سخرية الأقدار – الجزء الثاني

سخرية الأقدار – الجزء الثاني

قصص واقعية مؤثرة: سخرية الأقدار – الجزء الثاني

يمكنك قراءة الجزء الأول من هنا: سخرية الأقدار – قصة قصيرة – الجزء الأول

الهروب

لحظات قليلة مضت وهو مازال يُفكر فيما سيفعله. تزاحمت الأفكار في رأسه. عاد ليتفحص نبض الفتاة لعلها مازالت على قيد الحياة. خاب رجاؤه، لقد وافتها المنية. أسرع يلهث إلى الخارج كالمجنون، وقد عقد العزم على المضي من حيث أتى، وكأنه لم يأت إلى هنا من قبل.

خرج من المنزل يترقب. يلتفت يميناً ويساراً لعل أحدا قد رأه، ولمَا وجد الشارع خال من المارة، ركض إلى محطة القطار. كانت السماء حينها تُنذر بالمطر، وما هي إلا لحظات قليلة حتى شرع المطر يغسل الشوارع. وصل إلى المحطة وبحث في جيبه عن حافظة نقوده، فلم يجد لها أثراً. تذكر على الفور ذلك الرجل الذي كان يجلس بجانبه في الحافلة، وظن أنه ربما قد سرق حافظة نقوده.

شرع يفتش في جيوبه عن بعض العملات المعدنية، ثم قدمها لعامل التذاكر. نظر العامل في العملات ملياً، وبعد أن أحصاها قال له بهدوء: لقد زاد سعر التذكرة اليوم يا سيدي. انظر إلى الساعة، إنها الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، وقد تم تطبيق هذا القرار بداية من هذه الليلة، ألم تكن تعلم؟

أجابه وقد بدا عليه الغضب: لا لم أكن أعلم شيئاً عن هذا. ليس معي سوى هذه العملات وأريد أن أذهب إلى منزلي.
قال له العامل بلطف: لا أستطع منحك تذكرة، ما بيدي حيلة.
وهنا ثارت ثائرته وصرخ في وجهه: أريد أن أذهب إلى منزلي، ألا تفهم؟!

أغلق العامل شباك التذاكر في وجهه ورفض الاستماع له. في ذلك الوقت لم يجد أمامه حلاً سوى أن يكسر القانون ويقفز من فوق الحواجز الحديدية ليستقل القطار، وما أن هم بفعلته حتى لمحه الحارس فركض ورائه، حتى خرج إلى الشارع مرة أخرى.


سخرية الأقدار

حاول أن يحتمي من المطر الشديد، فلم يجد مكان يحتمي فيه سوى مطعم مازالت أبوابه مفتوحة حتى هذه الساعة المتأخرة من الليل. دلف إلى الداخل وتقدمت منه النادلة تسأله عن طلباته، فأخبرها بلطف أنه لا يمتلك أية أموال، وسألها أن يجلس قليلاً حتى ينتهي المطر ثم يرحل. رق قلبها لحاله، وتركته وانصرفت. أخرج سجائره وأشعل واحدة وبدأ ينفث دخانها في الهواء وهو يتفكر فيما يحدث له هذه الليلة. كان يتساءل عن سخرية الأقدار وعن هذه المصادفات العجيبة الغريبة. قطع حبل أفكاره صاحب المطعم حينما جلس أمامه على المقعد وقال له: أنت لم تطلب شيئاً بعد؟

أجابه بوداعة: في الحقيقة ليست معي أموال. لقد سُرقت حافظتي وأريد العودة إلى منزلي. لكن ما معي لم يكف لشراء تذكرة القطار.
ابتسم له قائلاً: أريد أن أعقد معك صفقة. سأعطيك ثمن التذكرة في مقابل عمل تقوم به من أجلي.

انفرجت أساريره وقال: موافق.
– قبل أن تعلم ما هو العمل؟!
– أية عمل، لا أريد الآن سوى العودة إلى منزلي بسلام.

أخرج الرجل من جيبه مفتاح. وضعه على الطاولة أمامه وقال له: هذا مفتاح منزلي. ستذهب إلى هناك وسأعطيك العنوان. تدخل إلى الشقة، وفي غرفة النوم بجوار الفراش ستجد صوانة. ستفتحها وتحصل منها على مسدس….

انتابه الفزع وصرخ فيه قائلاً: مسدس!
طمئنه الرجل: لا تقلق، إنه سلاح مرخص فقط للحماية. أنت تعلم أننا نعمل لوقت متأخر من الليل، ولا يخلو الأمر من الحرص، وخاصةً أن في هذه الأوقات تنتشر اللصوص بكثرة.
– ولماذا لا تذهب أنت للحصول عليه؟
– لا أستطع مغادرة المطعم تاركاً النادلة بمفردها.


سارق لعين

أخذ المفتاح الموضوع على الطاولة، وهم بالذهاب، حينها استوقفه الرجل وقال له في ابتسامة: وكيف لي أن أعرف أنك لن تسرقني وتهرب.
تفكر مراد قليلاً ثم أخرج من جيبه مفتاح شقته. قدمه إلى صاحب المطعم قائلاً له: هذا مفتاح شقتي سأتركه معك حتى أعود ليطمئن قلبك، أنا لست لصاً.

ثم حمل المفتاح وانطلق إلى العنوان الذي أعطاه إياه. فتح الصوانة فوجد المسدس. جلس يلهو به قليلاً قبل أن يحمله إلى صاحبه. ثم عاد إلى هناك فوجده المطعم قد أُغلق. تعجب لذلك، لكنه توقف أمام المطعم ينتظر قليلاً حتى لاحت له النادلة التي تعمل فيه، وكأنها ظهرت من العدم. أخبرته أن فترة دوامها انتهت، وأن صاحب المطعم ذهب لقضاء بعض حاجته. ثم عرضت عليه أن تستضيفه في غرفتها إلى أن ينتهي المطر أو يعود الرجل.

قبل عرضها على مضض. جلس قليلاً في غرفتها المُطلة على المطعم، وما أن رنا إلى سمعه صرير باب المطعم وهو يُفتح من جديد حتى نظر من نافذة الغرفة. شاهد صاحبه، هبط الدرج لمقابلته، أعطى له المسدس.

قدم إليه مفتاح الشقة، وفي تلك اللحظة التي وضع فيها يده في جيبه حتى يمنحه الأموال التي اتفقا عليها، سمعا صراخ من نافذة النادلة. كانت تصرخ وهي تشير إليه وتقول: أيها الرجل إنك لسارق لعين!

علت الدهشة وجهه، وما كان منه إلا أن يركض بعيداً حتى لا يُعقد الأمور أكثر. فلو تطور الأمر وذهبا به إلى الشرطة، ستنهمر الأسئلة على رأسه حول وجوده في هذه المدينة، ويتم اكتشاف جريمة القتل وحينها ستحوم الشبهات حوله، فما كان منه إلا أن أطلق لساقه العنان. حاول صاحب المطعم أن يلحق به، لكن أنهكه التعب فعاد من حيث أتى.

اقرأ أيضاً: الموتى الأحياء


صاحب النون

أعياه السير الطويل. طاف شوارع وأزقة وحارات. تطلع إلى الجدران والنوافذ المضيئة في ظلام الليل. لم يعد يعرف كم مضى عليه منذ بدأت خطواته تجره إلى هذا المكان اللعين، حتى لفت انتباهه مسجد كبير. وجد بابه مفتوحاً في انتظار صلاة الفجر. دلف إلى الداخل لم يفكر ولم يقاوم، ترك نفسه على هواها. رمى بجسده المرهق أرضاً على السجادة. أسند ظهره ودفع برأسه للخلف مسنداً إياها على الحائط. انبعث في نفسه شيئاً من الهدوء والسكينة.

بدت عيناه تنطفئ رويداً رويداً من شدة التعب، حينما تطرق إلى سمعه صوت عبر الأثير يقول ” لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ”  نظر ناحية الصوت فإذا به شيخ بهي الطلعة يقترب منه زادته لحيته البيضاء وقاراً وهيبة. نظر إليه باستغراب وقال له الشيخ: كلنا ظالمون لأنفسنا يا ولدي حتى صاحب النون. صاحب هذا الدعاء قد ظلم نفسه.

شعر بالراحة تجتاح كيانه بعد حديث العجوز، وحينها طلب منه بعض الأموال كي يعود بها إلى منزله. أخرج الشيخ الأموال وأعطاه إياها. نهض مودعاً الشيخ بعد أن صلى الفجر، واستقل الحافلة عائداً إلى بيته، وما إن دخل المنزل حتى ارتمى على أريكته ليغط في سبات عميق. لم يوقظه سوى طرقات شديدة على الباب. نهض في تثاقل وفتح الباب، فألقت الشرطة القبض عليه، وأخبره الضابط أنه متهم بجريمة قتل، وأن بصماته كانت على المسدس الذي وجدوه بجانب القتيلة، فخر على الأرض مغشياً عليه…….

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك