قصص قصيرة

قصة حب وخيانة (2): أنثى على حافة الرماد

تأتي تكملة قصة حب وخيانة قصيرة لتكشف ما يحدث بعد الاختيار الخاطئ. فبعض القصص لا تنتهي عند الفراق، بل تبدأ عنده. هنا، يعود الحب في هيئة ندم، وتتحول الذكريات إلى عبء ثقيل لا يمكن الهروب منه.

انطلقت السيارة كأنها تجر وراءها ما تبقى من الحلم القديم، وتدفع أمامها وجع الحاضر المترف. كان الطريق طويلًا والحديث أكثر حرارة من الشمس، وكل كلمة تقال تشعل شيئًا خفيًا بينهما. لم يكن أحدهما يدرك أن تلك اللحظة البريئة تحمل في أعماقها فصل النهاية من قصة حب وخيانة (2) بدأها قلبان وانتهت بها نيران… إذا لم تكن قرأت الجزء الأول من القصة يمكنك قراءتها عبر هذا الرابط: قصة حب وخيانة (1): أنثى على حافة الرماد..

البحث عن مكان نقي

حاولت أن تُغيّر مجرى الحديث حين رأت عينيه تغوصان مجددًا في عالم الأرقام، فتنفست بعمق يشبه بداية اعتراف جديد، وقالت بصوت متردد يخرج من أعماق مثقلة بالشوق: «هل بقي في قلبك حبٌّ لي؟». رفع رأسه نحوها، تلاقت النظرات للحظة سكنت فيها الأصوات، ثم قال بنبرة هادئة تنضح صدقًا ومرارة: «أحبك كثيرًا، لكنك تميلين إلى المال أكثر مما تميلين إليّ».

اهتزت نبرتها غضبًا، ارتفع صوتها في السيارة كأنه احتجاج على جرح قديم، وامتلأ الهواء بثقل الانفعال. حاول أن يمد يده ليهدئها، فأعرضت عنه ونظرت إلى الأفق الممتد عبر النافذة، كأنها تستنجد بالمسافة لتستعيد توازنها. أطلقت كلماتها في نغمة تفيض إرهاقًا: «أريد أن أبتعد عن كل ما يطوقني. أرهقني هذا العالم المتخم بالبريق. سئمت الوجوه التي تتكرر حولي بلا روح. أبحث عن مكان نقي يحتويني، أرض بعيدة عن الأضواء والناس، واحة نعيش فيها على الدفء والفاكهة، حيث لا حسابات ولا ألقاب».

انحرف صوته فجأة، قاطع حلمها بنبرة باردة لا تخلو من الاستفهام المبطّن: «هل تجاوزت ثروتك حاجز المليار؟». التفتت نحوه بحدة تشي بالذهول، وقالت مترددة في غضب مكبوت: «ماذا تعني؟». أجاب في هدوء ثقيل يخفي ما لا يقال: «أتساءل عن ثروتك».

اشتعلت عيناها بنار غاضبة لم تعرفها من قبل، وارتجف صوتها وهي تقول في حدة قاطعة كأنها تصدر حكمًا نهائيًا: «توقف».

هذا العالم البارد..

قصص الخيانة
قصة حب وخيانة (2)

ترجلت من السيارة بخطوات سريعة تشي بالغضب والخذلان، واندفعت نحو الرصيف المطل على البحر. تحرك خلفها في صمت متردد يحاول اللحاق بظلها، حتى استقرت على حافة الموج، تحدق في الأفق المترامي كأنها تبحث عن إجابة في انكسار الضوء على الماء. اقترب منها ببطء وقال بصوت تغلفه المرارة: «إنها الحقيقة، ما جدوى الهروب منها؟». التفتت نحوه بعينين يشتعلان باضطراب خفي وقالت: «أي حقيقة تعني؟ الحقيقة الوحيدة أنك تعود دائمًا إلى المال كأنه مركز الكون».

ابتسم ابتسامة واهنة وقال: «أتدرين كم أكسب في الشهر؟». رفعت رأسها في حدة ممزوجة بالحزن وقالت: «لا أريد أن أسمع. ما يعنيني الآن أنك مختلف عن كل أولئك الذين يعبدون المال. أحبك لأنك صاحب فكر وروح حية وذهن يضيء الكلام. كل ما فيك يذكرني بالحرية، لا بالأرقام. أقسم لك أن المال لا يشغلني».

نظر إليها نظرة طويلة صامتة وقال: «تقولين ذلك لأن الثروة بين يديك». أجابت ببرق من الغضب في صوتها: «وهل أبعثرها على الطرقات؟». قال في هدوء متماسك: «كل شيء من حولك يصرخ بالمال: هذه السيارة، هذه الثياب، هذه الحلي التي تلتف حول معصميك. الثراء يسكن تفاصيلك». ارتجف صوتها وهي تهمس: «لماذا تصرّ على سحبنا إلى هذا العالم البارد؟». أجاب بنبرة يختلط فيها التحدي باليأس: «هذا هو الواقع، وداخلك تعيش أموال لم تفارقك».

ارتعاشة حلم قصير

قصة حب وخيانة (2)
قصص رومانسية

انحنى رأسها للحظة قصيرة كأنها تتلقى صفعة وعي مؤلم، ثم قالت بصوت خافت يقطر وجعًا: «داخلي لا يحمل سوى فراغ واسع يبتلعني كلما حاولت أن أتنفس». انهمرت دموعها على وجنتيها، فاقترب منها ومدّ يده يلامس وجهها برفق يفيض أسى. أحاطها بذراعه كمن يحمي جرحًا من الريح، فأغمضت عينيها واستسلمت للحظة من دفء نادر افتقدته طويلاً.

عادت إلى السيارة في صمت ثقيل، وأسندت رأسها إلى كتفه. تحركت السيارة في طريق يغمره الغروب، وامتدت يدها نحو يده تسحبها برفق وتضمها إلى صدرها. وضعت كفه على خدها وقالت بصوت مبحوح تكسوه الرغبة: «حين تلمسني لا أميز أصابعك من أصابعي، كأن كل ما بيننا انصهر في شعور واحد غريب ورائع. خذني إلى مكان بعيد عن العيون، إلى واحة تحرسها النجوم، حيث يلمع النهر بأضوائه الهادئة وتتعانق الأصوات مع أنفاس الليل. هناك أريد أن أنام بين ذراعيك حتى تزحف الشمس على أجسادنا وتغمرنا بضيائها الدافئ».

أغمض عينيه للحظة قصيرة كأنها ارتعاشة حلم لامس حدود الواقع، فاندفع داخله خيال حار بما قد يأتي. فتح عينيه فجأة، فالتقطت نظراته ظلاً إنسانيًا يقف في منتصف الطريق. ضغط المكابح بكل ما في يده من خوف وغريزة. ارتجّت السيارة بعنف، ودارت في دوائر متتابعة، ثم انزلقت على جانب الطريق حتى ارتطمت مقدمتها بعمود معدني ضخم. دوى صوت التصادم، وارتفعت رائحة الحديد الساخن، ثم تصاعدت ألسنة اللهب من الإطار الأمامي.

مد يده نحوها يتحسس أنفاسها المرتبكة، ففتحت عينيها ببطء وقالت بصوت متقطع: «أنا بخير». التفت بسرعة نحو مقدمة السيارة، وصرخ بصوت يملؤه الذعر: «النار تشتعل.. السيارة تحترق».

بقايا حلم يحترق..

أعمال أدبية
قصة حب وخيانة قصيرة

اندفعت خارجة من الباب، تتعثر بخطاها، تلهث وهي تنظر إلى ما تبقى من هيبة سيارتها. ارتفع صوتها حادًا متوترًا: «السيارة.. سيارتي! ماذا فعلت؟». حاول الاقتراب منها وهو يلتقط أنفاسه وقال: «كان عليّ أن أضغط المكابح، شخص اعترض الطريق».

ارتفع صراخها وهي تشير إلى النيران المتصاعدة: «هناك ما يحترق.. العجلات تلتهمها النار.. افعل شيئًا، أسرع، أيها الأحمق، أطفئها قبل أن تنفجر!». تقدمت خطوات مرتبكة نحو اللهب، يتنازعها الخوف والغضب، بينما وقف متجمدًا للحظة أمام المشهد الذي جمع بين انهيار السيارة واحتراق الحلم.

اندفع نحو السيارة يلهث، التقط أنفاسه بين ألسنة الدخان، بحث بعينيه عن شيء يطفئ اللهيب، فوقع بصره على معطفها الملقى في المقعد الخلفي. مد يده إليه ورفعه، غير أنه ما إن لوح به حتى اندفعت نحوه غاضبة تصرخ بصوت مبحوح يملؤه الهلع: «بمعطفي؟! أأنت تدرك قيمته؟ هذا فرائي! استخدم سترتك إن كنت تفهم شيئًا!»

ألقى المعطف من يده وخلع سترته على عجل، وضرب بها النار التي تتراقص في جنون. ارتفع الدخان، وتبدد صوته بين صراخها الذي دوى في المكان: «رباه.. ستنفجر! أحضر الرافعة بسرعة!» تحرك بخطى مضطربة نحو حقيبة السيارة يبحث عن الأداة، بينما راحت تتمتم بحدة مسموعة، تدور حول نفسها، وملامحها تشتعل أكثر من النار نفسها: «سيارة ناعمة، دقيقة، مصنوعة بإتقان، ويأتي هذا الأحمق ليقودها كأنه يقود شاحنة صدئة!»

تجمّع الغضب في صدره، ارتفع صوته كالسوط يخترق ضجيج الطريق: «كِدت أدهس إنسانًا! هناك من وقف أمامي!»

رمقته بعين زجاجية متجمدة وقالت ببرود قاطع: «وما شأنك به؟»

تراجع خطوة إلى الخلف، التقط سترته المحترقة، وجلس على الرصيف المقابل. أسند رأسه إلى كفيه وصمت، تتطاير حوله شرارات صغيرة من هيكل السيارة، كأنها بقايا حلم يحترق ببطء في الهواء.

على حافة الطريق..

قصة حب وخيانة قصيرة
قصة حب وخيانة قصيرة (2)

اقتربت منه ببطء وسألته: «الآن، ماذا تفعل هناك؟» لم يحرك شفتيه. وقفت في منتصف الطريق تلوح بذراعها للسيارات العابرة حتى توقفت أمامها مركبة فاخرة. خرج منها رجل في أواسط العمر، يرتدي بذلة لامعة وعطرًا نافذًا، اقترب منها وسألها عما حدث. تبادل الاثنان حديثًا قصيرًا بينما يقف هو بعيدًا، يراقب بصمت كأن عينيه تكتبان وداعًا لا يقال.

تقدم الرجل بفضول ليتفقد السيارة وقال بإعجاب ظاهر: «رولز رويس، أحدث طراز، يا للجمال!» ردت بصوت يحمل بقايا كبرياء: «تحفة هندسية، لكن الحظ عاندني اليوم». سألها بابتسامة جانبية: «هل كنتِ أنتِ التي تقود؟»

أجابت بخفة مصطنعة: «حدث كل شيء في لحظة، فقدت السيطرة فجأة، وانحرفت السيارة». قال الرجل بنبرة واثقة: «غريب، هذه السيارات لا تخطئ أبدًا». ردت عليه وهي ترفع ذقنها قليلاً: «خطئي أنني سمحت لسائق سيارات قديمة أن يلمس المقود».

قال بثقة مصطنعة: «غلطة فادحة».

قالت وهي تنظر إلى عينيه: «صحيح، هل بإمكانك مساعدتي؟»

أجابها بابتسامة مترددة: «هذه التحف تحتاج أيادي خبيرة، اتصلي بميكانيكي، دعيني أوصلك إلى منزلك أولاً».

أومأت برأسها قائلة: «أقدر لطفك».

صعدت إلى جانبه وغادرت المكان بهدوء، تبتعد شيئًا فشيئًا عن دخان الحريق وعن الرجل الجالس على الرصيف. ظل يحدق في أثرها وهي تغيب في المدى، أشعل سيجارته وسحب منها نفسًا عميقًا، ثم أطلق الدخان في وجه المساء. جلس على حافة الطريق، لا ينتظر شيئًا، سوى أن يبرد الرماد.

بقي وحده على الرصيف، الليل يهبط ببطء على المدينة، ينساب فوق الإسفلت مثل ظل ثقيل يبتلع كل الأصوات. تتناثر حوله بقايا الزجاج المحطم، وريح البحر تحمل رائحة البنزين المحترق. جلس محدقًا في الأفق البعيد، يطارد بعينيه أضواء السيارات التي تمضي واحدة تلو الأخرى، كما تمضي الأعمار بلا وداع.

آخر أوهام الحياة

لم يعد يسمع سوى خفقات قلبه، ولا يرى سوى صورتها وهي تغادر دون أن تلتفت. خُيّل إليه أن البحر أمامه يبتلع صوتها، وأن كل موجة تهمس باسمها ثم تمحوه في اللحظة نفسها. التقط سيجارته من بين أصابعه، تأمل الدخان المتصاعد منها كما لو كان يراقب ما تبقى من نفسه، وقال في صمت موجوع: «كم هو قاس أن تشتعل النار في قلب امرأة، فلا تحترق إلا الأشياء».

تسلل ضوء سيارة الإسعاف إلى عينيه، وارتفعت صفارتها في المكان، غير أنه لم يتحرك. اقترب أحد رجال الشرطة وسأله: «هل أنت بخير؟» أجاب بهدوء غريب: «أنا فقط كنت أحاول إخماد الحريق». لم يسأله الشرطي أي شيء آخر، تركه وغادر.

وقف على قدميه أخيرًا، تطلع إلى السيارة التي تحولت إلى كتلة سوداء من المعدن المحترق، كأنها مرآة لما تبقى من روحه. ابتسم ابتسامة شاحبة، ألقى عقب سيجارته في الحطام، ومضى في الطريق الخالي. كان يسير بلا وجهة، بينما تتناوب الأضواء على وجهه كأنها ومضات من ماضي بعيد يحاول أن يتشبث بالحياة.

في تلك اللحظة، أدرك أنه لم يفقد امرأة ثرية، بل خسر آخر وهم كان يمنحه الإحساس بأنه ما زال حيًّا. كان الليل يبتلعه بهدوء، والبحر في الخلفية يواصل صمته الأبدي، كأنه يعرف كل الحكايات ولا يريد أن يروي شيئًا منها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حين اختفى ظلها في البعيد، شعر أن كل ما حوله تحول إلى رماد. لم يبقَ من قصة الحب والخيانة (2) سوى دخان يتلاشى في هواء بارد لا يرحم. جلس يراقب احتراق السيارة كما يراقب احتراق نفسه، وأدرك متأخرًا أن بعض الخيانات لا تحتاج إلى خائن، يكفي أن يموت الإحساس في قلب واحد لتكتمل الخيانة.

لم تكن النهاية عادلة، لكنها كانت حقيقية. في هذه التكملة لقصة حب وخيانة قصيرة، نتعلّم أن بعض الفرص لا تضيع دفعة واحدة، بل تُهدر ببطء… حتى لا يبقى منها سوى الندم.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

‫2 تعليقات

  1. قصة جميلة ومعبرة واللغة جميلة
    الانسان لا يملأ عينه شيء إلا من رحم ربي
    تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!