قصص قصيرة

قصة قصيرة عن أغرب جريمة (2): المهمة المقدسة

الجزء الثاني من قصة قصيرة عن أغرب جريمة: المهمة المقدسة يكشف لنا ما كان وراء هذه الجرائم الغامضة، حيث يتتبع القارئ مسار التحقيق في حوادث متوالية تحمل نفس العلامات، ويتعمّق في مذكرات رجلٍ حطّم حواجز الأخلاق ليبرّر أفعاله بأنها “مهمة مقدسة”. هذا الجزء يجمع بين التحليل النفسي والأحداث الوحشية التي تُظهر الجانب المظلم للفطرة البشرية.

حين تمطر السماء في المساء، يظن الناس أن المطر يطهر الأرض من شوائبها، لكن هناك من يرى فيه نذيرًا خفيًّا يغسل ما تبقى من ضميره. في تلك الليلة، سار البروفسور في الشوارع المبللة، متأملاً قطرات المطر كمن يقرأ نبوءة مكتوبة على صفحة الكون. لم يكن يدري أن خطاه تقوده إلى بداية قصة قصيرة عن أغرب جريمة (2) ستعيد تعريف الخوف والموت والإنسان.

إذا لم تكن قرأت الجزء الأول من القصة يمكنك قراءته عبر هذا الرابط: قصة قصيرة عن أغرب جريمة (1): المهمة المقدسة..

التحرر من ثقل العالم

جلس الرجل الوقور في زاوية المقهى، تحيط به سكينة ثقيلة تكاد تسمع أنفاسها. بدا ساكنًا إلى حد مربك، يحدق في فراغ بعيد كأن عينيه تبحران في مدى لا نهاية له. لف جسده بمعطف داكن، وأمسك بسيجارته، ينفث دخانها في خطوط متقطعة تتلاشى في الهواء كأنها أفكار تتفلت من قبضته. لم يصدر صوتًا، ولم يلتفت إلى أحد، كأن العالم كله غادر المقهى وتركه وحيدًا في صمته.

أنهى البروفسور يومه الجامعي بهدوء روتيني، ثم حمل حقيبته واتجه إلى الخارج. اختار المشي رغم المطر الغزير، يستنشق نكهة الهواء الرطب ويترك قطراته تلامس وجهه. الطريق خال إلا من ضوء أصفر وامض يتراقص فوق الأرصفة، والرعد يقرع السماء بعنف متتابع كأنها تضرب طبولها فوق المدينة. أحس أنه يتحرر من ثقل العالم، يبتعد عن صخب العقول والمال والجدل، ويقترب من الطبيعة في لحظة صفاء تشبه خلوة العارف بنفسه.

اندفعت سيارة مسرعة نحو المنعطف، اقتربت حتى كادت أن تمحو جسده من الوجود، لكنها انحرفت فجأة، وتوقفت على بعد خطوة من جسده. فتح الباب رجل مفزوع يسأله عن حاله، لكن البروفسور لم يرد. اكتفى بالنظر إلى السائق نظرة باردة غامضة، ثم تابع سيره كأن الحادث لم يقع.

الخروج من قبضة الهاوية

قصة قصيرة عن أغرب جريمة (2)
قصة قصيرة عن أغرب جريمة (2)

دخل منزله الهادئ عند أطراف المدينة، خلع ملابسه المبتلة واستبدلها برداء دافئ، ثم جلس أمام طاولته يتناول طعامه ببطء. بعد العشاء، انتقل إلى مكتبه العريق، أضاء المصباح، وسحب دفتر مذكراته الجلدي. انحنى فوقه وبدأ يسطر كلمات متلاحقة تتقافز من أعماقه، كل جملة تفتح بابًا نحو سؤال واحد لا يفارقه: الموت. كتب بخط مضطرب متقطع:

لماذا يخيفني الموت؟ كنت على وشك أن أذوقه هذه الليلة، ومع ذلك أنا هنا. لماذا نجوت؟ هل الموت يتعمد الدوران حولي ليذكرني بعجز الإنسان أمامه؟

ترك القلم في مكانه، وأغلق الدفتر ببطء كمن يطوي صفحة من نفسه. خفتت الإضاءة شيئًا فشيئًا، وارتدى ثياب نومه ثم ارتمى فوق الفراش. لم يطل به الأرق، فغفا سريعًا، غير أن النوم لم يمنحه سلامًا.

في الحلم رأى جسده يتهاوى من علو شاهق، يسقط في فضاء لا قاع له، تتسارع أنفاسه، يتقلب في هواء بارد لا يحمل سوى صوت الريح وهي تصرخ. امتدت يداه بحثًا عن شيء يمسك به، لكن الفراغ ابتلعه، واستيقظ فجأة، يلهث كمن خرج لتوه من قبضة الهاوية.

على حافة الحياة

جرائم القتل
حكايات عن جرائم القتل

ترنح البروفسور في طريق عودته من الجامعة، أحاط به دوار مباغت فاستسلم لجسده المنهك وسقط على الرصيف. هرع بعض المارة، ونقلوه إلى المستشفى الجامعي حيث تمدد على سرير تحيط به رائحة المعقمات وهدير الأجهزة. كان وجهه شاحبًا كصفحة ورق أرهقها الحبر، وعيناه تغوران في محجرين أنهكهما السهر والتفكير. اقترب الطبيب المشرف عليه، وتحدث إليه بنبرة هادئة لكنها محملة بالتحذير، مؤكدًا أن الإجهاد الذهني قد يفتك بما تبقى من قواه، وأن مرضه الخبيث يترصده عند كل تجاوز جديد. أوصاه براحة طويلة إن أراد أن يمنح نفسه وقتًا إضافيًا على حافة الحياة.

غادر المستشفى بعد ساعات قليلة، وركب سيارة الأجرة في صمت مفعم بتأمل ثقيل. حين وصل إلى منزله، خلع معطفه المبتل، واتجه إلى غرفة المعيشة. جلس أمام التلفاز يتنقل بين القنوات بعين زائغة تبحث عن انفعال يعيد إليه شيئاً من النبض، حتى وجد ما يُرضي غريزته الخفية: فيلم رعب جديد. استسلم للشاشة، يتابع القتل والدماء والمطاردات، وجسده يرتجف بين الحين والآخر بنشوة صامتة لا تخلو من افتتان خفي. وحين انقضت نهاية الفيلم، نهض متثاقلاً إلى مكتبه، سحب مذكراته، وكتب بخط حاد متقطع يشي باضطراب داخلي عميق:

ما سر المتعة التي تنتابني حين أرى الدم يُسفك؟ لماذا أشعر بالراحة وأنا أشاهد الرعب يعم الشاشة؟ أأنا الذي يقترب من الموت، أم الموت هو الذي يدور في فلكي؟ لا جواب حتى الآن… كلما فكرت، ازداد الغموض كثافة..

انقطع تيار التفكير فجأة على مواء قطه الرمادي، ذاك الذي اعتاد التسلل إلى جواره وقت الكتابة. علت على ملامحه سحابة ضيق حاد. نهض بغتة، قبض على الحيوان الأليف بيد قاسية، وضغط على عنقه حتى خمد صوته في الهواء. فتح النافذة، ألقى جسد الحيوان الصغير إلى الخارج دون أن يلتفت. ثم عاد إلى فراشه. تمدد كأنما أفرغ شيئًا من صدره، وغمرته نشوة غريبة تمتزج بين راحة آثمة وإحساس لاذع بالسلطة، وكأن الموت نفسه ألقى عليه تحيته الأولى.

نشوة غامضة

قصص الجرائم الغامضة
قصة قصيرة عن أغرب جريمة (2)

جلس البروفسور مساء اليوم التالي أمام شاشة الحاسب الآلي وبدأ يلعب لعبة فيديو من ذلك النوع الشهير.. عالم يحكمه هدف الوصول إلى موقع محدد مع الحفاظ على الحياة، وخيارات عنف مفتوحة تجاه أي شخصية تظهر في المشهد. تخلى عن المهمة المرسومة في اللعبة، استهدف كل شخص بدا له استفزازي بحضوره الافتراضي، صرخات إلكترونية وانقضاضات افتراضية قابلتها ضحكة ماجنة ارتسمت على شفتيه. ضحكة خرجت من عمق غريب في روحه، دفعت حركاته إلى نوع من اللذة الخشنة.

انتهى اللعب وسار إلى دفتر المذكرات، دون هناك أسئلة تحير ضميره: لماذا تثيرنا مشاهد العنف وتمنح القلب نشوة؟ لماذا يتحول حضور الرعب إلى رغبة في إيقاع الأذى بمن يقف أمامنا على الشاشة؟ لماذا يجهد العقل في صناعة أعذار للفعل؟ هل تظهر الشخصيات على الشاشة كرسوم إلكترونية بلا روح أم تخلّف الشاشة فجوة بين الفعل والضمير؟ حمل السؤال إلى عالم الواقع: هل تتولد في النفوس فكرة دفع أحد من علو شاهق؟ أي دور تلعبه احتمالات العواقب في كبح الفعل أو تحفيزه؟ إن غابت العواقب، هل يتحول الفعل إلى متعة مشروعة داخل نفسية معطلة؟ يكتب أخيرًا أن تجربة مقبلة ستمنح إضاءة أعمق عن هذه الظلال.

أغلق المذكرات واتجه إلى الفراش طالبًا قسطًا من الراحة، ترك في صدره نشوة غامضة ومخاوف تئن تحت الجلد.

استكشاف الوجود المقدس

أفكار عن الموت
فلسفة الموت

عجزت الشرطة عن فك شيفرة تلك الجثث المتوالية، جثث دائمًا مدفونة وفي أحشائها قطعة قماش تحمل عبارة «المهمة المقدسة». تحولت الجرائم إلى حديث المدينة بأسرها. احتلت صفحات الصحف وأحاديث المقاهي. واشتعلت الألسنة بالافتراضات والتخمينات حتى صار الانتظار مشهدًا جماعيًا يترقب نهاية لعصر من الرعب.

حل اليوم المنتظر حين تغيّب البروفسور عن الجامعة لأيام متتالية، فانتاب العاملين لديه قلق عميق، فاتجهوا إلى منزله للاطمئنان. طرقوا الباب مرارًا فلم يجدوا ردًا، فكروا في الاقتحام، ودلفوا إلى الداخل، فكان الجسد ملقى على الأرض بوجه شاحب أنهى رحلة الفخر والتبجح. أبلغوا الشرطة فورًا، فتوافدت الفرق ونقلت الجثة إلى مشرحة المدينة لإتمام فحص السبب.

شرع الطبيب في التشريح فاكتشف داخل المعدة أوراقًا صغيرة ملفوفة بكيس، فسحبها ورفع جزءً منها تحت الميكروسكوب، فتبدّى النص مكتوبًا بحبر ينهل من فكر محموم:

شرعت في تجربة غامضة فأحسست بعظمة تطوف بي فوق توافه الأمور. شعور مهيب ومبهج أتاح لي نافذة على عالم بشري بائس. جعلت القتل وسيلة سامية في سعيي لاستكشاف الوجود المقدس لذلك الملعون المسمّى إنسانًا. قضيتي كانت فهم الموت وفك شيفرة ضعف الإنسان أمامه. وجدت أن الطريق يمر عبر أن أحيا الموت، وأن المبشر يجب أن يضحي بنفسه كي ينجز المهمة المقدسة..

قرأ الطبيب الصفحات ثم جثم الصمت على الحجرة، تلاشى الضجيج حوله وحضرت الكلمات كأنها وصية تختزل ميثولوجيا قاتل اعتنق منطق التضحية. انتهت المعلومة الأولى، وبدأت أبواب التحقيق تُفتح على تساؤلات جديدة أعمق. أسئلة تدفع المدينة بأكملها نحو مواجهة مرعبة مع معنى العنف والطقس والقداسة المعلنة.

ما قبل النهاية

قصة قصيرة عن أغرب جريمة (2)
قصة قصيرة عن أغرب جريمة (2)

عادت فرق التحقيق إلى منزل البروفسور، تفحصت دفاتره حتى قصرت الأنفاس عند آخر سطر خطه قبل الرحيل. وجدت في المذكرات فصلاً يحكيه صوت بارد يعلن عن قرار اتُخذ بحزم مطبق:

اتخذت قرارًا باستكمال مهمتي المقدسة. أحضرت شابة تعمل في سوق الليل إلى البيت، طلتها جميلة وملامحها نقية، وجسدها الغض منحها حضورًا يخطف الأنظار. منحتها مالاً وفيرًا فقبلت شروط اللقاء. أبقيت مسافة واضحة بين جسدها وجسدي، حافظت على مشهدها عاريًا أمامي بغير اقتراف علاقة جسدية، وأمعنت النظر في لحظة الصمت التي تسبق النهاية.

أحكمت قبضتي على عنقها، ووجهت إليها صفعات قاسية أجبرتها على الاستلقاء مضطجعة بلا وعي. ساد الهدوء لحظات تشبه الخلود، وشرعت في أداء ما خُطط له من إجراءات ببرود متجرد. نظفت الجسد بعناية متأنية، لففته بكيس أسود محكم، حملته إلى القبو، ثم إلى صندوق السيارة، واتجهت إلى الغابة. حفرت لها حفرة تليق بطقوس أعتبرها عالية المقام، دفنتها هناك بقلب مطمئن متيقن من بلوغ غايتي.

شعرت بعناية سامية تقودني، واعتبرت القتل وسيلة لتنقية بحثي عن وجود أعلى. جعلت من نفسي مبشّرًا يضحي بحضوره الجسدي في سبيل هدف أطلقت عليه مهمة مقدسة.

ختمت الصفحة وكأن النهاية تمنح الفعل طقسه المكتمل، وترك القلم يسقط بصمت يشبه أنين الأرض على جسد الضحية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هدأت المدينة بعد العاصفة، وتوارت آثار الجريمة تحت الطين، لكن الذاكرة لم تهدأ. في المشرحة القديمة، ظل الضوء الخافت يرتجف فوق طاولة التشريح كأنه يئن من ثقل الأسرار. لم يعرف أحد إن كانت تلك الجثث قد سكنت حقًا أم أن شيئًا منها ما زال يراقب في صمت خلف الزجاج. وحده صدى المذكرات بقي شاهدًا على المهمة التي ابتلعت صاحبها، ووعدت باستمرار ما بدأه.

ربما انتهت الحكاية عند جثة البروفسور، وربما بدأت هناك. فكل من قرأها شعر بشيء يتململ في داخله، كأن صدى اللعنة ما زال يعبر الورق. هكذا تطوى الصفحات، وتبقى الهمهمة الأخيرة تقول: ما جرى لم يكن سوى فصل من قصة قصيرة عن أغرب جريمة (2) لم يُكشف لغزها بعد.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!