الكونية، لكن بشكل رئيسي من الرياح الشمسية.
تلتقي الرياح الشمسية بالغلاف المغناطيسي بطريقة مشابهة لاصطدام الماء بمقدمة سفينة. حيث تنحرف لتجنب الاصطدام المباشر بالغلاف الجوي للأرض. وخلال هذا التفاعل، فإن الجسيمات التي تنجح في اختراق المجال المغناطيسي تحتجز داخل أحزمة فان آلن. وفي الوقت ذاته، تنقل الرياح الشمسية طاقة وجسيمات إلى الغلاف المغناطيسي. حيث تنتقل الإلكترونات والأيونات على طول خطوط الحقل المغناطيسي نحو القطبين، مسببة الشفق القطبي الشمالي (في الشمال) والجنوبي (في الجنوب).
كلما كانت الرياح الشمسية أكثر شدة، كما حدث في انفجار عام 1859، زادت اضطرابات المجال المغناطيسي لكوكبنا. وزادت كمية الطاقة التي يتلقاها، والتي يمكننا رؤيتها في شكل الشفق القطبي، بالإضافة إلى اضطرابات مختلفة في طبقة الأيونوسفير، بل وحتى في الأجهزة الكهربائية والمغناطيسية على سطح الأرض، كما حدث مع التلغرافات في عام 1859.
أشرعة ضوئية وأحلام كونية

إذا كانت الرياح الشمسية تملك هذه القوة المذهلة، فهل يمكن استخدامها لدفع “الشراع”، على غرار ما تفعله الرياح في الغلاف الجوي الأرضي مع السفن الشراعية؟
في الواقع، اقترح الرائد الروسي في علم الفضاء، قسطنطين تسيولكوفسكي، منذ عشرينيات القرن العشرين، استخدام “ضغط ضوء الشمس” للسفر عبر الكون، وهي فكرة ازدادت قوة بمرور الوقت، كلما فهمنا بشكل أفضل الرياح الشمسية والضغط الذي تمارسه إشعاعات الشمس. وقد تبنّى الخيال العلمي هذه الفكرة بحماسة في العقود من الخمسينيات إلى الثمانينيات.
ساد الاعتقاد بإمكانية تسخير الرياح الشمسية والفوتونات التي تُكوّن ضوء الشمس لتحريك “شراع” مصنوع من مادة عاكسة وخفيفة للغاية. ولكي تستفيد هذه الأشرعة من قوة الشمس، فلا بد أن تكون هائلة الحجم. ففي سبعينيات القرن الماضي، اقترح فريق من وكالة ناسا تصميم مركبة شراعية شمسية للالتقاء بمذنب هالي، وكان من المفترض أن يبلغ حجم شراعها 600,000 متر مربع — أي أكبر بنسبة 50٪ من ساحة تيانانمن في بكين.
أول شراع شمسي عملي، والوحيد حتى الآن، هو شراع مركبة فضائية تجريبية تابعة لوكالة الفضاء اليابانية (جاكسا) تدعى إيكاروس (مركبة فضائية شراعية تسير بطاقة الأشعة الشمسية). أطلقت في 21 مايو 2010، وتمكنت من إثبات جدوى تقنية الشراع الشمسي. حيث أكملت بنجاح مهمتها بالسفر إلى كوكب الزهرة، الذي وصلت إلى محيطه في ديسمبر 2010، مبرهنة على أن قوة نجمنا العظيم — الشمس — قد تكون هي ما يحملنا يومًا إلى نجوم أخرى، وهو الحلم الكوني القديم.
تضعنا الرياح الشمسية أمام سؤال وجودي: هل نحن في مأمن من نجم نحيا في ظله؟ أم أن هذا الظل يحمل في طياته احتمال النهاية أو بداية لمغامرة نحو المجهول؟ بين الخطر والفرصة، تبقى الشمس سيّدة المشهد — خصمًا لطيفًا حينًا، ورفيقًا للحلم حينًا آخر.













