علوم

مملكة الفطريات: العالم المخفي تحت أقدامنا

حين نخطو على الأرض، نمر فوق عالم نابض لا نراه، يتسلل في الشقوق، وينمو في الظلال، ويتنفس في صمت. عالم الفطريات، ذلك الكائن الذي لا هو نبات ولا حيوان، يشكل سرًا حيًا يتغلغل في غذائنا، ودوائنا، وبيئتنا. إنها مملكة منسية، لكنها أساسية لبقاء الحياة. تمتد جذورها في التاريخ، وتفرض حضورها في المستقبل. في هذا المقال، سنغوص في مملكة الفطريات، من الأشنات التي تصارع الجليد إلى المضادات الحيوية التي تنقذ الأرواح، ومن الأساطير التي تضلل إلى الحقائق التي تضيء.

مملكة الفطريات

الفطريات ليست حيوانات ولا نباتات، بل شكلاً من أشكال الحياة التي تتدخل، وبطريقة شبه خفية، في عدد هائل من جوانب الحياة اليومية للإنسان. تتمثل تفاعلاتنا الأساسية مع عالم الفطريات في استخدامها كغذاء، أو في معاناتنا منها كآفات. يحظى الفطر الصالح للأكل بتقدير كبير في ثقافات متعددة؛ سواء “البوليتوس” في إسبانيا، أو “الشامبينون” في فرنسا، أو “الكمأة” في المطبخ الأوروبي، أو “الشيتاكي” في شرق آسيا. كما تستخدم الفطريات في إعداد أطعمة مثل المخمرات وملونات النبيذ والجبن وصلصة الصويا والخبز.

أما بصفتها آفات، فيمكن أن تضر بالمحاصيل أو تهاجمنا نحن وحيواناتنا. ومن بين أكثر هذه العدوى شيوعًا، والتي تعرف باسم “الفطريات الجلدية” أو “الفطريات الممرضة”، نجد قدم الرياضي، وداء المبيضات (المهبلي والفموي)، والتهاب أظافر القدم أو ما يعرف بـ “فطريات الأظافر”..

ولكن، بعيدًا عن هذه الحالات وبعيدًا عن المعرفة المتخصصة، لا تزال الفطريات غير معروفة إلى حد كبير. ومن المدهش أن نعلم أنها تمثل مملكة كاملة من ممالك الحياة، تمامًا كما هو الحال مع ممالك الحيوان، والنبات، والطلائعيات (كالطحالب والأوليات)، والبكتيريا، والعتائق. أي أن الفطريات ليست نباتات، بل شكل مختلف تمامًا من أشكال الحياة.

الفطريات بين النبات والحيوان

ملخص مملكة الفطريات
تنوع مملكة الفطريات

تنتج النباتات غذاءها بنفسها عبر استخدام طاقة الشمس في عملية البناء الضوئي، لتكوين الماء وثاني أكسيد الكربون والمغذيات من التربة. أما الفطريات، مثلها مثل الحيوانات، تستهلك الغذاء الجاهز، سواء كان مصدره النباتات مباشرة أو أنسجة حيوانية، ولا تقوم بعملية البناء الضوئي.

إضافة إلى ذلك، فإن جدران الخلايا النباتية تتكون من السليلوز، وهو عديد السكاريد نجده في الخشب ومنتجات مثل الورق.. بينما تتكون جدران خلايا الفطريات من الكيتين، وهو عديد السكاريد لا يوجد في العالم النباتي، بل في عالم الحيوان، كمكون أساسي للهيكل الخارجي للحشرات والقشريات مثل الجمبري. وأخيرًا، تخزن النباتات طاقتها على شكل نشا، بينما تخزن الفطريات طاقتها على شكل “تريهالوز”، تمامًا كما تفعل الحيوانات.

ما هي الفطريات حقًا؟

ما هي مملكة الفطريات؟
تعريف الفطريات

تعد الفطريات شكلاً من أشكال الحياة يقع بين الحيواني والنباتي. ويقدر أنها ظهرت قبل نحو 1.5 مليار سنة.. على الرغم من أن أقدم أحافير فطرية تعود فقط إلى ما بين 500 و600 مليون سنة مضت. ويعزى ذلك جزئيًا إلى سهولة تحلل أجسام الفطريات الكبيرة.. وكذلك إلى الشبه الكبير بين الفطريات المجهرية وكائنات أخرى.

مملكة الفطريات سواء أكانت مجهرية أم مرئية بالعين المجردة، هي كائنات خلوية بسيطة نسبيًا. ويعرف منها أكثر من 100,000 نوع. ونظرًا لأن جميع الفطريات بحاجة إلى غذاء جاهز للبقاء على قيد الحياة، فهي تلعب دورًا رئيسيًا في تحلل بقايا الكائنات الميتة، سواء النباتية أو الحيوانية. وتعد الفطريات من أعظم آليات إعادة التدوير في الطبيعة. حيث تأخذ المواد العضوية المتبقية وتعيدها إلى البيئة في صور يمكن للكائنات الأخرى الاستفادة منها.

جعلت هذه القدرة على تحليل المواد العضوية معظم النباتات تكون علاقات تكافلية (علاقات نفع متبادل) مع أنواع متعددة من الفطريات في جذورها، بحيث تساعدها هذه الفطريات على امتصاص المعادن والماء من التربة، مقابل حصول الفطريات على الكربوهيدرات اللازمة لتغذيتها.

أبطال البيئات المستحيلة

علم الأحياء الدقيقة
البيئات الصعبة التي تعيش فيها هذه الكائنات

يرتبط الفطر كثيرًا أيضًا بالطحالب أو بالبكتيريا الزرقاء، مشكلًا ما يعرف بالأشنات.. وهي كائنات قادرة على البقاء في بعضٍ من أكثر البيئات قسوة على كوكبنا: التندرة القطبية، والصحاري القاحلة، والسواحل الصخرية، وحتى أكوام الخبث الناتجة عن عمليات استخراج المعادن. وتعزى القدرة الهائلة للأشنات على الصمود إلى العلاقة التكافلية بين مكوناتها. إذ يقوم الفطر بحماية الطحالب أو البكتيريا من أشعة الشمس ومن الجفاف، مما يسمح لها بإجراء عملية البناء الضوئي وتوفير الغذاء للطرفين.

وبفضل هذه القدرة على التحمل، غالبًا ما تعد الأشنات الغذاء الوحيد المتاح في مناطق مثل التندرة. حيث تشكل نحو 90٪ من غذاء حيوانات الرنة والغزلان التي تقتات على الأشنات العالقة بالصخور تحت الثلج.

الفطريات السامة

ما هي الفطريات السامة؟
الفطريات السامة

ومن الضروري، لرسم صورة سريعة لهذا العالم المجهول، الإشارة إلى سمية العديد من الفطريات، وخاصةً الفطريات الكبيرة (التي تعرف بالـ “فطر” أو “الكمأة” أو “عيش الغراب”). إذ أن أكثر من 20 جنسًا وعددًا من الأنواع ضمنها يمكن أن تسبب اضطرابات خطيرة، رغم أن نحو 30 نوعًا فقط تعتبر شديدة السمية وقاتلة للإنسان أو للحيوانات التي تتغذى عليها. وتختلف أنواع السموم التي تحتويها الفطريات باختلاف الجغرافيا، ومن أخطرها سم “ألفا أمانيتين” الموجود في أكثر أنواع الفطر فتكًا والمعروف باسم “عيش الغراب القاتل” أو “الشوكران الأخضر”.

ترجع معظم حالات التسمم الناتجة عن تناول الفطر للجهل، والاستناد إلى خرافات في تحديد سمية الفطر، مثل الاعتقاد بأن وضع قطعة نقدية فضية في المقلاة مع الفطر سيؤدي إلى اسودادها إذا كان الفطر سامًا. ولا شيء يمكن أن يغني عن المعرفة الدقيقة بأنواع الفطر في منطقة معينة والاستعانة بعلم الفطريات، وهو الفرع العلمي المتخصص بدراسة مملكة الفطريات.

الاستخدامات العلاجية للفطريات

أما الأقل شيوعًا بين الناس هو إدراك مدى مساهمة مملكة الفطريات في الحفاظ على صحتنا أو استعادتها. فبعيدًا عن الاعتقادات الشعبية التي تنسب لبعض أنواع الفطر قدرات علاجية غير مثبتة، هناك عدد هائل من الأدوية الهامة المشتقة من الفطريات. يكفي أن نذكر البنسلين ومجموعة المضادات الحيوية التي تلت اكتشافه لندرك مدى أهمية الفطريات في الطب. علمًا أن البنسلين يستخلص من نفس نوع الفطر الذي يستخدم أيضًا في تحويل بعض أنواع الجبن إلى “الجبن الأزرق”.. حيث يمنحها فطر البنسليوم نكهتها المميزة، وحموضتها، وقوامها الخاص.

كما أن هناك أدوية مثبطة للمناعة تعد أساسية في عمليات زراعة الأعضاء، وأدوية خافضة للكوليسترول (كالستاتينات).. وبروتينات تنظم الاستجابة المناعية.. وعوامل مساعدة للمناعة – وكلها أمثلة على مشتقات فطرية. ويشارك الفطر أيضًا في مجالات واسعة من البحث البيولوجي والطبي، من بينها الأبحاث الرامية لمكافحة أنواع متعددة من السرطان.. وكذلك التجارب التي تسعى لعلاج بعض الاضطرابات النفسية من خلال أنواع فطر تحتوي على مركبات مهلوسة يعتقد أنها قد تلعب دورًا في العلاج النفسي.

الفطريات ليست مجرد كائنات خاملة أو طفيليات مزعجة، بل هي شبكة حياة معقدة، تشاركنا الأرض وتعيد تشكيلها بصمت. من المعالجة البيئية إلى الإمكانات العلاجية، من المعرفة القديمة إلى الاكتشافات الحديثة، ما زال الفطر يهمس لنا بأسرار لا تحصى. علينا فقط أن نصغي.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!