قصص قصيرة

قصة قصيرة من وحي الخيال (2): نهاية بلا بداية

هذا هو الجزء الثاني من قصة قصيرة من وحي الخيال لاستكمال ما بدأه الجزء الأول، حيث تتسارع الأحداث وتتحول الشكوك إلى وقائع. هنا لم تعد المصادفة بريئة، ولم يعد الهروب ممكنًا، فكل قرار سابق يفرض نتيجته، وكل خطوة تقود إلى مواجهة لا مفر منها.

يتسلل الليل إلى الأزقة كروح تبحث عن مأوى، وتتعالى الأصوات من أعماق المدينة كهمسات من زمن مفقود. يسير الرجل تحت المطر، يحمل في جيبه ظل يوم لم يكتمل. تنحني الأرصفة تحت قدميه كذاكرة ثقيلة، ويتغير وجه الليل كلما فكر في الهروب. داخل مطعم ما، تشتعل قصة لا يعرف أحد متى بدأت، ولا من كتب سطورها الأولى.. دعونا نستكمل الجزء الثاني من قصة قصيرة من وحي الخيال (2)، تفتح بابها على مصادفة تشبه القدر، وتمضي بلا وجهة.

إذا لم تكن قرأت الجزء الأول من هذه القصة يمكنك قراءتها عبر هذا الرابط: قصة قصيرة من وحي الخيال (1): نهاية بلا بداية..

البحث عن مخرج

انكمش الزمن حوله، وتحولت اللحظات إلى دوامة من الذهول. ظل واقفًا أمام الجسد الصامت، يطارد أنفاسًا انطفأت منذ حين، يتلمس نبضًا مفقودًا في معصم بارد كالحجر. تدفقت في رأسه أسئلة تنساب بلا ترتيب، تتدافع كطيور مذعورة تبحث عن مخرج من قفص مغلق. انحنى فوقها مرة أخيرة، أرهف السمع لعل قلبها يعلن تمرده الأخير، فواجهه الصمت وحده. تراجع بخطوات مرتجفة، ثم انطلق نحو الباب كأن الجدران تطارده. خرج إلى الشارع، ينظر حوله بعيون متوجسة، يلتقط أنفاسه في فزع محتدم.

تأمّل الأزقة الخالية، تلمس الطريق بحذر، ورغبة جامحة في محو أثر وجوده من هذا المكان. انطلقت قدماه نحو محطة القطار في اندفاع أعمى، تلاحقه أنفاس المطر الأول. تلبدت السماء فوقه، وانهالت قطراتها تغسل المدينة كما لو كانت تشهد على خطيئته. وصل إلى المحطة يلهث، أدخل يده في جيبه باحثًا عن محفظته، فلم يعثر على شيء. ومض في ذهنه وجه الرجل الغريب الذي شاركه المقعد في الحافلة، ذلك الذي لم يهدأ له جسد. أدرك في لحظة خاطفة أن السرقة قد جرت بمهارة بارعة.

غريق ينتظر الخلاص

نقّب في جيوبه مرة أخرى حتى جمع حفنة من العملات المعدنية، دفعها إلى عامل التذاكر، ينتظر خلاصه كالغريق. رفع العامل رأسه بعد أن عدّ النقود، وقال بهدوء جامد إن تعريفة الركوب تغيّرت منذ منتصف الليل، وإن المبلغ لا يكفي لرحلة العودة. نظر مراد إلى الساعة المعلّقة فوق الشباك، رآها تشير إلى الواحدة والنصف، فاشتعل الغضب في عينيه. قال بصوت متهدج يفيض بالضيق إنه لا يملك سوى تلك العملات ويريد فقط أن يعود إلى بيته. أجابه العامل بلطف خال من أي حيلة، مؤكدًا أن الأمر خارج إرادته.

انفجر صوته في القاعة، يصرخ مطالِبًا بمروره، يضرب بيده على الزجاج حتى ارتج المكان. أغلق العامل الشباك في وجهه، تاركًا خلفه رجلاً يغلي بالغضب واليأس. التفت حوله يبحث عن مخرج خفي، فرأى الحواجز الحديدية التي تفصل الراغبين في الرحيل عن قطاراتهم. ارتفع الأدرينالين في دمه، وقفز من فوقها دون تردد. ما إن استقامت قدماه على الأرض حتى سمع صوتًا غليظًا يناديه من الخلف. التفت فشاهد الحارس يركض نحوه بعزم غاضب. انطلق يعدو بكل ما تبقى فيه من طاقة، يلهث عبر البوابة، يقتحم الشارع من جديد، والمطر يتكاثر فوق رأسه كأنه يلاحقه بشهادة السماء على ما ارتكب.

عرض لا يمكن رفضه

حكاية من الخيال
قصة قصيرة خيالية

بحث عن ملجأ من مطر غزير يقطع الطريق، فتبدى له مطعم أبوابه مشرعة في ساعة متأخرة. دخل المكان بدعاء خافت، تقدمت نادلة تسأل عن طلبه، فأجابها بلطف أن جيوبه خالية، وطلب فرصة للانتظار حتى يخف المطر. تنفست النادلة رفقًا به، وابتعدت لتؤدي عملها.

أشعل سيجارته ببطء، وتناثر الدخان في الهواء بينما تتهافت الأفكار حوله، تلتف حول غموض تلك الليلة وسؤال سخرية الأقدار الذي لا يفارق ذهنه. قاطع صاحب المطعم تأمله عندما جلس أمامه بهدوء مفاجئ، وسأل إن كان طلب شيئًا. أجاب ببرود متعب بأن حافظة نقوده اختفت وأن رغبته الوحيدة هي العودة إلى المنزل، وأن بعض القطع المعدنية لم تكفِ ثمن التذكرة.

ابتسم صاحب المطعم ابتسامة تحمل ثمنَ صفقة مقبلة، عرض عليه سلفة تساوي ثمن التذكرة مقابل خدمة يقوم بها لاحقًا. وافقه دون تردد، قال له الرجل إن هناك عملية بسيطة تنتظره: سيسلمَه مفتاح شقته ويمنحه العنوان، سيدخل إلى غرفة النوم، سيجد صوانة جوار الفراش، وسينبش داخلها عن مسدس ويحضره. ارتعش بدنه عند سماعه كلمة مسدس، ثم صرخ متفاجئًا من الرمز الذي حمله العرض.

طمأنه صاحب المطعم بكلمات واثقة: اطمئن، السلاح مرخّص لحماية المكان خلال الساعات المتأخرة، ونحن هنا نحرص على أمن النادلة التي تعمل بمفردها. سأله مراد عن سبب عدم إحضار المسدس بنفسه، فأخبره الرجل بأن غيابه عن المطعم في تلك الساعة قد يترك النادلة في موقف لا تُحسن فيه التصرف. ثم وضع مفتاح الشقة على الطاولة كأنه دعوة لا رجعة فيها، وارتسمت في قلبه ملامح قرار يتشكل بين الرغبة والحذر.

غريب في مكان غريب

قصة قصيرة من وحي الخيال (2)
قصة قصيرة من الخيال

أمسك المفتاح الملقى على الطاولة، وضعه في جيبه وهم بالرحيل، فاستوقفه صاحب المطعم بابتسامة مريبة تشوبها الحيطة، وسأله عن ضمان يمنعه من الهرب بالمفتاح والمسدس معًا. تردد مراد لحظة قصيرة، ثم أخرج مفتاح شقته من جيبه ومده إليه قائلاً بصوت مفعم بالثقة المرهقة: هذا عنوان منزلي.. وهذا هو المفتاح احتفظ به حتى أعود، فاللص لا يترك بيته رهينة في يد غيره.

غادر المكان وقد تجمعت فوق رأسه غيوم المطر والقلق. سلك الطريق نحو العنوان الذي حفظه عن ظهر قلب. وصل إلى البناية القديمة، صعد الدرجات الخشبية التي تُصدر أنينًا مع كل خطوة. دخل الشقة بمفتاح غريب بين يديه. استقبلته رائحة الغبار والعزلة. في غرفة النوم عثر على الصوانة قرب الفراش، فتحها في بطء وتردد مشوب بالفضول. لمّا لمح المسدس يلمع في العتمة، جلس للحظات يتأمل مظهره، لامس زناده بخفة مراهقة في الخطر، ثم نهض حاملاً الأمانة، عازمًا على تسليمها لصاحبها قبل أن تتعقد الأمور أكثر.

سارق خسيس

عاد إلى المطعم بعد مسيرة طويلة تحت المطر، غير أنه وجد أبواب المطعم مغلقة والأنوار منطفئة. وقف مشدوهًا أمام الواجهة، يفكر في مصير المهمة. بعد لحظات قليلة ظهرت النادلة، كأنها خرجت من ضباب كثيف. أخبرته أن الدوام انتهى، وأن صاحب المطعم غادر لقضاء أمر طارئ، ثم عرضت عليه أن ينتظر انتهاء المطر في غرفتها المطلة على الساحة الخلفية. تردد قليلاً ثم قبل عرضها بحذر لا يخلو من الاضطراب. جلس في توتر، يتابع خيوط المطر على الزجاج حتى سمع صرير باب المطعم يُفتح من جديد.

نهض مسرعًا، ونظر من النافذة، فرأى صاحب المطعم يعود. هبط السلالم بخفة متلهفة، سلّمه المسدس كما وعد، ومد يده لردّ مفتاح شقته. ابتسم الرجل وبدأ يفتش في جيبه عن المال المتفق عليه. في تلك اللحظة انشق الهواء بصوت مرتجف، صراخ يعلو من نافذة الغرفة فوقهما، صوت النادلة يدوي في الشارع: أيها الرجل، إنك لسارق خسيس!

ليل بلا نهاية

قصة قصيرة من وحي الخيال (2)
قصة قصيرة من وحي الخيال (2)

تجمدت ملامحه للحظة واحدة، ثم اندفع يعدو بكل ما بقي فيه من طاقة. لم يلتفت وراءه، أدرك أن أي تبرير قد يجره إلى الهاوية. تخيل العيون التي ستتجه إليه، الأسئلة التي ستنبش ماضيه، والدم الذي سيتسرب من الحكاية الأولى في هذه الليلة. ركض في الأزقة المبتلة، المطر يلاحقه، والخوف يتكاثر في صدره حتى صار له صوت. حاول صاحب المطعم اللحاق به، لكنه ما لبث أن توقف وقد أنهكه الجهد، بينما كانت خطوات مراد تتلاشى في عمق المدينة، تبتلعها العتمة كأنها تطوي سطره من الحكاية.

تثاقل في مشيته، يتهاوى تحت وطأة التعب كمن يسير بلا جهة. جاب الشوارع تائهًا بين الأزقة، يتأمل النوافذ المضيئة كأنها نجوم بعيدة لا تطاله، يتتبع الظلال التي تمتد فوق الجدران المبللة بالمطر. لم يعد يحصي الزمن، اختلطت الساعات في رأسه، وغدا الليل بلا نهاية. عند منعطف ضيق لمح مسجدًا شامخًا يضيء عتمة المكان بأنوار وادعة، بابه مفتوح ينتظر الفجر. انقاد نحوه كما يساق الموج إلى الساحل، عبر العتبة دون وعي، وارتمى على سجادة دافئة تفوح منها رائحة الطمأنينة. أسند ظهره إلى الجدار، رفع رأسه قليلاً، وأغمض عينيه تاركًا أنفاسه تسكن. تسلل إليه سكون غريب، كأن الليل ألقى عليه برده الأخير.

تسرب صوت عبر الصمت، صوت رخيم يشق السكون بقوله: “لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين”.. فتح عينيه ببطء يبحث عن مصدر النداء، فرأى شيخًا مهيبًا يقترب بخطوات مطمئنة، يضيء وجهه لحاء الزمن، وتنساب من لحيته البيضاء مهابة السنين. قال بصوت رقيق كنسيم الفجر: كلنا نظلم أنفسنا يا بني، حتى الذي نادى بهذا الدعاء من بطن الحوت، ما كان إلا من الظالمين.

كابوس مظلم

غمره شعور بالسكينة، كأن الكلمات غسلت شيئًا أثقل صدره. رفع بصره نحو الشيخ، طلب منه عونًا يعينه على العودة إلى بيته، فمد الرجل يده في صمت كريم وأعطاه ما استطاع. أدى صلاة الفجر بجانبه، ثم نهض يشكره بخشوع صادق، وخرج من المسجد والسماء تبتسم بولادة الصباح.

استقل الحافلة، وترك عينيه على زجاجها، يشاهد المدينة تستيقظ ببطء من تحت الغيم. دخل منزله مع أول ضوء، ألقى بجسده المنهك على الأريكة، غفا في نوم عميق بلا أحلام. لكن الصمت لم يدم طويلاً. دوى طرق عنيف على الباب أيقظه من غفوته، قام مترنحًا، وفتح الباب، فاستقبلته وجوه صارمة وعيون تحمل القانون في نظراتها. قال الضابط بصوت لا يقبل الالتباس: أنت متهم بجريمة قتل، وبصماتك وجدت على المسدس الذي بجوار القتيلة.

انكمش وجهه، وانفرط لونه، واهتزت الأرض تحت قدميه. حاول الكلام، غير أن الكلمات سقطت من فمه قبل أن تكتمل. التفتت عيناه في الفراغ كمن يبحث عن مخرج من كابوس لا يستفيق منه، ثم خارت قواه وسقط، جسده يلتصق بالأرض، وصوته الغائب يردد في مكان ما من داخله: “لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين”..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يتحول السؤال إلى مرآة تتكاثر فيها الوجوه، ويمتد الصدى في العدم كأن الحكاية لم تبدأ بعد. تتوارى الأقدار في سكونها، وتترك خلفها رجلاً لم يعد يعرف أكان يعيش أم يعاد تخليقه في ذاكرة أخرى. يتوقف الزمن في عينيه كمرآة مطفأة. وتتراءى الأصوات من بعيد كأنها تخرج من جوف الرواية التي لم يغلقها بعد. تمتد الأيدي نحوه، ويبتسم بملامح خافتة لا تحمل خوفًا ولا ندمًا. في مكان ما، يسقط المفتاح الأخير، وتغلق الأبواب جميعها إلا باب الحكاية. قصة قصيرة من وحي الخيال (2)، تُسدل ستارها لتترك السؤال حيًّا كنبض لا ينتهي.

بهذا تنتهي القصة القصيرة من وحي الخيال، بعد أن تكشفت خيوطها واحدة تلو الأخرى. نهاية تترك أثرًا نفسيًا عميقًا، وتطرح سؤالًا صامتًا حول المصير، والاختيارات، وحدود السيطرة على ما نعتقد أنه تحت أيدينا. قصة لا تنتهي عند آخر سطر، بل تمتد في ذهن القارئ طويلًا بعد القراءة.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!