عصر النهضة: كيف نجت أوروبا من ظلام العصور الوسطى؟

You are currently viewing عصر النهضة: كيف نجت أوروبا من ظلام العصور الوسطى؟
أهم سمات وخصائص عصر النهضة الأوروبية

عصر النهضة هي فترة ازدهار ثقافي عظيم بدأ في شمال إيطاليا في أواخر القرن الرابع عشر وسرعان ما انتشر في جميع أنحاء أوروبا. استمرت هذه الفترة لما يقرب من ثلاثمائة عام، أخرجت فيها العديد من الاكتشافات العلمية، والأفكار الفلسفية والمشروعات الفنية العظيمة. في هذا المقال نخوض رحلة عبر مجاهل التاريخ للتعرف على عصر النهضة.

ما هو عصر النهضة؟

يعني عصر النهضة الولادة من جديد، ويقصد بها التطور الثقافي والعلمي والفني العظيم الذي حدث في أوروبا خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر. لكن أهم ما يميز تلك الفترة هي النزعة الإنسانية، حيث أصبح الإنسان مركز كل شيء. فخلال العصور الوسطى كانت جميع جوانب الحياة تُفسر طبقاً للحقيقة الإلهية. وكانت سلطة الكنيسة هي السائدة في ذلك الوقت. لكن بدأت هذه السلطة تتصدع رويداً رويداً بعد وفاة القديس توما الأكويني. ومنذ تلك اللحظة بدأت الفلسفة والعلم ينفصلان عن لاهوت الكنيسة. وهذا بدوره أدى إلى تحرر العقل الإنساني مما ساهم في قيام صحوة دينية جديدة أدت في النهاية إلى حركة الإصلاح الديني.


مقدمة تاريخية

في نهاية العصور الوسطى ظهرت ثلاث اختراعات كان لها أثر كبير على ظهور عصر النهضة هي البوصلة التي كانت عنصراً أساسياً في الرحلات الاستكشافية الكبرى، والسلاح الناري الذي منح الأوروبيون تفوقاً عسكرياً على الحضارات الأخرى، والاختراع الثالث هو اختراع المطبعة. وهذا الأخير ساهم في نشر الوعي والمعرفة والثقافة بين الناس والتي كانت تقتصر فيما سبق على رجال الكنيسة فحسب.

ظهور الطبقة الوسطى

أما بالنسبة للاقتصاد فلقد ازدهر هو الآخر عند طريق التحول من تبادل السلع إلى التعامل عبر النقود. وبدأ إنشاء المدن وانتعشت التجارة وتزايد الحرفيون المهرة في تلك الفترة مما أدى إلى ظهور طبقة جديدة ليست طبقة النبلاء أو الفقراء بل هي وسط بينهما. بمعنى ظهور الطبقة الوسطى التي استطاعت أن تجمع ثروات حررتها من الكدح من أجل الاحتياجات الأساسية. ثم بدأت الطبقة الوسطى الجديدة تنفصل عن سلطة الكنيسة ورجال الاقطاع.

مركزية الإنسان

كانت الأفكار الرئيسية لعصر النهضة تتمثل في مركزية الإنسان كما أشرنا مسبقاً. فلم يعد الإنسان من هذا المنظور مجرد كائن يحمل الخطيئة الأولى كما تعتقد الكنيسة بل كائن متفرد له قيمته وقدره. من هذه الأفكار بدأ تقديس نبوغ الإنسان وتمجيد العبقرية. لذا أصبح المثال الشائع لإنسان عصر النهضة هو ذلك النابغ العبقري الذي يهتم بجميع جوانب الحياة والفن والعلم والثقافة.

لم تعد فكرة وجود الإنسان على هذه الأرض هي عبادة الإله. وشعر الإنسان بقيمته مما أدى في النهاية إلى السعي لتطوره الشخصي واستغلال جميع إمكاناته ليحدث في النهاية ازدهار عظيم في جميع نواحي الحياة الثقافية والعلمية والفنية. فشعور الإنسان بأحقيته في الاستمتاع بالحياة وبوجوده على هذه الأرض جعله ينظر إلى العالم برؤية جديدة لا تقتصر على فكرة أن حياته الأرضية مجرد استعداد لحياته في ملكوت الرب. لكن هل صمتت الكنيسة والدولة على كل تلك الأمور؟ بالعكس لم تقف الكنيسة والدولة مكتوفة الأيدي تجاه من ينشرون هذه الأفكار وشرعت محاكم التفتيش المقدسة في زيادة المحاكمات والتعذيب واتهموا العديد من معتنقي هذه الأفكار بالهرطقة وأحرقوهم. وشهدت تلك الفترة حروباً دينية دموية وانتشرت الخرافات بين الناس. لكن مع ذلك ظهر عصر النهضة ليقضي على كل ذلك. ولعل أهم تميز به عصر النهضة هو استخدامه المنهج العلمي الجديد في التفكير.

اقرأ أيضًا: أسباب الثورة الفرنسية: التاريخ والتأثير والعواقب الرئيسية

خصائص عصر النهضة

تميز هذا العصر بعدد من الخصائص والسمات، ومن بين الخصائص الرئيسية لعصر النهضة:

تطور العلوم

امتاز عصر النهضة بالعديد من الاكتشافات العلمية ولعل أشهر هذه الاكتشافات هي مركزية الشمس. فلقد كان الاعتقاد السائد قبل ذلك أن الأرض هي مركز الكون. لكن جاء كوبرنيك وزعم أن الشمس ليست هي التي تدور حول الأرض بل العكس من ذلك فالأرض هي التي تدور حول الشمس. ومن هنا زعم أن الشمس هي مركز الكون، وعلى الرغم من سذاجة هذه الفكرة بالنسبة لنا في العصر الحديث إلا أنها كانت ثورية في العصر التي ظهرت فيه. فنحن نعلم جميعاً اليوم أن الشمس ليست سوى نجم من نجوم لا حصر لها، وأن كل النجوم في السماء المحيطة بنا لا تشكل سوى مجرة واحدة من مليارات المجرات في الكون.

ألهمت أفكار كوبرنيك العديد من العلماء الذين أتوا من بعده مثل كبلر وجاليليو جاليلي، واستطاع هؤلاء العلماء أن يستخدموا التليسكوب في مراقبة الأجرام السماوية ورصدوا فوهات القمر واكتشفوا عدد أقمار الكواكب ولعل أهم ما قدمه جاليليو جاليلي للعلم هو قانون القصور الذاتي الذي ينص على أن كل جسم يظل على حالته من سكون أو حركة ما لم تضطره قوة خارجية إلى تغيير حالته. ورغم بديهية هذه الملاحظة إلا أنها كانت إحدى الحجج الأساسية المعارضة لدوران الأرض حول محورها. بينما ساهم هذا الاكتشاف في ظهور أهم الاكتشافات العلمية بعد ذلك على يد عالم الفيزياء الإنجليزي إسحاق نيوتن وهي قوانين الجاذبية التي استطاع من خلالها تفسير دوران الكواكب والأجرام السماوية.

الإصلاح الديني

أدت الاكتشافات العلمية في عصر النهضة إلى انفصال العلم عن الدين. وأسفر عصر النهضة عن نوع جديد من التدين يقوم على الفردانية أو العلاقة الشخصية للفرد بالدين. بمعنى أبسط أصبحت العلاقة الشخصية بين الفرد والله أكثر أهمية من علاقة الفرد بالكنيسة. وتعد الصلاة الفردية أقرب مثال على هذه العلاقة الجديدة. ففي الكنيسة الكاثوليكية خلال العصور الوسطى كانت الطقوس والصلوات تقام باللغة اللاتينية وهي العمود الأساسي للقداس الديني، وكان الكهنة والرهبان هم وحدهم من يستطيع قراءة الكتاب المقدس، لكن في عصر النهضة واختراع المطبعة ترجم الكتاب المقدس إلى اللغات المختلفة مما سمح للجميع بقراءته. وهذه الخطوة كانت أولى الخطوات نحو الإصلاح الديني الذي قام به مارتن لوثر.

كان لوثر يعتقد أن الإنسان ليس بحاجة إلى وساطة الكنيسة ليحصل على الغفران. وبدأ في التشكيك في الكثير من التقاليد والمعتقدات والممارسات الراسخة التي كانت تقوم بها الكنيسة خلال العصور الوسطى. ومن هنا كانت رغبته قوية في العودة إلى أصول الديانة المسيحية على شكلها الأول والتي يعبر عنها الكتاب المقدس. وبدأت رحلته الأولى في ترجمة الكتاب المقدس إلى الألمانية ورأى لوثر أن بإمكان أي شخص يمكنه قراءة الكتاب المقدس أن يكون كاهناً. فليس هناك مكانة مميزة للكهنة على باقي البشر. كما اعتقد أن الطقوس والممارسات التي تقوم بها الكنيسة ليست مهمة للحصول على غفران الله والخلاص من الخطيئة، وأن الحصول على الخلاص لا يأت سوى بالإيمان فحسب.

فن عصر النهضة

ظهرت الروح العلمية في فن عصر النهضة كذلك. حيث درس الفنانون علم الهندسة وعلم التشريح وعلوم أخرى. وازدهر فن العمارة والنحت والرسم وغيرها من الفنون التشكيلية. فإذا كانت الفنون التشكيلية في العصور الوسطى تعتبر فنون دينية. فخلال عصر النهضة كان هناك صراع من أجل أن تُفهم الفنون التشكيلية على أنها شكل من أشكال المعرفة. اشتهرت الأعمال الفنية في عصر النهضة بموضوعات مثل الأساطير والتاريخ الإنسان، بالإضافة إلى الموضوعات الدينية. أما أهم أعمال هذه الفترة فهي لوحة الموناليزا وسقف كنيسة السيستين لمايكل أنجلو. ولعل من أشهر فناني عصر النهضة ليوناردو دافنشي، ومايكل أنجلو وساندرو بوتيتشيلي ورافائيل سانزيو وتيتيان.

الأدب في عصر النهضة

تميز عصر النهضة كذلك بثورة أدبية ضخمة. كانت موضوعاته الأساسية تدور حول الإنسانية، واستعادة الأساطير والتقاليد اليونانية الرومانية الكلاسيكية. في البداية استخدم الأدباء العديد من الأفكار الأفلاطونية والأرسطية ووضعها في خدمة المسيحية، مما سمح باستعادة التعاليم الكلاسيكية. ثم طوروا أنواعاً أدبية جديدة، مثل المقالة، ونماذج مترية جديدة للشعر، وكذلك الرواية الحديثة.

انتشر أدب عصر النهضة بقوة هائلة بفضل اختراع المطبعة وولد تحت تأثير ثلاثة أدباء عظماء: دانتي أليغييري، وفرانشيسكو بتراركا؛ وجيوفاني بوكاتشيو. وكانت ولادة فن المقال ذات أهمية خاصة، لأنه سمح بنشر أفكار الإنسانية في الكتابات التعليمية والتفسيرية. بينما ظلت أعمال العديد من الكتاب والأدباء خالدة حتى عصرنا الحالي. إن الحديث عن مؤلفي عصر النهضة الأدبي هو الحديث عن ويليام شكسبير ومسرحياته العظيمة، ميغيل دي سيرفانتس ورواية دون كيشوت، ونيكولو مكيافيلي وكتاب الأمير، ودانتي أليغييري وعمله الخالد الكوميديا الإلهية، من بين مؤلفين عظام آخرين لا يتسع المقال لحصرهم.

الاكتشافات العلمية والاختراعات

أحدث عصر النهضة ثورة علمية رهيبة أدت إلى العديد من الاختراعات والاكتشافات الهامة، لكن هذه الاختراعات ساهمت رغم ذلك في العديد من المشكلات الاجتماعية والبيئية، على سبيل المثال أدى اختراع آلات الغزل إلى زيادة البطالة، وساهم اختراع بعض الأدوية إلى ظهور أمراض جديدة. ورغم الاختراعات التي زادت من كفاءة القدرة الزراعية للأراضي إلا أنها استنزفت الموارد الطبيعية بصورة كبيرة. بينما أسفر اختراع أجهزة كهربائية مثل الغسالات والثلاجات إلى تراكم النفايات وزيادة تلوث البيئة. ومن هنا كانت نظرة الناس في عصرنا الحالي إلى السبب وراء أخطر مشكلات البيئة يعود إلى التطور التكنولوجي وكذلك كان الحال في العصور الوسطى.

المنهج العلمي

استند المنهج العلمي الجديد على أهمية النظرية العلمية ودراسة الطبيعة باستخدام الحواس، والتخلي عن المعتقدات القديمة الراسخة سواء تلك التي تعتنقها الكنيسة أو التي تستند على فلسفة أرسطو الطبيعية. ودعا الكثير من الفلاسفة والعلماء إلى ضرورة استخدام العقل المجرد لتفسير الظواهر الطبيعية المختلفة. ليس ذلك فحسب بل استند المنهج العلمي الجديد على الملاحظة والتجربة والاختبار. كان العلماء في تلك الفترة يعرفون الرياضيات والموازين، ومن هنا جاءت أهمية وضع الملاحظات والتجارب العلمية في صيغ رياضية دقيقة. ولعل ما يوضح ذلك الأمر هو مقولة جاليليو جاليلي “قس ما يمكن قياسه، وما لا يمكن قياسه حوله إلى شيء يمكن قياسه”. ومنذ تلك اللحظة بدأت سيطرة الإنسان على الطبيعية.     

العقلانية

نتيجة الاعتماد بصورة أساسية على العقل تم التشكيك في الإيمان وتزايد الاهتمام باكتساب معارف جديدة قائمة على العقل، حيث كانت يعتقد أن العقل المجرد باستطاعته تفسير الواقع. ومن هنا كان الاعتماد على العقل بعيداً عن الأفكار والمعتقدات التي كانت سائدة في العصور الوسطى.

الإنسان مركز الكون

كان الاعتقاد السائد في العصور الوسطى هو أن الإله هو مركز الكون وهو القائم على كل شؤون الإنسان، وما خلق الإنسان إلا للإيمان به وعبادته. لكن تغيرت هذه النظرة في عصر النهضة وأصبح الإنسان هو مركز الكون فهو كائن متفرد عن باقي الكائنات مما سمح له بتطوير مهاراته وإمكاناته. وقد سمح هذا المنظر بوضع مركزية الإله الذي كان محور الاهتمام في السابق جانباً. 

الاهتمام بالطبيعة

لم يظهر الاهتمام بالطبيعة في العلوم فحسب بل امتد ليشمل الفن كذلك. فلقد أظهر الفنانون اهتماماً كبيراً بالطبيعة والكمال حتى في تمثيل جسم الإنسان، وهو عنصر استخدم مراراً في الرسم والنحت. وكان المجال الرئيسي الذي من خلاله تجسدت حركة النهضة، والتي استندت إلى مراقبة العالم والتعبير عنه من خلال العقل والمعرفة.

اقرأ أيضًا: من هم الهنود الأوروبيون؟ وكيف أثروا على أمم أوروبا؟

في الختام فإن الإنسانية هي ما شكلت روح عصر النهضة. حيث كانت لقد حركة فكرية وفلسفية وثقافية تبنت النزعة الإنسانية اليونانية الكلاسيكية، من أجل إعادة اختراع الثقافة الأوروبية في مواجهة ظلامية العصور الوسطى.

المراجع

1.       Author: Owen Jarus, Jessie Szalay, (1/11/2022), The Renaissance: The ‘Rebirth’ of science & culture, www.livescience.com, Retrieved: 9/6/2022.

2.       Author: The Editors of HISTORY.COM, (4/4/2018), Renaissance, www.history.com, Retrieved: 9/6/2022.

3.       Author: Robert Wilde, (7/14/2014), Key Dates in Renaissance Philosophy, Politics, Religion, and Science, www.thoughtco.com, Retrieved: 9/6/2022.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك