علوم

العناصر الكيميائية من الخيمياء إلى العلم الحديث

كان الإنسان ينظر إلى النار والماء والهواء والتراب، فيراها لا تشبه بعضها، لكن شيئًا ما في أعماقه كان يخبره بأنها ليست إلا وجوهًا مختلفة لجوهر خفي واحد. هل توجد مادة أولى خلق منها كل شيء؟ من أين جاء هذا التنوع الساحر في الطبيعة؟ أطلقت هذه الأسئلة رحلة فكرية امتدت آلاف السنين، عبرتها الكيمياء لتخبرنا اليوم قصة بسيطة ومذهلة: كل شيء حولنا مصنوع من عناصر معدودة… وهذه هي حكاية العناصر الكيميائية منذ البداية.

هل هناك مادة أولى؟

قد يبدو لنا من البديهي أن كل ما يحيط بنا ليس متماثلًا. وأن أي شيء يختلف عن الآخر من حيث اللون أو الملمس أو الصلابة أو الكثافة أو غيرها من الخصائص. تختلف قطعة معدنية عن غصن شجرة، وعن كأس ماء وعن غزال.. كل من هذه العناصر مختلفة تمامًا عن بعضها البعض.

تساءل البشر منذ فجر التاريخ البشري: ما مكونات الأشياء؟ ما هي المواد الجوهرية التي تجعلها مختلفة إلى هذا الحد؟ انقسمت المدارس الفكرية حول العناصر الأساسية التي لا يمكن تقسيمها إلى مكونات أو مواد أخرى مغايرة. كان العنصر الأساسي لكل المادة هو الماء وفقًا لتأملات طاليس الملطي. وبعده ببضع سنوات، اعتبر أناكسيمينس، أن الهواء هو المادة الجوهرية التي يتكون منها الكون. ثم جاء بعدهما بفترة قصيرة الفيلسوف اللامع هيراقليطس، الذي صاغ المفهوم القائل بأن “كل شيء في تغير مستمر”، ورأى أن النار هي العنصر الأعمق والأساسي.

نظرية العناصر الأربعة القديمة

فلاسفة الطبيعة القدماء
نظرية العناصر الأربعة القديمة

لم يمر وقت طويل قبل أن يحاول إمبيدوكليس التوفيق بين آراء أسلافه. فاقترح أن العناصر الثلاثة السابقة هي كلها مكونات أساسية للكون، مضيفًا إليها الأرض، ليكوّن بذلك العناصر الأربعة أو “الجذور”، التي أصبحت لاحقًا حجر الأساس في الفكر الغربي بعد أن تبناها أرسطو. أما في الصين، فكان الاعتقاد السائد بوجود خمسة عناصر: النار، والأرض، والماء، والمعدن، والخشب. بينما ذهب الهنود والبوذيون إلى عناصر الزرادشتية الثلاثة: النار والماء والأرض. ثم أضافوا إليها الهواء والأثير لاحقًا.

الفلسفة والخيمياء

سعى الفلاسفة في هذه الثقافات الثلاثة إلى تصنيف كل شيء في الوجود – وخاصة سر الحياة – حسب عدد العناصر في فلسفتهم. اعتقد الإغريق أن الجسد البشري يتكون من أربعة أخلاط. وهو الأساس الذي قامت عليه كل الممارسات الطبية الغربية ما قبل العلمية. أما الصينيون، فقد افترضوا وجود خمس وظائف للطاقة الحيوية الغامضة المسماة “تشي”. وبنوا على ذلك منظومتهم الطبية قبل العلمية. وبالنسبة للهنود، فقد رأوا أن الجسد تسيره ثلاث قوى تعرف بـ “الدوشا”، والتي شكّلت أساس طبهم الروحي الخاص.

تعاملت هذه المفاهيم مع “العناصر” كقوى ذات طابع غيبي. لا علاقة لها بالعناصر الكيميائية التي كانت معروفة ومستعملة بالفعل – بعضها منذ عصور ما قبل التاريخ – مثل النحاس، والذهب، والرصاص، والفضة، والحديد، والكربون، وغيرها. وكان للمعادن، على وجه الخصوص، اهتمام كبير لدى الكيميائيين القدماء، أو “الخيميائيين”، الذين حاولوا تحويل بعضها إلى بعض باستخدام العناصر الأربعة الكلاسيكية وطرائق تميل إلى الطابع السحري.

ميلاد الكيمياء الحديثة

العناصر الكيميائية
بدأت دراسة الكيمياء الحديثة مع العالم روبرت بويل

جاء التحول نحو دراسة علمية للكيمياء مع روبرت بويل عام 1661، عندما نشر في لندن كتابه “الكيميائي المتشكك، أو الشكوك والمفارقات الكيميائية الفيزيائية”، الذي عرض فيه تجاربه. ووجه فيه دعوة إلى الكيميائيين للاعتماد على التجربة، مؤكدًا أن هذه التجارب تبيّن أن العناصر الكيميائية ليست هي العناصر الأربعة الكلاسيكية.

وضع بويل بهذا الكتاب الأسس لانفصال الكيمياء عن الخيمياء.. وولادة علم جديد يتميز بالصرامة والاعتماد على البرهان التجريبي.. فلا يعترف بشيء إلا إذا ثبت بالتجربة. وعلى الرغم من أن الكيمياء الجديدة استعارت أدوات وإجراءات من الخيمياء، فإنها كانت علمًا جديدًا بالكامل، مغايرًا جذريًا، سرعان ما وضع حدًا للخيمياء وتأملاتها المثيرة.

اكتشاف عناصر كيميائية جديدة

كان كتاب بويل بمثابة إشارة الانطلاق لإعادة تقييم كل ما كان يعتقد بشأن تركيب الكون. فمنذ اكتشاف الفوسفور عام 1669 على يد الألماني هينيغ براند، الذي كان لا يزال خيميائيًا، بدأ تسلسل متتابع لاكتشاف عناصر كيميائية جديدة.. بلغ عددها نحو عشرين عنصرًا في القرن الثامن عشر.. وأكثر من خمسين عنصرًا في القرن التاسع عشر.

وفي عام 1787، قام الكيميائي الفرنسي أنطوان لافوازييه، مكتشف الأوكسجين والهيدروجين (وبالتالي مبرهنًا على أن الهواء ليس عنصرًا أساسيًا بل مزيجًا من مكونات مختلفة)، بوضع أول قائمة تضم 33 عنصرًا، ساعيًا إلى توحيد أسماء العناصر.. وكذلك أسماء المركبات التي تُكوِّنها، في أول محاولة جادة لتنظيم الكيمياء كعلم منظم.

تزايد اكتشاف العناصر الكيميائية الجديدة في السنوات التالية. وتمت ملاحظة خصائصها وطريقة تفاعلها مع غيرها. والعناصر التي ترتبط بها عادة. والخصائص التي تظهر في المركبات الناتجة. وبدأ يظهر نمط لافت يعرف باسم “الدورية”، أي أن بعض الخصائص الكيميائية للعناصر كانت تتكرر بانتظام عندما ترتب العناصر حسب أعدادها الذرية.

ولادة الجدول الدوري

أسماء العناصر الكيميائية ورموزها
جدول ماندليف

نشر أستاذ الكيمياء الروسي ديمتري إيفانوفيتش ماندليف في عام 1869 جدولًا للعناصر رتبها فيه وفقًا لأوزانها الذرية، لكنه نظمها في أعمدة تظهر تكرار الخصائص الكيميائية بين العناصر. على سبيل المثال، توضع الغازات النبيلة — مثل الهيليوم والنيون والأرغون والزينون والكريبتون والرادون — في العمود نفسه رغم اختلاف أوزانها الذرية، لأنها جميعًا غازات تتكون جزيئاتها من ذرة واحدة، غير قابلة للاشتعال في الظروف العادية، وتتمتع بخمول كيميائي كبير.

تضمن جدول ماندليف كل العناصر المعروفة آنذاك. لكنه أيضًا تنبّأ بوجود عناصر لم تكن قد اكتشفت بعد. وحدد خواصها الكيميائية المتوقعة استنادًا إلى وزنها الذري، مثل الجرمانيوم، والغاليوم، والسكانديوم. وقد تأكدت صحة توقعاته عندما تم اكتشاف هذه العناصر لاحقًا، إلى جانب عناصر أخرى وجدت لنفسها مكانًا في الجدول الدوري الذي وضعه.

العناصر الكيميائية في الطبيعة

يوجد في الطبيعة 92 عنصرًا. أخفّها هو الهيدروجين، الذي تحتوي نواته على بروتون واحد، وبالتالي يحمل العدد الذري 1. أما اليورانيوم، فيقع على الطرف الآخر من الجدول الدوري، إذ يحتوي على 92 بروتونًا، وهو أثقل العناصر الموجودة طبيعيًا. وتوجد عناصر ذات عدد ذري أعلى من 92 — أي تحتوي نواتها على أكثر من 92 بروتونًا — لكنها جميعًا من صنع الإنسان، وجميعها عناصر مشعة. وقد تم حتى الآن تصنيع عناصر يصل عددها الذري إلى 118، ولم يرصد من بعضها سوى عدد قليل جدًا من الذرات، نظرًا لأنها تتفكك بسرعة كبيرة. وهكذا يمكننا القول إن الكون، بكل ما فيه من تنوع وتعقيد، يتكوّن ماديًا من 92 عنصرًا فقط، إلى جانب الطاقة، بطبيعة الحال.

اليوم، بعد قرون من البحث والتجربة، نعرف أن كل ما في الكون من جبال ومحيطات، أحياء وجمادات، ظلال ونيران، ما هو إلا تنويعات على لحن بسيط: 92 عنصرًا تتحد وتنفصل وتتشكل في مليارات الصور. ومع كل ذرة نكتشفها، ندنو خطوة من فهم أسرار المادة، وربما من فهم أنفسنا. الكيمياء ليست مجرد علم، إنها عدسة نرى بها العالم في جوهره.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!