علوم

إدوين هابل: قصة اكتشاف غيرت كل شيء

لطالما نظر الإنسان إلى السماء منذ فجر التاريخ متسائلًا عن موقعه في هذا الكون الواسع.. ابتكر النظريات ليفسر ما يراه من أجرام ونجوم. وتوصل علماء إلى أن الأرض هي مركز الكون، لكن بدأت هذه الفكرة تتآكل شيئًا فشيئًا على يد علماء ومفكرين آخرين غيّروا مجرى التاريخ. ثم جاء اليوم الذي بدا فيه أن الكون نفسه اتسع فجأة أمام أعيننا، يوم أعلن إدوين هابل أن هناك ما هو أبعد من درب التبانة، وأننا لسنا سوى نقطة في بحر لا متناهٍ من المجرات.

أول يوم من وجود الكون

يمكن اعتبار الأول من يناير عام 1925 بمثابة أول يوم من وجود الكون — أو على الأقل أول يوم علم فيه البشر بوجوده. كان الاكتشاف قد أجري قبل ذلك بأكثر من عام بقليل على يد فلكي شاب يدعى إدوين بويل هابل، لكن في ذلك اليوم عرضه أمام ثمانين فلكيًا من الجمعية الفلكية الأمريكية، الذين كانوا يعقدون اجتماعهم السنوي في مدينة واشنطن.

كان الفلكيون يعلمون بوجود الكون، بالطبع.. لكن المفهوم الذي كان لديهم عنه كان مختلفًا تمامًا عما صار عليه بعد ذلك اليوم. كانت مجرة درب التبانة تعتبر الكون بأسره في ذلك الوقت. وكان هذا الشريط المضيء في سماء الليل موضوعًا للتأمل منذ اليونان القديمة، حين كان الفلاسفة الرواد في العلم مثل أنكساجوراس وديموقريطس يتكهنون بأنه مكون من عدد لا يُحصى من النجوم، إلا أن أرسطو كان يخالفهم الرأي. وقد كان جاليليو، في عام 1610، هو من أكد أنها مكونة من ملايين وملايين النجوم.

المناظرة الكبرى

نشأت المشكلة في بقع ضبابية من الضوء تعرف باسم “السُدم”، التي اكتشف الأرستقراطي الإيرلندي ويليام بارسونز – الذي امتلك أقوى تلسكوب في عصره عام 1845 – أنها ذات شكل حلزوني. فهل كانت تلك السُدم الحلزونية جزءً من درب التبانة، أم أنها، كما افترض قلة من العلماء، أكوان أخرى، ومجرات أخرى؟

أصبح الموضوع في عام 1920 محور لقاء عرف ببساطة باسم “المناظرة الكبرى” بين هارلو شابلي وهيبر كروتس، وهما فلكيان أمريكيان. كانت الولايات المتحدة في ذلك الوقت قد أصبحت القوة الكبرى في علم الفلك، بامتلاكها أكبر التلسكوبات وأفضلها موقعًا في العالم، وكان كلا العالمان في طليعة التخصص. اعتمد شابلي في حجته على تفسيره لبعض البيانات ليؤكد أن السُدم الحلزونية ليست سوى أجزاء من مجرتنا، وهو رأي الأغلبية. أما كروتس، فاستند إلى بيانات وتفسيرات أخرى ليقول إنها مجرات بعيدة جدًا. وكان إدوين هابل من أنصار كروتس، وسرعان ما حصل على بيانات تثبت صحة رأيه.

من هو إدوين هابل؟

سيرة حياة عالم الفلك إدوين هابل
إدوين باول هابل

ولد إدوين باول هابل في وسط الولايات المتحدة، في ولاية ميزوري، في 20 نوفمبر 1899. انتقلت عائلته إلى مدينة شيكاغو، حيث درس المرحلة الثانوية. ووقع في حب أدب الخيال العلمي الناشئ آنذاك، خصوصًا أعمال جول فيرن وهنري رايدر هاجارد. كما طور مهاراته الرياضية في ألعاب القوى وكرة السلة والملاكمة.

ورغم حصوله على شهادة في الرياضيات والفلك عام 1910، إلا أنه حين نال منحة ثمينة للدراسة في جامعة أوكسفورد بإنجلترا، اختار أن يدرس القانون. وعندما عاد إلى الولايات المتحدة عام 1913 عمل محاميًا. كما عمل أستاذًا لمادتي الإسبانية والفيزياء في إحدى المدارس. لكنه سرعان ما أدرك أن شغفه الحقيقي هو الفلك، فعاد لمواصلة دراسته فيه.

توقفت مسيرته فجأة عام 1917، بعد تخرجه مباشرة، حين قرر الانضمام إلى الجيش للمشاركة في الحرب العالمية الأولى. وبعد انتهاء الحرب عام 1919، وقد نال رتبة (رائد) في الجيش، بدأ أخيرًا بمزاولة مهنته كفلكي في مرصد جبل ويلسون، الذي كان يحتوي حينها على أقوى تلسكوب على وجه الأرض. وهناك التقى بهارلو شابلي، الذي تمكن من قياس حجم مجرة درب التبانة بدقة: 300,000 سنة ضوئية. وهو ما اعتبر آنذاك حجم الكون كله.

وميض في السماء

اكتشف هابل في أكتوبر عام 1923 وميضًا في أحد السُدم التي كان يراقبها. ظن في البداية أنه ناتج عن نجم “نوفا” — نجم ينفجر في نهاية حياته. ولكن بعد مقارنة عدة صور فوتوغرافية التقطت من قبل فلكيين آخرين، تبيّن له أن ما رآه كان نجمًا من نوع “القيفاويات”، وهي نجوم تتميز بطبيعتها المتغيرة.

يتغير سطوع كل نجم من نوع القيفاويات في دورات دقيقة جدًا. يستغرق بعضها يومًا أو يومين أرضيين، في حين يستغرق بعضها الآخر عشرات الأيام. وبما أن تغيرات القيفاويات تعتمد على سطوعها الحقيقي إذا ما استبعدت عوامل مثل المسافة أو الغبار بين النجوم، فقد اكتشفت العالمة هنرييتا ليفيت العلاقة بين دورة التغير في السطوع واللمعان الداخلي للنجم، مما يتيح حساب المسافة التي تفصل كل نجم منها عن الأرض.

مئات المليارات من المجرات

الكون
يحتوي الكون على ما لا يعد ولا يحصى من المجرات

كانت النجمة القيفاوية التي رصدها هابل في السديم المعروف باسم M31، أو كما يُعرف شعبيًا بـ”أندروميدا“، تقع على بعد مليون سنة ضوئية آنذاك… بعيدة جدًا عن درب التبانة. كانت أندروميدا مجرة أخرى، حشدًا آخر من النجوم مثل مجرتنا. وإذا كان كوبرنيكوس قد أزاح الأرض من مركز النظام الشمسي، وإذا كنا قد اكتشفنا لاحقًا أن نظامنا الشمسي ليس في مركز مجرة درب التبانة، فإن هابل قد بيّن أن مجرتنا ليست سوى واحدة من بين كثيرات، ونعلم اليوم أنها واحدة من بين مئات المليارات من المجرات.

إنجازات إدوين هابل المذهلة

قدّم هابل اكتشافه في الأول من يناير عام 1925 بعد أن أكّد حساباته مرارًا وتكرارًا. وفي الواقع، لم يقم بذلك بنفسه. ولسبب بقي مجهولًا، ترك الأمر للفلكي هنري نوريس راسل ليعرضه أمام مؤتمر علماء الفلك، الذين أكدوا خلال الأشهر التالية صحة الاكتشاف: “هناك في الخارج” كون أكبر مما تخيلوه يومًا، مليء بالأسرار التي لا تزال تنتظر من يكتشفها، وبالمعارف التي يمكن تحصيلها عبر الحواس الخمس فقط.

وكما قال إدوين هابل:

مُزودًا بحواسه الخمس، يستكشف الإنسان الكون من حوله، ويُطلق على هذه المغامرة اسم: العلم.

استمرت مسيرة هابل محققة إنجازات مذهلة. حيث تمكن في عام 1929 من إثبات أن الكون يتمدد بسرعة متزايدة.. وهو اكتشاف ربما يكون أعظم حتى من السابق.. وقد أسّس علم الكونيات الحديث. كما طوّر نظامًا لتصنيف النجوم. وعاد إلى الجيش ليساهم كعالِم في المجهود الحربي للحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية. ثم كان أحد الداعمين لبناء مرصد جبل بالومار، ليصبح أول فلكي يستخدم تلسكوبه العصري. وتوفي بعد ذلك بوقت قصير، في 28 سبتمبر عام 1953.

إدوين هابل وحلم جائزة نوبل

كان حلم إدوين هابل الكبير الذي لم يتحقق هو الفوز بجائزة نوبل. ويقال إنه استعان حتى بوكيل دعاية لترويج صورته سعيًا وراء الجائزة. لكن لم تكن هناك جائزة نوبل في علم الفلك، ولهذا غابت الجائزة عن القائمة الطويلة من التكريمات التي نالها في حياته وبعد وفاته. ومع ذلك، فإن تسمية التلسكوب الفضائي باسمه — ذلك التلسكوب الذي أدهشنا بصور مذهلة لعجائب الكون — قد جعله، على الأرجح، أكثر شهرة مما لو كان قد فاز بجائزة نوبل.

لقد وسع اكتشاف هابل أفق البشرية وكشف لها أنها تعيش في كون أوسع وأعمق مما تصورته يومًا. والتلسكوب الذي يحمل اسمه اليوم لا يزال يمدنا بصور تذكرنا بحجمنا الحقيقي… وبجرأة أولئك الذين تجرؤوا على النظر أبعد من حدود الممكن.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!